الرتع في القرآن المكرم
مقدمة
شكلت مفردة "الرتع" مأزقاً
دلالياً في المدونة التفسيرية، وذلك بسبب الركون التام إلى ما قررته المعاجم
اللغوية التي حصرت اللفظة في سلوك الأنعام والأكل بشراهة. وعندما واجه المفسرون
هذه اللفظة في سياق قرآني يصف أبناء نبي في سورة يوسف —وهي السورة الوحيدة التي
ورد فيها هذا الجذر— اضطربت توجيهاتهم ولجأوا إلى التأويل والترادف. يهدف هذا
المقال إلى تفكيك هذا الارتهان المعجمي، وإثبات أن الجذر (ر-ت-ع) يحمل دلالة حسية
وجمالية راقية لا علاقة لها بالأكل، بل ترتبط حصراً بالتلذذ البصري والسمعي بمحاسن
الطبيعة.
أولاً: الرتع في المعاجم
ورد في المعاجم ([1]) أن الكلمة تدل على الاتساع في المأكل. فرتع يعني أكل ما يشاء، ولا
يكون ذلك إلا في الخصب. وغيث مرتع أي ما ينبت به الكلأ. والرتع هو الاتساع في
الخصب. ويرتع حول الحمى أي يطوف به ويدور حوله. والرتعة هي اتساع في الخصب. ورتعت
الماشية أي أكلت ما شاءت، وجاءت وذهبت في المرعى نهاراً. والرتع هو الأكل بشره.
وأرتعت الأرض كثر كلؤها.
ثانياً: تفسير أهل التراث لمفردة (يرتع)
يرى بعضهم أن هناك قراءة وهي
"نرتع" وليس "يرتع"، وأن المعنى هو يحفظ بعضنا بعضاً، أي
نتحارس. ويرى قتادة أن الناس لا يرتعون وإنما الغنم ترتع. وكان مقاتل يقرأها هكذا:
"أرسله معنا غدا نلهو ونلعب". وذهب بعضهم إلى أن المقصد بـ "يرتع"
أي يرعى غنمه وينظر ويعقل ويتعلم. وقال آخرون، بل المعنى نسعى وننشط ونلهو ونفرح ([2])
ثالثاً: أباطيل الوعاظ المعاصرين والتسرب
اللاواعي للمعنى
وبعد الاستقراء المعقول للمدونات السنية
الكلاسيكية ومصنفات كبار الأئمة المتقدمين، نؤكد خلو التراث العربي والشرعي الأصيل
تماماً من استخدام (الرتع) كناية عن "الغيبة وأكل لحوم الناس". وإنما
هذا الاستعمال هو «تلوث دلالي» ومسخ بلاغي طفا على السطح في العقود الأخيرة
على ألسنة بعض الوعاظ؛ الذين تشربوا سموم الاختزال المعجمي فظنوا أن الرتع هو
الشراهة، ثم خلطوا هذا الوهم بالتشبيه القرآني للغيبة بأكل اللحم، فخلطوا الحابل
بالنابل.
وبناءً على هذا التخبط، استحدث هؤلاء
تركيباً هجيناً كقولهم: "يرتع في أعراض الناس ويتفكه بلحومهم"([3]) أو "رتعوا في أعراض المؤمنين"([4]) والعجيب في هذا التركيب العصري، أن الواعظ يقرن أحياناً بين
"يرتع" وبين "يتفكه" (أي يتلذذ)، وهذا يكشف عن حقيقة كامنة في
فطرته اللغوية؛ فهو يدرك بسليقته العربية أن جذر (ر-ت-ع) يحمل دلالة (التلذذ
والمتعة)، لكنه ولارتهانه للمأزق المعجمي، دمج (التلذذ) مع (النهش).
