أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

حتى البلوغية في القرآن المكرم

حتى البلوغية في القرآن المكرم



من الاستمرار إلى الانعكاس

(حتى) في الميزان المعجمي

عند تتبع وتأمل ما سطرته أمهات المعاجم وكتب النحو حول دلالة حرف "حتى"، نجد أنهم شتتوا ذهن القارئ بتقسيمات مبنية على "الإعراب" (أي تشكيل أواخر الكلمات) وليس على المعنى القرآني الثابت. ولتبسيط هذه الآراء للمتلقي، نوجز تقسيماتهم التراثية في الآتي:

1. حتى الجارة (بمعنى إلى): قالوا إنها تفيد انتهاء مسافة الفعل فقط، وجعلوها مرادفة لحرف (إلى). ومثلوا لها بقولهم: "أكلت السمكة حتى رأسِها" (بكسر السين)، وفسروها بأن الأكل توقف عند الرأس، فالرأس لم يُؤكل.

2. حتى العاطفة (بمنزلة الواو): قالوا إنها تشبه حرف (الواو) في إشراك ما بعدها مع ما قبلها. ومثلوا لها بقولهم: "أكلت السمكة حتى رأسَها" (بفتح السين)، وفسروها بأن المعنى: أكلت السمكة ورأسَها.

3. حتى الابتدائية (الاستئنافية): قالوا إنها تُستخدم لمجرد الابتداء بجملة جديدة مقطوعة عما قبلها إعرابياً. ومثلوا لها بقولهم: "أكلت السمكة حتى رأسُها" (بضم السين)، ليكون التقدير: أكلت السمكة، وحتى رأسُها مأكول.

4. حتى الدالة على الحال (الوقت الحاضر): ذهب بعضهم إلى أنها تُستخدم للدلالة على الزمن الحاضر وقت التحدث، كأن يقول القائل: "سِرتُ حتى أدخلُ المدينة"، أي: سرتُ، وها أنا ذا أدخلها الآن في هذه اللحظة ([1])

القرآن مهيمناً على اللغة (نقد الطرح المعجمي)

إن المنهج العلمي السليم يقتضي أن يكون القرآن الكريم هو المهيمن والحاكم المطلق على اللغة، لا العكس. وما عرضته المعاجم يعكس انشغالاً بالوظيفة الإعرابية السطحية للحرف (الجر، العطف، الاستئناف) على حساب التنقيب عن "الدلالة الجوهرية" الثابتة، معولين في ذلك على أمثلة مصنوعة بشرياً.

ومن أبرز إفرازات هذا التشتت، القول بوجود ترادف بين حرفي (حتى) و(إلى)، وهو ما يسقطه الاستقراء القرآني الدقيق. فحرف (إلى) يشير فقط إلى اتجاه مسير الفعل ونهايته الحدية. أما حرف (حتى) فهو معنيٌّ بـ "حالة الفعل"؛ فهو أداة تفيد استمرار حكمٍ ما، إلى أن يتحقق "البلوغ" لنقطة محددة، فتكون النتيجة هي "الانعكاس"؛ أي توقف الحكم الأول وانقلابه إلى النقيض إذا تغيرت الظروف.

ففي قوله تعالى: {وَلَن تَرۡضَىٰ عَنكَ ٱلۡيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمۡ} [البقرة: 120]، الآية لا ترسم خط سير زمني فحسب، بل تقرر حالة مستمرة من السخط والرفض، تستمر حتى بلوغ نقطة معينة (وهي اتباع الملة)، عندها يحدث الانعكاس التام وينقلب السخط إلى رضا.

