أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

ما الفرق بين اثنين ومثنى في القرآن المكرم؟

 





 ما الفرق بين اثنان ومثنى في القرآن المكرم؟  

في المعاجم:

أصل واحد وهو تكرار الشيء مرتين، أو جعله شيئين متواليين أو متباينين. واثنان عدد معروف. والثنى والثنيان الذي يكون بعد السيد. والثنى هو الأمر يعاد مرتين. وحديث: "لا ثنى في الصدقة" أي لا تؤخذ مرتين في السنة. وامرأة ثنى أي ولدت اثنين. والثناية هو حبل من شعر أو صوف. وسمي بذلك لأنه يُثنى. والثنايا من الجزور هو الرأس أو غيره إذا استثناه صاحبه. والمثناة هو طرف الزمام في الخشاش. والمثناة ما قرئ من الكتاب وكرر. ولهذا قال: ولقد آتيناك سبعاً من المثاني. والثناء هو عقال البعير ونحو ذلك من حبل مثنى. وثنى الثوب ما كف من أطرافه. وأثناء الحية هو مطاويها إذا تحوت. وأثناء الوادي ومثانيه أي معاطفه ومحانيه. وثنيت الشيء أي عطفته وكففته  ([1])

ثني في القرآن:

ورد جذر "ث ن ي" في القرآن 24 مرة، معظمها عن العدد اثنين وتفريعاته. وهذا العدد بهذه التسمية لم يظهر من فراغ، فالعدد اثنان إنما هو مجرد نعت للرقم بناء على فعل ظاهر في الطبيعة وهو فعل الثني، وهذا ما سوف نراه في الأخير.

وغرضنا من هذا المقال هو الكشف عن الفرق بين (اثنين) و(مثنى) في القرآن. وبعد فحص الآيات، وضعنا الافتراض التالي: إذا كانت الآية تشير إلى نعت من النعوت في مجموعة مُعَيَّنَة، وأرادت تأكيد تطابق تلك المعدودات في ذلك النعت، فإنها تستخدم الصيغ: (مثنى، أو ثُلاث، أو رُباع..). أما إن قصدت الآية مجرد العدّ، أو لم تشترط التطابق في النعت، فإنها تستخدم العدد الأصلي وهو: (اثنان، أو ثلاثة، أو أربعة). وسوف نخضع هذا الافتراض للاختبار أمام كل الآيات؛ فإن صمد أمامها فَبِهَا ونِعْمَت، وإن كانت هناك آية واحدة تعترض افتراضَنا انتقلنا إلى افتراض آخر.

الثني هو المطابقة:

 لاحظ الإنسان العربي، أنه لو ثنى القماش على بعضه، ثم قصه من الوسط لظهر له قطعتان من القماش متطابقتان في المساحة، فبدلاً من قماش واحد صار عنده قماشان. ومن هنا صار يطلق على أي شيء متطابق مع آخر بأنه مثنى، وأن عددهما هو اثنان. ولعله فعل ذلك قبل صنع القماش، فإنه عندما كان يثني الخبز الذي يصنعه لكي يقسمه بالعدل، فإنه لاحظ أنه عند ثني ذلك الرغيف، فهو يقوم بعمل مطابقة بين شيئين مطابقة تامة في الكمية، وبهذا استخرج من تلك العملية الرقم اثنين لأنه جاء من الثني. ثم لاحقاً، انفصل هذا العدد (اثنان) عن معنى "التطابق والطيّ" الذي نشأ منه، وتحول إلى دلالة "الكمية" البحتة. فلم يعد الذهن يستحضر عملية ثني الأشياء عند نطق الرقم، بل صار يقصد به مجرد "العدد المكرر" (واحد وواحد)، سواء كان هذان المعدودان متطابقين أم مختلفين.

وإليك الآيات التي تؤكد ذلك:

ثاني اثنين:

{ثَانِيَ ٱثۡنَيۡنِ إِذۡ هُمَا فِي ٱلۡغَارِ} [التوبة: 40].

قد يتساءل البعض: لماذا استخدم العدد المجرد (اثنين) ولم يقل (مَثْنى)؟ والجواب: لأن السياق هنا هو سياق "إيمان ويقين"، ولو كان الصاحب مطابقاً للرسول في هذه الصفة (اليقين والثبات) لقال عنه "مَثْنى" أي مطابق له في الحال. ولكن، لما كان أحدهما في قمة السكينة (الرسول)، والآخر في حال خوف واضطراب، فقد انتفى التطابق في "الصفة المحورية" للمشهد، فاستوجب الأمر ذكر العدد المجرد "اثنين" الذي يثبت الوجود المادي فقط ولا يثبت التطابق المعنوي.