وهذا يثبت بالدليل القاطع مدى الجناية
التي أحدثتها المعاجم على الذائقة العربية. فقد كان التعبير العربي والشرعي الأصيل
والدقيق للخوض في السمعة هو (الاستطالة في العِرض)، كما ورد في الحديث
النبوي: "إِنَّ مِنْ أَرْبَى الرِّبَا الِاسْتِطَالَةَ فِي عِرْضِ
الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ حَقٍّ"([5]) أما إقحام مفردة "الرتع" في الأعراض
فهو من أباطيل العصر المتأخر.
رابعاً: المأزق التفسيري وتفكيك التوجيه
التراثي
المأزق الحقيقي الذي واجه المفسرين في
التعامل مع كلمة (يَرْتَع) في سياق قصة يوسف، هو استشكالهم إسناد فعل وضعته
المعاجم للأنعام (الأكل بشراهة) إلى أبناء نبي في سياق بشري محض. وللخروج من هذا
المأزق، لجأوا إلى التأويل وصرف اللفظ عن أصله؛ ففسروه بـ "نسعى"،
و"ننشط"، أو "يحفظ بعضنا بعضاً".
يقع هذا التوجيه التراثي في فخ
"الترادف" وإلغاء استقلالية الجذر اللغوي. تجريد مفردة (ر-ت-ع) من
دلالتها واستبدالها بمفردات أخرى مثل (س-ع-ي) أو (ح-ف-ظ) يفترض عبثاً أن القرآن
يستبدل الألفاظ بأخرى تؤدي نفس المعنى. والحق أن لكل مفردة قرآنية دلالة واحدة
محددة لا تسد مسدها مفردة أخرى، والجذر في القرآن لا يحمل إلا معنى واحداً مطرداً
في كل سياقاته.
خامساً: الخلل المعجمي وتحرير المعنى
الشامل لجذر (ر-ت-ع)
لقد وقع أصحاب المعاجم في خطأ منهجي جسيم
عندما خلطوا بين "سلوك البهيمة الفسيولوجي" وبين "الدلالة اللغوية
للحالة والمكان". البهيمة عندما توضع في مكان ربيعي خلاب تتوفر فيه الأعشاب
والمياه (المرتع)، فإنها تأكل بشراهة كنتيجة لوجودها في هذا المكان، فظن المعجميون
خطأً أن (الرتع) هو الأكل بشراهة، وفسروا الكلمة باللازم المادي وتركوا المعنى
الجوهري للفظ.
بينما المعنى الحقيقي والوحيد لجذر
(ر-ت-ع) لا علاقة له إطلاقاً بالأكل، بل هو: التلذذ الحسي (البصري والسمعي)
والاندماج في محاسن الطبيعة الغنّاء ومباهجها.
- في سياق الحيوان (المرتع): عند وفرة الربيع والخصب، يسقط عن الغنم
عبء (الرعي) المجهد والبحث عن الطعام، فتدخل في حالة (الرتع)، وهي الاسترخاء
واللعب والاجترار الهادئ في بيئة مريحة، فكأنها تتنزه ولا ترعى.
- في سياق البشر: رتع الإنسان في الطبيعة هو الانتقال من
حالة الكد إلى التلذذ الحسي والانغماس البصري والسمعي في بهجة المكان وجماله.
سادساً: الرتع في القرآن (تطبيق المعنى
الدقيق)
في قوله تعالى: {أَرۡسِلۡهُ
مَعَنَا غَدٗا يَرۡتَعۡ وَ يَلۡعَبۡ وَ إِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ} [يوسف: 12].
يجب أن نستبعد تفسيرات أهل المعاجم التي
لا تصح في فهم القرآن؛ فلا يعقل أن يسألوا أباهم يعقوب أن يرسل يوسف معهم لكي يأكل
بشراهة، فما هو موجود في منزل يعقوب يغنيهم عن الخروج للبرية من أجل الأكل. كذلك
هو ليس مجرد "لعب" لورود الفعل مستقلاً في الآية، وليس "سعي"
أو "لهو".