الاستقراء القرآني لتجليات الانعكاس

ورد هذا الحرف في القرآن 138 مرة في 48 سورة. ومن خلال استقراء هذه الآيات جميعاً، تبين باطراد حاسم أن الدلالة الوحيدة هي "البلوغ المؤدي للانعكاس"؛ فيظل الشيء على حاله حتى يبلغ نقطة محددة، فيتغير الحال وينعكس، أو ينفعل بعد سكون، كما يتضح في النماذج الآتية:

  • الانعكاس من السلام إلى الدمار: {سَلَٰمٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطۡلَعِ ٱلۡفَجۡرِ} [القدر: 5]. السورة في سياق التخويف لقريش، فالليلة التي تنزل فيها الملائكة تظل في حالة من السلام التام، حتى تبلغ وقت الفجر (وهو الوقت المعهود في القرآن لتدمير الأمم المكذبة)، فحينها يحدث الانعكاس، وينقلب السلام إلى دمار.
  • الانعكاس من السلم إلى المواجهة: {وَلَا تُقَٰتِلُوهُمۡ عِندَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِيهِ} [البقرة: 191]. استمرار في ضبط النفس والسلم المكاني، حتى يبلغ العدو نقطة البدء بالقتال، فينعكس الأمر، ويتحول السلم إلى رد عسكري ومواجهة.
  • الانعكاس من الكفر إلى الإيمان (المشروط): {لَن نُّؤۡمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهۡرَةٗ} [البقرة: 55]. استمرار في حالة الكفر والرفض، ولن تنعكس هذه الحالة إلى الإيمان إلا ببلوغ النقطة المشترطة، وهي رؤية الله جهرة.
  • الانعكاس من المنع إلى العطاء: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنۡ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحۡنُ فِتۡنَةٞ} [البقرة: 102]. الملكان يلوذان بالصمت ويمتنعان عن التعليم، حتى يبلغا المريد خطورة ذلك العلم وتحذيره، فينعكس الحال من المنع والرفض إلى الموافقة والتعليم.
  • الانعكاس من العفو إلى العقاب: {فَٱعۡفُواْ وَٱصۡفَحُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِ} [البقرة: 109]. استمروا في حالة العفو والصفح كحالة مرحلية، إلى أن تبلغوا نقطة صدور أمر الله، حينها ينعكس الحال ويحق لكم القيام بالعكس، وهو المحاسبة والمعاقبة.
  • الانعكاس من الحرمان إلى النيل: {لَن تَنَالُواْ ٱلۡبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92]. البر والإحسان منقطع وممنوع عنكم، وتستمر حالة المنع حتى تبلغوا حد الإنفاق مما تحبون، حينها ينعكس الحال إلى نيل البر.
  • الانعكاس العكسي (من التمكين إلى السلب): {وَلَقَدۡ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥٓ إِذۡ تَحُسُّونَهُم بِإِذۡنِهِۦۖ حَتَّىٰٓ إِذَا فَشِلۡتُمۡ وَتَنَٰزَعۡتُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِ وَعَصَيۡتُم} [آل عمران: 152]. لقد استمر الوعد الإلهي بالنصر والتمكين في بداية المعركة، واستمر الأمر كذلك، حتى إذا بلغ المقاتلون نقطة الفشل والتنازع والعصيان، بلغ الوعد منتهاه، فانعكس الأمر وانقلب النصر إلى هزيمة.

دفع اعتراضات متوهمة حول دلالة الانعكاس

قد يتبادر إلى ذهن المتلقي، بناءً على الموروث التفسيري، أن هناك آيات لا يتوافق ظاهرها مع دلالة "الانعكاس" المترتبة على (حتى) البلوغية، وهو زعم يتبدد بإعادة ضبط المفاهيم وفق السياق القرآني ذاته:

