الفارق المذهل بين (ثُمّ) و(الفاء)
هل فكرت يوماً أن حرفاً واحداً في القرآن
قد يهدم قاعدة نحوية استقرت لألف عام؟
في تراثنا اللغوي، تعلمنا أن حرفي العطف
"ثُمّ" و"الفاء" هما مجرد أدوات لتنظيم "الوقت"؛
فما كان سريعاً أخذ الفاء، وما كان بطيئاً أخذ ثُمّ. لكن ماذا لو كان القرآن
العظيم لا يكترث لساعات التوقيت البشري، بل يتعامل بدلالة أدق وأعمق بكثير؟ ماذا
لو كان كل حرف منهما يخضع لقانون دقيق يكشف لنا نيات البشر، أو يفضح خططهم
المبيتة، أو يضعنا أمام سنن الله الكونية المحكمة؟
في هذا الحوار، نجلس على طاولة واحدة مع
قناعاتنا التراثية المتوارثة (يمثلها سعيد)، وأمامنا طرح قرآني جديد يزن الحروف
بميزان "الوعي والإرادة" (يمثله خالد).
دعونا نستمع لما دار بينهما..
في زاوية هادئة من المقهى، كان سعيد يقلب
صفحات كتاب قديم في التفسير، بينما كان خالد يراقب البخار المتصاعد من كوب الشاي
أمامه، قبل أن يقطع الصمت بصوت هادئ وواثق.
خالد: (يضع كوبه على الطاولة) يا سعيد، أنت تقرأ في هذه الكتب منذ سنوات،
هل تعلم كم مرة ورد حرف "الفاء" في القرآن الكريم؟ وكم مرة ورد حرف
"ثُمّ"؟
سعيد: (يرفع نظره عن الكتاب مبتسماً) لم أعدّها يوماً يا خالد، لكنها حروف
عطف تملأ القرآن لتنويع الأسلوب وإفادة الترتيب. "الفاء" للترتيب
والتعقيب السريع، و"ثُمّ" للترتيب مع التراخي والبطء. مسألة توقيت زمني
لا أكثر، حسمها النحاة منذ قرون.
خالد: (يميل للأمام وملامحه تكتسي بالجدية) هنا تكمن الكارثة يا صديقي!
لقد ورد حرف "الفاء" في القرآن 3001 مرة، بينما ورد حرف
"ثُمّ" 338 مرة. نحن لا نتحدث عن مجرد زينة لغوية أو "ساعة
توقيت"، نحن نتحدث عن ضرورة وواجب لفهم مراد الله! الخلط بين دلالة هذين
الحرفين خطير جداً؛ لأنه قد يجعلك تنسب لله "ردة فعل انفعالية" في موضع
يتحدث فيه عن "خطة وغاية محكمة"، أو تتهم إنساناً بـ "التخطيط
المسبق" لجريمة، بينما القرآن يخبرك أنها كانت مجرد "رد فعل طارئ"!
سعيد: (يعتدل في جلسته وقد أثار كلام خالد فضوله) خطورة؟ وضرورة؟ ألا
تبالغ قليلاً؟ كيف يمكن لحرف عطف أن يغير العقيدة أو يقلب المعنى بهذا الحجم؟
خالد: دعني أبسطها لك بمثالين نراهما كل يوم. تخيل أنك تلعب
"الدومينو". أنت ترص الأحجار بعناية، وتخطط للمسار، وتُسقط الحجر الأول
وأنت تقصد وتخطط للوصول للحجر الأخير. هذه هي (ثُمّ)! حرف يدل على خطة،
ونية، ومرحلة جديدة مقصودة لذاتها.
في المقابل، تخيل أنك أمسكت بكرة وضربتها
بقوة نحو الجدار. الكرة ستصطدم وترتد إليك فوراً. هل الجدار "خطط" لرد
الكرة؟ هل الكرة "نوت" الارتداد؟ لا. هذا مجرد "رد فعل" حتمي.
هذه هي (الفاء)! حرف الاستجابة، ورد الفعل، أو الخطة البديلة الطارئة.
سعيد: (يضحك بخفة) الدومينو والجدار؟ تشبيه ذكي، لكن أثبت لي هذا من
القرآن بأمثلة واضحة، بعيداً عن التنظير.