الرتع هنا هو "التنزه والتلذذ بجمال
الطبيعة"؛ فأبناء يوسف في رحلة استجمام، يريدون الذهاب إلى مكان بعيد عن خيمة
أبيهم، يكثر فيه الفراش والجراد، وفيه غدير ماء وصوت خريره، وحيوانات برية ومناظر
تسر الناظرين. لقد كان المكان لوحة فنية مذهلة، فطلبوا خروجه للتلذذ البصري
والسمعي بهذا المحيط (يرتع)، مضافاً إليه النشاط البدني (يلعب).
لا يستخدم القرآن لفظة
"التنزه" الدارجة اليوم للدلالة على السياحة في الطبيعة، بل يسميها
"الرتع". وتؤكد الآية اللاحقة أن يوسف كان في منطقة أحراش وأعشاب كثيفة
يسهل على الذئب التخفي فيها لاقتناصه، وأن انشغالهم بالتلذذ بجماليات المكان أورثهم
الغفلة: {وَأَخَافُ أَن يَأۡكُلَهُ ٱلذِّئۡبُ وَأَنتُمۡ عَنۡهُ غَٰفِلُونَ} [يوسف:
13].
سابعاً: أدلة إضافية على أن الرتع هو
التلذذ الحسي
- الاستعمال اللغوي المنسوب للرسول: في القول المنسوب إليه: "إذا
مرَرْتُم برياضِ الجَنَّةِ فارتَعوا" ([6]) ما
يعنينا في هذا النص هو أن مفردة "الرتع" مقترنة بـ
"الرياض" (الحدائق الغنّاء). نجد أن الاستعارة اللغوية لم تُبنَ
على "الأكل"، بل بُنيت على التمتع والتنعم بمناظر الرياض ومحاسنها،
مما يؤكد أن العقل العربي يربط الرتع بجماليات المكان والتلذذ بها.
ثامناً: دفع اعتراضات متوقعة
- شبهة مخالفة المعاجم: المعاجم ليست حاكمة على النص القرآني، بل
هي جمع بشري لاستعمالات العرب وقد كانت -غالباً- في بيئة صحراوية قاسية، حيث
كان جل اهتمامهم منصباً على "الأكل والرعي" لبقائهم المادي. القرآن
نزل بلسان عربي مبين، لكنه ارتقى بالجذور اللغوية إلى أصفى دلالاتها،
متجاوزاً الاستعمال البدوي المادي.
- شبهة التناقض بين الرتع واللعب: يزعم البعض أن عطف "يلعب" على
"يرتع" يجعلهما بمعنى واحد أو متناقضين. والحق أن أداة العطف
(الواو) تقتضي المغايرة والتكامل لانتفاء الترادف في القرآن.
"الرتع" يمثل الاستمتاع النفسي والحسي بجماليات الطبيعة،
و"اللعب" يمثل النشاط الحركي البدني لتفريغ الطاقة. وهما معاً
يمثلان الصورة المثالية للرحلة.
- شبهة أن الأكل غاية للرحلة: القول بأن الأكل بشراهة هو جزء من
الترويح في البرية هو قول ينافي المنطق النفسي للقصة. لا يُعقل أن يقنع
الإخوة أباهم النبي بإرسال أخيهم الصغير لمجرد "الأكل بشراهة"، بل
الحجة المقنعة هي إرساله للتنزه، ورؤية الطبيعة، والترويح عن النفس باللعب،
فهي التي يفقدها يوسف وبقية من كان لا يغادر الخيمة اليعقوبية.
الخلاصة:
إن الرتع في القرآن ليس مرادفاً للرعي
الحيواني، ولا علاقة له بالأكل بشراهة كما توهمت المعاجم، بل هو مصطلح قرآني دقيق
يصف التلذذ الحسي، بصرياً وسمعياً، بمناظر الطبيعة الخلابة. وقد ورد في القرآن
وقصد به الترويح عن النفس والتنزه في محيط غني بالبهجة والجمال.
والله أعلم
علي موسى الزهراني
هل لديك نظرة أخرى
أطرحها هنا كي نستفيد من علمك