وهذا التحليل اللغوي يدفعنا للجزم بأن رفيق الغار لم يكن أبا بكر الصديق (كما هو شائع)، بل كان شخصاً آخر؛ وذلك لأن أبا بكر هو قامة الإيمان ورمز اليقين، وحاشاه أن يزلزله الخوف وتغيب عنه السكينة في مثل هذا الموقف. وهذا الطرح يتسق منطقياً مع سياق سورة التوبة، التي توجه خطابها وسياط نقدها للمنافقين والمتخلفين عن نصرة الرسول؛ فجاء ذكر حادثة الغار ليذكرهم بحالة الخوف والاضطراب والهلع التي تسيطر على ذوي القلوب المريضة، وهي حالة تنافي تماماً حالة (الثبات واليقين) التي يمثلها الصديق.

اثنان ذوا عدل:

{ٱثۡنَانِ ذَوَا عَدۡلٖ مِّنكُمۡ} [المائدة: 106].

وفي هذا الموضع، قد يُقال: هما متطابقان في العدالة، فلماذا لم يقل "مَثْنى"؟ والجواب: أن الشارع هنا يركز أولاً على "العدد" كشرط قانوني ملزم لإقامة الشهادة، فالأصل هو إحضار شخصين (رقم 2) لكي تنعقد الشهادة، فجاء بلفظ "اثنان" لتقرير العدد ضرورةً. ثم بعد أن أثبت العدد، ذكر الشرط وهو أن يتطابقا في صفة العدالة فقال "ذوا عدل". ولو كان المراد التركيز على مجرد تماثلهم في العدالة دون التركيز على العدد الصارم لربما قال "مَثْنى عدول"، ولكن لما كان "العدد" هنا مقصوداً لذاته كركن من أركان الحكم، استوجب ذكر "اثنان" صراحةً، ثم ألحقها بالصفة المشتركة.

 

نساء مثنى (من الطي إلى النسق):

{فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثۡنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَ} [النساء: 3].

 هنا يبرز تساؤل دقيق: قد نفهم "مَثْنَى" بأنها مشتقة من الثني (الطيّ) الذي ينتج متطابقين، لكن كيف نفهم "ثُلاث ورُباع" والطيّ الفيزيائي لا ينتج ثلاثة؟ لقد أدرك العقل العربي ببصيرته النافذة أن عملية "الثني" (الطيّ) -التي تنتج الرقم اثنين- تفضي حتماً إلى نتيجة حاسمة وهي: التطابق التام بين الشطرين. ولأن (مَثْنى) وليدة هذا الثني، فقد صارت علماً على التطابق. ولكن، ماذا لو وجد العربي ثلاثة أشياء أو أربعة متطابقة في نعت ما (كالطيبة أو الجمال) وأراد نعتها؟ هنا، لم يلجأ إلى عملية "طي" مستحيلة للعدد ثلاثة، بل لجأ إلى "استعارة القالب". فقام بسحب "وزن المطابقة" (مَثْنى/فُعَال) وأسقطه على بقية الأعداد، فقال (ثُلاث ورُباع). فالعربي هنا ترك "فعل الثني" الفيزيائي الخاص بالرقم اثنين، وانتقل إلى "نتيجة الثني" (وهي المطابقة) فعممها على بقية الأعداد. إذن: (مَثْنى) تفيد التطابق بحكم الأصل والاشتقاق، و(ثُلاث ورُباع) تفيد التطابق بحكم التبعية والوزن. وفي آية النساء، هذا الوزن هو الذي نقل الدلالة من مجرد (ثلاثة) عددية صماء، إلى (ثُلاث) وصفية تفيد تجانس الزوجات في صفة الطيبة، والقدرة على رعاية اليتامى.

المثاني المصحفية:

 {ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحۡسَنَ ٱلۡحَدِيثِ كِتَٰبٗا مُّتَشَٰبِهٗا مَّثَانِيَ...} [الزمر: 23].

 في القرآن شيء يطلق عليه "مثاني" أي أشياء متطابقة، (حديث وكتاب) هو متشابه وهو مثاني، أي هناك تشابه أي هناك مثله متطابق معه فهو مثنى له.

وفي الآية الأخرى

 {وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَٰكَ سَبۡعٗا مِّنَ ٱلۡمَثَانِي وَٱلۡقُرۡءَانَ ٱلۡعَظِيمَ} [الحجر: 87].

 ذكر أنها سبعٌ من المثاني، أي أربعة عشر شيئاً متطابقاً مع بعضه، كل اثنين متطابقين في جزئية معينة.

ثني الصدر:

{أَلَآ إِنَّهُمۡ يَثۡنُونَ صُدُورَهُمۡ لِيَسۡتَخۡفُواْ مِنۡهُ...} [هود: 5].

