فقدان الذاكرة يوم القيامة
لغز "فقدان الذاكرة" يوم القيامة! 🧠
لماذا يقسم المجرمون في الآخرة "والله ربنا ما كنا مشركين"؟ هل يجرؤون على الكذب أمام الله؟
الحقيقة المذهلة التي يكشفها القرآن: إنهم في حالة "نسيان عظيم" لهوياتهم وأعمالهم.
هذا هو "النبأ العظيم"؛ إخبار الناس بما نسوه تماماً من حياتهم الدنيا.
اكتشف كيف تُرد إلينا الذاكرة "رويداً رويداً" في مشهد المحشر
إنك لا تتذكر من الطفولة إلا صور ضبابية
أو بعض المواقف التي تجذرت في ذاكرتك. وقد تجد أخاك يذكرك ببعض القصص، فتكاد تُكذب
أخاك وأنك مطلقاً لم تفعل كذا أو يحدث لك كذا وكذا.
فكيف إذا صحونا بعد ألوف السنين من
قبورنا، فحينها نحن حتى أنفسنا لا نعلمها، ولا حتى أقاربنا ولن نعرف أقاربنا إلا
وقت المحشر، وهو ليس علم، بل معرفة أي علم جزئي وليس كامل
{وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ
يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ
قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ}
[يونس: 45]
ولهذا عندما تبدأ الساعة، بعد أن نقوم من
قبورنا بفترة، إذ تبدأ الزلازل والبراكين، يفر المرء من أبيه وأمه وزوجته وأولاده،
ليس لأنه نذل، أو ناكر للعشرة والمعروف، بل لأنه لا يعرفهم ولا يعرفونه، فالتعارف
سيكون في المحشر.
{يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ
أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ
امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ } [عبس: 34 - 37]
لكن قبل قيام الساعة ولحظة خروجنا من
قبورنا لا نعلم أي شيء، فإنه عندما تساعد الملائكة الظالمين لكي يخرجوا من القبر،
توبخهم وتلومهم، فيتعجبون، لأنهم لا يتذكرون أي شيء.
{الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ
الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا
نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}
[النحل: 28]
فالتوفية كما شرحنا ليس الإماتة، بل هو
ما بعد الخروج من القبر، حيث يوفينا المولى جزاء أعمالنا.
النبأ
يوم القيامة:
عشرات الآيات إن لم تكن بالمئات، تبين أن
المولى سينبأ البشر بما فعلوه في الدنيا
{وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ
وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}
[التوبة: 105]
{يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ
بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ}
[المجادلة: 6]
وقد نعت القرآن يوم القيامة بالنبأ
العظيم
ﵟعَمَّ
يَتَسَآءَلُونَ 1 عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلۡعَظِيمِ 2 ٱلَّذِي هُمۡ فِيهِ مُخۡتَلِفُونَ
3 كَلَّا سَيَعۡلَمُونَ 4 ثُمَّ كَلَّا سَيَعۡلَمُونَﵞ [النبأ: 1-5]
فهو نبأ لأهل القيامة نفسها، فقد نسوا كل
ما عملوه في الدنيا، لهذا سيتم إخبارهم بما عملوه، حينها سيختلفون لأن الأمر بداية
مجرد معرفة، فإذا شاهدوا كتاب أعمالهم حينها ستتحول المعرفة إلى علم، ثم سيتم تأكيد
علمهم بتلك الأعمال التي عملوها سابقاً.
لقد عميت عليهم أعمالهم السابقة لهذا
يتساءلون، هل نحن فعلنا ذلك حقاً؟ وهذا هو التفسير الصحيح لآية عما يتساءلون وليس التفسير
التراثي الذي زعم أنه القرآن وفي رأي آخر أنه يوم القيامة.
