أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

الأقصى المجهول بين دمار القدس وعمار قباء

 


الأقصى المجهول بين دمار القدس وعمار قباء

بينما استقر في الوعي الجمعي مكانٌ محدد للمسجد الأقصى، تقف الحقائق التاريخية والآثار المادية موقف المعارض لهذه المسلمات. إن البحث في ماهية 'المسجد' وتوقيت وجوده يقودنا حتماً إلى مراجعة جذرية للموقع الجغرافي. هذه الورقة لا تهدف لمجرد التشكيك، بل لإثبات الحقيقة الغائبة التي تربط بين دمار الهيكل المزعوم وعمارِ أول مسجد أُسس على التقوى. نضع بين يدي القارئ الأدلة الموثقة التي تشير بوضوح إلى أن قبلة البحث يجب أن تتجه نحو 'قباء'

عدم وجود مسجد في فلسطين زمن الرسول:

قبل حادثة الإسراء (حوالي 620م) بسبع سنوات (سنة614مـ) اجتاح الجيش الفارسي مدينة القدس، وقاموا بإحراقها وخاصة الكنائس وأحرقوا كنيسة القيامة وهي أكبر الكنائس ([1])

 وحتى المنطقة التي تُعرف اليوم بالمسجد الأقصى والذي يسمى جبل الهيكل أو موريا، كان ساحة مهجورة تماماً، بل مكباً للنفايات، ولم يكن فيه أي بناء، وذلك لأن الرومان دمروا الهيكل الثاني سنة 70م تدميراً كاملاً. بل إن الامبراطور هادريان منع اليهود من دخول القدس مطلقاً وحولها إلى مدينة وثنية "إيليا كابيتولينا" فلما تحول الرومان إلى النصرانية تعمدوا الاستمرار في خراب جبل الهيكل بل جعله مكباً للنفايات، ذلك أن لديهم نبوءة المسيح التي تؤكد خراب المنطقة حجر على حجر ([2])

كما أن علم الآثار والتاريخ يؤكد أن المسجد الأقصى الحالي لم يبن إلا في زمن عبدالملك بن مروان وابنه الوليد أي بعد موت الرسول بخمسين سنة. بينما تشير سورة الإسراء أن المسجد قائم ومبني وليس مكب نفايات ([3])

الأدلة على أن مسجد قباء هو المسجد الأقصى:

- يثرب خارج النفوذ القرشي:

بما أن المسجد الأقصى ليس له اسم معلوم، فهو مسجد جديد، لم يكن له اسم معلوم، لكن نُعت بأنه أقصى أي آخر الحدود، وبما أن الرسول كان في مكة وداخل دولة قريش، فإن يثرب تعتبر خارج حدود هذه الدولة، فهو لهذا أقصى حدودها، على أحد أطرافها.

ولم يوجد مسجد في تلك الفترة إلا مسجد قباء، الذي هو في المدينة عند جماعة معادية لقريش، فهي أولاً ليست من ضمن دولة الحمس وهم: خزاعة، كنانة، ثقيف، وبعض بني عامر ، وقريش، وجديلة قيس. بل بلغ الاختلاف في شعائر الحج أي في الدين نفسه ([4]) بل بلغ من مخالفة الأنصار رفضهم السعي في المسعى بمكة ويتحرجون من ذلك ([5])

لهذا كان نعت ذلك المسجد بأنه أقصى مطابق تماماً لحقيقة مسجد قباء الذي يقع في أقصى دولة قريش ونفوذها.

انسداد الأفق المكي وإرهاصات التحول نحو القِبلة الجديدة:

قبل نزول سورة الإسراء، تضافرت معطيات واقعية وأحداث مفصلية ساهمت في توجيه البوصلة النبوية نحو الهجرة، ويمكن إجمال هذه الإرهاصات في الآتي:

-     تصدع الجبهة الداخلية (عام الحزن):

o    في السنة العاشرة للبعثة، فقد النبي ﷺ ركيزتي الدعم الأساسيتين: خديجة (الداعم الروحي والعاطفي)، وأبو طالب (الغطاء السياسي والاجتماعي). هذا الفقد جعل الرسول في مواجهة مباشرة ومكشوفة مع قريش، حيث اشتد الضغط على الكتلة المؤمنة بغياب كبيرهم الذي كان يشكل درعاً حصيناً.

-    اصطدام النفوذ في الطائف:

o    جاءت رحلة الطائف (السنة العاشرة) لتكشف عن حقيقة جيوسياسية مهمة؛ وهي أن نفوذ قريش السياسي والديني (نظام الحُمْس) يمتد ليشمل ثقيفاً، مما جعلها تابعة في قرارها لمكة. هذا الرفض القاطع أكد استحالة إقامة الدعوة داخل النطاق الحيوي لدولة قريش، مما فرض البحث عن ملاذ "أقصى" خارج هذه الحدود الجغرافية والسياسية.