يثنون صدورهم أي يجعلونها مثنية، وغرض هذا الثني هو التخفي عن الله عز وجل. وبغض النظر عن مكان الصدر بيولوجياً، فإن عملية (ثني الصدر) الواردة في الآية تعني إطباق هذا الوعاء على ما فيه من أسرار لحجبها عن الله، كما يُثنى الكتاب لإخفاء سطوره. فالثني هنا هو عملية إغلاق محكمة تؤسس لمعنى التطابق والإطباق.

ثني العطف:

 {ثَانِيَ عِطۡفِهِۦ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ...} [الحج: 9].

 لم يرد العطف إلا في هذه الآية، وهو مما يمكن عطفه وثنيه. وما يهمنا هنا أنه يثني ذلك العطف لكي ينصت للشيطان فيضله.

التفكر الثنائي والفردي:

{قُلۡ إِنَّمَآ أَعِظُكُم بِوَٰحِدَةٍۖ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثۡنَىٰ وَفُرَٰدَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ...} [سبأ: 46].

 عندما تتفكر وتتأمل يجب أن تكون في حالة فردية، حتى لا يؤثر عليك الآخرون. وقد تكون في حالة ثنائية أي مع صاحب تتجاذب معه أطراف الحديث. لهذا استخدمت الآية لفظة (مثنى)، فالحوار الثنائي جيد، لأنه قد تغيب عن الفرد بعض النقاط فيوضحها الآخر (المطابق له في البحث عن الحق)، أو يعزز فكرة لدى الشخص. ثم بعد ذلك يتفكر كل إنسان بمفرده. أما التفكير الجماعي (الغوغائي) فخطير ومضر، لأن الجماعة لديها دوافع تمنعها من قبول الحق الذي تحسبه يضر بتماسكها.

الاستثناء من الثني:

 {وَلَا يَسۡتَثۡنُونَ} [القلم: 18].

ترى المعاجم وأهل اللغة أن الاستثناء من الثني. وهو وارد ومعقول، فأصحاب الجنة أرادوا حصاد جنتهم دون أن يعطوا المساكين. والآية تقول (ولا يستثنون) أي لا يقولون سوف نمنع الآخرين إلا الفقراء والمساكين. فهنا الثني واضح، فلو كان الممنوعون شيئاً واحداً وكأنه شيء ممتد أمام أعينهم (بساط المنع)، فكان عليهم أن يثنوا طرف هذا البساط ليشملوا المساكين بالعطاء، لكنهم لم يفعلوا.

أجنحة الملائكة الثنائية:

 {أُوْلِيٓ أَجۡنِحَةٖ مَّثۡنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَ} [فاطر: 1].

يرى أهل اللغة أن مثنى يفيد الترتيب والتكرار، ويرى الزمخشري أنه العدد المعدول. ولكننا نرى أن "مثنى" تعني ببساطة التطابق التام في صفة معينة، فأجنحة الملائكة التي على اليمين واليسار جزماً هي متطابقة متماثلة. وأما (ثلاث ورباع)، فقد جاءت على نفس الوزن (فُعَال) لتفيد هذا التناسق والنظام في الخلق، لا لتدل على مجرد العدد المتنافر.

الخلاصة:

 ختاماً، يمكننا القول إن جذر (ث ن ي) في القرآن واللغة ليس مجرد جذر للعدد "اثنين"، بل هو جذر لعملية "الطيّ" الفيزيائية التي ولدت مفهوم العدد في الذهن العربي. لقد بدأ الأمر بملاحظة فطرية: ثني الشيء يولد شطرين متطابقين (مَثْنى). ومن هذه العملية المادية البحتة، انطلق العربي ليؤسس مفهوماً تجريدياً هو "المطابقة". فحيثما أراد وصف أشياء متماثلة ومتجانسة في صفة ما، استخدم وزن (مَثْنى)، حتى لو كانت الأعداد (ثُلاث ورُباع) التي لا تأتي من الطي المباشر، وذلك إلحاقاً لها بنسق التطابق لا بأصل الفعل. وبهذا الفهم، ندرك الفرق الدقيق بين "الزوج" و"المثنى" في القرآن؛ فالزوج تكامل بين مختلفين (ذكر وأنثى، ليل ونهار)، بينما "الثني والمثنى" هو تكرار ونسخ لمتطابقين (كصفحتي الكتاب، أو شطري الرغيف). إن القرآن حين يستخدم "يثنون صدورهم" أو "أجنحة مثنى" أو "نساء مثنى"، فإنه يعيدنا إلى ذلك المعنى الأول: البحث عن التطابق، والإغلاق، والتماثل، بعيداً عن مجرد العدّ الحسابي الأصم.

هذا والله أعلم

علي موسى الزهراني


([1]) «معجم مقاييس اللغة» (1/ 391): «المعجم الاشتقاقي المؤصل» (1/ 258):


ali
ali
تعليقات
    جاري استحضار النفحات القرآنية...