  • الاعتراض بآية اليقين: في قوله تعالى: {وَٱعۡبُدۡ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأۡتِيَكَ ٱلۡيَقِينُ} [الحجر: 99]، قد يُقال: هل تنعكس العبادة بعد الموت وتتوقف؟ الخلل هنا يكمن في تفسير "اليقين" بالموت، وتفسير "العبادة" بمجرد الشعائر الحركية. إذا عدنا لسياق السورة سنجد أن الله يأمر نبيه بطريقة دعوة محددة: {فَٱصۡدَعۡ بِمَا تُؤۡمَرُ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡمُشۡرِكِينَ}، و{فَٱصۡفَحِ ٱلصَّفۡحَ ٱلۡجَمِيلَ}. فالعبادة هنا هي الامتثال الإلهي في الصفح والإعراض السلمي، و"اليقين" هو النصر والتمكين. وببلوغ نقطة اليقين (النصر)، يحدث الانعكاس الدقيق؛ فتتوقف حالة الصفح والإعراض، لتنعكس إلى حالة المواجهة وإقامة حكم الله فيهم.
  • الاعتراض بآية الإمهال: في قوله تعالى: {فَذَرۡهُمۡ فِي غَمۡرَتِهِمۡ حَتَّىٰ حِينٖ} [المؤمنون: 54]، قد يُحسب أن الإبهام في كلمة (حين) يمنع تحديد البلوغ. والصحيح أن الآية تؤسس لقاعدة: حالة الإمهال والترك (ذرهم) مستمرة حتى يتم بلوغ النقطة الموقوتة عند الله، وفور بلوغها سينعكس الترك حتماً إلى أخذ وعذاب.
  • الاعتراض بالمنازل القمرية: في قوله تعالى: {وَٱلۡقَمَرَ قَدَّرۡنَٰهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَٱلۡعُرۡجُونِ ٱلۡقَدِيمِ} [يس: 39]، سير القمر يمثل قمة الانعكاس الفيزيائي؛ فهو يبدأ في حالة تزايد بصري مستمر حتى يبلغ البدر (حد الكمال)، وهنا تتدخل (حتى) لتعلن نهاية الصعود وبدء الانعكاس الإجباري نحو النقصان والتآكل ليعود كالعرجون. فلولا بلوغه هذا الكمال الذي استوجب الارتداد والتآكل من جديد، لما استُخدم الحرف (حتى)؛ فالاستخدام هنا مشروط بدورة الانعكاس هذه، ولو كان الأمر مجرد انتهاء مراحل دون عودة لحالة الضعف الأولى، لكان استخدام (إلى) أوفق.

فك الاشتباك الدلالي بين (حتى) و(كلّا)

قد يقع المتابع في تشوش بين حرفي (حتى) و(كلّا) لاشتراكهما ظاهرياً في فكرة "الانعكاس"، ولضبط هذا الفارق نوجزه في الآتي:

  • حرف (كلّا): يعمل في ميدان "الأقوال والادعاءات"، فهو حرف يفيد ببساطة معنى "بالعكس"؛ لنسف ادعاء باطل وإثبات نقيضه الفوري. فهو انعكاس جدلي للأفكار والمزاعم.
  • حرف (حتى): يعمل في ميدان "الأفعال والأحوال"، فهو لا يرد على ادعاء، بل يصف حالة حركية مستمرة، تظل كما هي إلى أن تبلغ غاية محددة، ليحدث عندها الانعكاس الفعلي كنتيجة لتغير الظروف.

الخلاصة

إن حرف (حتى)، مثل غيره من المفردات في القرآن الكريم، ليس له إلا دلالة واحدة. فإذا ظهر في الجملة فهو يعني "الانعكاس في الفعل"؛ فمن السكون إلى الحركة، ومن السلام إلى الدمار، ومن المنع إلى العطاء، ومن السلم إلى القتال. إنها ببساطة "حتى البلوغية"، فالفعل أو الحكم يظل مستمراً كما هو، حتى يبلغ نقطة محددة ينعكس فيها إذا تغيرت الظروف.

هذا والله أعلم

علي موسى الزهراني



([1])«تجديد الصحاح» (ص907 بترقيم الشاملة آليا): «المغرب في ترتيب المعرب» (2/ 438): «تاج العروس من جواهر القاموس» (37/ 398): «المعجم الاشتقاقي المؤصل» (1/ 370): يُنظر: سيبويه، «الكتاب»، أبواب إعراب حتى؛ وابن هشام الأنصاري، «مغني اللبيب عن كتب الأعاريب»، باب حرف الحاء (مبحث حتى).

ali
ali
تعليقات
    جاري استحضار النفحات القرآنية...