-    الاستشراف المستقبلي (حادثة الإسراء):

o    بين العامين الحادي عشر والثاني عشر، وبعد عام من انسداد أفق الطائف، جاءت حادثة الإسراء كرؤيا منامية استشرافية (بناءً على قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ}([6]) في هذه الرؤيا، التي تمت بخفاء (إسراء)، تكشفت للنبي ﷺ معالم دار الهجرة: "أرض سبخة ذات نخل بين لابتين"([7]) وهي إشارة لطي المسافات نحو المستقر الجديد (مسجد قباء بالمدينة) وليس رحلة جسمية آنية، بل هي رؤيا تأسيسية لمرحلة الانتقال من مكة.

التطابق المنهجي بين تشريعات "الإسراء" ومواثيق "العقبة"

تتجلى مصداقية الرؤيا النبوية في التطابق التشريعي المذهل بين ما نزل في سورة الإسراء (مكيّة) وبين بنود "بيعة العقبة" (بداية العهد المدني). هذا التطابق ليس عشوائياً، بل هو دليل على أن التوجيه الإلهي كان يُعِدُّ النبي ﷺ لمرحلة "ما بعد الهجرة" إلى المسجد المؤسس على التقوى (قباء).

فقد جاءت بنود البيعة التي عقدها الرسول ﷺ مع وفد الأنصار نسخةً تنفيذية للوصايا الواردة في سورة الإسراء (الآيات 22-39). فعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال:

"بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة ‌العقبة ‌الأولى على ألا نشرك بالله شيئا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه من بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف..."([8])

عند مقارنة هذا النص النبوي مع النص القرآني في سورة الإسراء، نجد تطابقاً يكاد يكون حرفياً في المضامين:

  • تحريم قتل الأولاد: ﴿وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُمۡ خَشۡيَةَ إِمۡلَٰق...﴾ [الإسراء: 31].
  • تحريم الزنا: ﴿وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلزِّنَىٰٓۖ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَة...﴾ [الإسراء: 32].
  • تحريم القتل: ﴿وَلَا تَقۡتُلُواْ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ...﴾ [الإسراء: 33].
  • الوفاء بالعهود: ﴿وَأَوۡفُواْ بِٱلۡعَهۡدِۖ إِنَّ ٱلۡعَهۡدَ كَانَ مَسۡـُٔولٗا﴾ [الإسراء: 34].

هذا التناغم بين "النظرية" (في سورة الإسراء) و"التطبيق" (في بيعة العقبة) يرجح أن المسجد الأقصى المقصود هو "قباء"، محط رحال الهجرة ومنطلق الدولة، وليس مكاناً آخر لم يكن فيه بناء ولا تشريع في تلك الحقبة.

الدلالة الجغرافية والاقتصادية: "بَارَكْنَا حَوْلَهُ"

إن الوصف القرآني للمسجد الأقصى بعبارة ﴿بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ يجد تجسيده الواقعي والتاريخي في منطقة "قباء" والمدينة المنورة، وذلك من خلال عدة مظاهر للبركة المادية والاستراتيجية:

1. الوفرة المائية والزراعية: تميزت قباء والمدينة بثرائها المائي (مثل بئر رومة، وبئر أريس، وبئر بضاعة)، مما أدى إلى ازدهار زراعي، لا سيما في زراعة النخيل. في زمن كانت فيه الزراعة هي عصب الحياة، مثّل التمر "عملة استراتيجية" وغذاءً متكاملاً يضمن الأمن الغذائي للمجتمع الجديد، بعكس مكة التي كانت "وادٍ غير ذي زرع".

2. التنوع الديمغرافي والصناعي: احتضنت المدينة مجتمعاً متنوعاً ضم خبرات صناعية وحرفية متقدمة (كالحدادة والصياغة التي برع فيها اليهود)، مما وفر للدولة الناشئة قاعدة إنتاجية مستقلة.

3. الموقع الاستراتيجي: مثّل موقع المدينة تهديداً تجارياً لقريش ومنافساً اقتصادياً، فضلاً عن كونها حصناً طبيعياً يوفر "المنعة" المطلوبة للدعوة.