ﵟوَيَوۡمَ
يُنَادِيهِمۡ فَيَقُولُ مَاذَآ أَجَبۡتُمُ ٱلۡمُرۡسَلِينَ 65 فَعَمِيَتۡ
عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَنۢبَآءُ يَوۡمَئِذٖ فَهُمۡ لَا يَتَسَآءَلُونَﵞ [القصص: 65-66]
والنبأ في القرآن لا يكون إلا عما غاب عن
الناس، سواء كان أخبار الماضي أو ما سيقع في المستقبل. وهذه الآيات السابقة، تبين
أن الملائكة تواجه البشر بأعمالهم السابقة، وهي أنباء غابت عنهم لفقدان الذاكرة،
لهذا أطلق عليها أنباء ونعت يوم القيامة بالنبأ العظيم لأن مليارات البشر سوف
يأتيهم نبأ أعمالهم.
النسيان
لكل البشر:
كل البشر سوف ينبئون بما علموا سابقاً، حتى
الأنبياء فهذا عيسى ﷺ يذكره المولى بكل ما فعله معه في الدنيا
{ٱذۡكُرۡ نِعۡمَتِي عَلَيۡكَ وعَلَىٰ وَٰلِدَتِكَ
إِذۡ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِ تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلۡمَهۡدِ} [المائدة: 110].
حينها عيسى سوف يتذكر كل شيء فيرد ويقول:
ﵟمَا قُلۡتُ
لَهُمۡ إِلَّا مَآ أَمَرۡتَنِي بِهِۦٓ أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي
وَرَبَّكُمۡۚ ﵞ [المائدة: 117]
لكن هذا لا يعني النسيان الكامل
فالأنبياء يتذكرون مع غموض أو يعرفون ولا يعلمون كل التفاصيل كما هو الحال مع
نبينا محمد ﷺ
ﵟوَقَالَ
ٱلۡإِنسَٰنُ مَا لَهَا 3 يَوۡمَئِذٖ تُحَدِّثُ أَخۡبَارَهَا 4 بِأَنَّ رَبَّكَ
أَوۡحَىٰ لَهَاﵞ [الزلزلة: 3-5]
فالبشر يتساءلون عما يحدث للأرض من زلازل،
فيخبرهم الرسول أن هذا أمر الله قد أمرها بذلك.
دعوة
الداعي:
{
فَتَوَلَّ عَنۡهُمۡۘ يَوۡمَ يَدۡعُ ٱلدَّاعِ إِلَىٰ شَيۡءٖ نُّكُرٍ } [القمر: 6].
عندما يخرج الناس من قبورهم يدعو أحد
الملائكة البشر للتوجه إلى المحشر للحساب عما عملوه في الدنيا، فحينها يستغرب
ويستنكر الناس، أي يتعجبون من شيء غريب كيف يحاسبون على الماضي وهم شبه متيقنين
أنهم لم يعيشوا قبل حياتهم هذه التي في القيامة.
{أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا
مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } [الأنعام: 22، 23]
إن إجابتهم هذه ليس لأنهم يحبون الكذب،
ولكن لأنهم فعلاً في نسيان عظيم.
التذكر:
{يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ
مَا سَعَى } [النازعات: 35]
{وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ
يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (23) يَقُولُ
يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (24) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ
أَحَدٌ (25) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ} [الفجر: 23 - 26]
{عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ
وَأَخَّرَتْ} [الانفطار : 5]
{عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ}
[التكوير : 14]
سوف تحدث مفاجآت وأحداث صادمة، فتعود
للإنسان الذاكرة رويداً رويداً، فإذا حصل على كتاب أعماله استعاد ذاكرته، ويستمر
في التذكر حتى يصل إلى اليقين الكامل.
الخلاصة:
كما ننسى ما فعلناه بالأمس، فكذلك يوم
القيامة سوف ننسى حتى هويتنا وذاتنا، ولكن سوف نستعيد الذاكرة رويداً رويداً، حتى
نصل إلى الاستعادة الكاملة، وحينها يعض الظالم على يديه، ويتمنى أن يكون تراباً.
هذا والله أعلم
علي موسى الزهراني
هل لديك نظرة أخرى
أطرحها هنا كي نستفيد من علمك