من التبليغ إلى التأسيس: طلب النصرة والسلطان النصير

لم يكن لقاء العقبة مجرد حلقة درس ديني، بل كان تأسيساً لكيان سياسي وعسكري. يتضح ذلك من طلب الرسول ﷺ تعيين "نقباء" يمثلون قومهم، مما يشير إلى هيكلة إدارية مبكرة:

"أخرجوا إليَّ منكم اثني عشر نقيباً، ليكونوا على قومهم بما فيهم"([9])

كما تضمنت البيعة بند "الدفاع المشترك" الذي يُخرج العلاقة من النصح إلى النصرة:

"بل ‌الدم ‌الدم، والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم"([10])

هذا التحول الجذري هو تحقيق لدعاء النبي ﷺ في سورة الإسراء: ﴿وَٱجۡعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلۡطَٰنٗا نَّصِيرٗا﴾ ([11]) فالأنصار هم تجسيد لـ "السلطان النصير" الذي حماه وآواه ونصره، وهو ما يتسق مع كون الوجهة هي المدينة (حيث الأنصار) وليست القدس.

الخلاصة

بناءً على الأدلة التاريخية والنصية والجغرافية، نخلص إلى النتائج التالية:

1. التحديد الجغرافي: "المسجد الأقصى" هو مسجد قباء؛ إذ يمثل أقصى حدود النفوذ القرشي ونهاية سيطرة "الحُمْس"، لتبدأ بعده حدود "أهل الحل" في المدينة.

2. الاستحالة التاريخية للقدس: تؤكد الشواهد التاريخية أن إيلياء (القدس) كانت في تلك الفترة تعاني من دمار روماني وتخريب متعمد، مما ينفي وجود "مسجد" قائم للصلاة آنذاك.

3. التطابق التشريعي: تماثلت وصايا سورة الإسراء مع بنود بيعة العقبة، مما يؤكد وحدة السياق والمقصد بين السورة وبين وجهة الهجرة.

4. تحقق البشارة: كانت رحلة الإسراء "رؤيا استشرافية" لمستقبل الدعوة، حيث حددت معالم "دار الهجرة" ومكان المسجد الذي سيُبنى ويُبارَك حوله، وهو ما تحقق فعلياً في مسجد قباء بالمدينة المنورة.

هذا والله أعلم.

علي موسى الزهراني

ملاحظة: هذا لا يعني أحقية اليهود في القدس فقد انتزعوها من أهلها وطردوهم، والناس أقدس من الحجارة، وسوف يأتي اليود الذي يعود أهل الأرض إلى بلادهم ويخرج منها المغتصبون. 


([1]) أنظر: الوثيقة المعروفة بـ "استيلاء الفرس على القدس" للمؤرخ "أنطيوخوس استراتيغوس" (Antiochus Strategos)، وهو راهب عاش الحدث. يصف الحرائق التي التهمت المدينة وتدمير المقدسات المسيحية وقتل عشرات الآلاف. وأنظر: القرآن الكريم أشار لهذا الحدث في مطلع سورة الروم: {غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ} [الروم: 2-3]، والمفسرون يجمعون أن "أدنى الأرض" هنا هي منطقة الشام/بيت المقدس التي خسرها الروم أمام الفرس في تلك الفترة.

([2]) أنظر: Jerusalem: One City, Three Faiths  للمؤرخة كارين أرمسترونج  (Karen Armstrong)، حيث توثق أن منطقة الحرم كانت مهجورة ومليئة بالأنقاض طوال العهد البيزنطي وحتى الفتح الإسلامي.وأنظر: الطبري في تاريخ الرسل والملوك (أحداث سنة 15 هـ)، أن عمر بن الخطاب لما دخل القدس وطلب رؤية مكان "مسجد داوود" (موقع الهيكل)، وجده مغطى بالزبل (القمامة) والأوساخ، حتى أنه بدأ يكنسه بردائه. هذا دليل قاطع على أنه لم يكن هناك "مسجد" مبني عند الإسراء، بل أرض خربة.

([3]) أنظر:        The Art and Architecture of Islam 650-1250 للمؤرخين إيتنغهاوزن وغرابر (Ettinghausen & Grabar). يؤكدان أن أول بناء إسلامي ضخم في الموقع كان قبة الصخرة سنة 691 م.

([4]) سيرة ابن هشام، (باب: ما ابتدعت قريش في الحمس).

([5]) صحيح البخاري، (كتاب الحج، باب: من لم ير السعي بين الصفا والمروة واجباً..)، وصحيح مسلم (كتاب الحج).

([6]) [الإسراء: 60]. 

([7]) «مصنف عبد الرزاق» (5/ 387 ت الأعظمي): يقول الرسول عليه السلام: "إني قد ‌أريت ‌دار ‌هجرتكم سبخة ذات نخل بين لابتين"

([8]) (سيرة ابن هشام، مسند أحمد).

([9]) «سيرة ابن هشام - ت طه عبد الرؤوف سعد» (2/ 64).

([10]) «سيرة ابن هشام» (2/ 64)، «المعجم الكبير للطبراني» (19/ 250).

([11]) [الإسراء: 80].

ali
ali
تعليقات
    جاري استحضار النفحات القرآنية...