خالد: لك ذلك. لنبدأ بأمثلة بسيطة وواضحة
جداً. انظر إلى سورة المدثر، كيف يصف الله الكافر الذي يخطط للطعن في القرآن: (إِنَّهُۥ
فَكَّرَ وَقَدَّرَ 18 فَقُتِلَ كَيۡفَ قَدَّرَ 19 ثُمَّ قُتِلَ كَيۡفَ قَدَّرَ 20 ثُمَّ
نَظَرَ 21 ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ 22 ثُمَّ أَدۡبَرَ وَٱسۡتَكۡبَرَ) المدثر 18-22
الكافر هنا لا يتصرف بردات فعل عشوائية،
بل ينفذ "خطة مبيتة"؛ خطوة وراء خطوة، للوصول إلى غايته وهي اتهام
القرآن بالسحر. ولأنها خطة مقصودة ومرسومة، استخدم القرآن (ثُمّ) كأحجار الدومينو!
في المقابل، اقرأ بداية سورة الذاريات: (وَٱلذَّٰرِيَٰتِ ذَرۡوٗا 1 فَٱلۡحَٰمِلَٰتِ وِقۡرٗا 2 فَٱلۡجَٰرِيَٰتِ يُسۡرٗا 3 فَٱلۡمُقَسِّمَٰتِ أَمۡرًا) [الذاريات: 1-4]
هنا استخدم "الفاء". لماذا؟ لأن الرياح لا تملك وعياً ولا خطة! إثارة السحاب يُنتج كرد فعل حتمي سحاباً ثقيلاً، والحمل يُنتج كرد فعل فيزيائي جرياناً. لا توجد خطة، بل استجابة حتمية طبيعية، فجاءت الفاء كارتداد الكرة تماماً.
سعيد: (تختفي ابتسامته ويبدأ بالتفكير بجدية) حسناً، الأمثلة التي ضربتها
منطقية جداً. "ثُمّ" للخطة الواعية، و"الفاء" لردة الفعل
الفيزيائية. ولكن.. (يمسك هاتفه ويبحث بسرعة وتلمع عيناه بتحدٍ) ماذا لو اجتمع
الحرفان في مسار واحد؟ الله هو من يخطط لخلق الجنين، ومع ذلك جمعت الآية بين
"ثم" و"الفاء"! اقرأ معي:
ﵟثُمَّ خَلَقۡنَا ٱلنُّطۡفَةَ عَلَقَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡعَلَقَةَ مُضۡغَةٗ
فَخَلَقۡنَا ٱلۡمُضۡغَةَ عِظَٰمٗا فَكَسَوۡنَا ٱلۡعِظَٰمَ لَحۡمٗا ثُمَّ
أَنشَأۡنَٰهُ خَلۡقًا ءَاخَرَۚ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحۡسَنُ ٱلۡخَٰلِقِينَ 14ﵞ [المؤمنون: 14]
إن كانت "ثم" للخطة والإرادة،
فلماذا تخللتها الفاءات الدالة على الطوارئ ورد الفعل؟ ها قد انكسرت قاعدتك وعادت
نظرية التوقيت!
خالد: (يرتشف الشاي بهدوء واثق) بل هنا تحديداً تتجلى دقتها المرعبة يا
سعيد! ركز معي:
البداية كانت ﴿ثُمَّ خَلَقۡنَا
ٱلنُّطۡفَةَ عَلَقَةً﴾. تحول السائل إلى كائن حي يتعلق بالرحم، هذه "نقلة
كبرى" ومرحلة جديدة ومقصودة لبداية الحياة، فأخذت "ثم".
لكن بمجرد أن وُجد هذا الكائن، بدأت داخل
الرحم سلسلة من الطوارئ! العلقة تكبر وتحتاج لكتلة تمسكها، فكان "رد
الفعل" البيولوجي المباشر للجسم ﴿فَـخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً﴾. المضغة
لحم رخو معرض للانهيار، فكان "رد الفعل" لحمايتها ﴿فَـخَلَقْنَا
الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾. العظام مكشوفة، فكان "رد الفعل" ﴿فَـكَسَوْنَا
الْعِظَامَ لَحْمًا﴾. انظر لحرف الفاء كيف يصور لك جسم الجنين وهو يعالج المشاكل
ويتفاعل مع طوارئ النمو كارتداد الكرة!
ولكن، بعد اكتمال الجسم، جاءت اللحظة
الحاسمة: نفخ الروح! هل الروح مجرد "رد فعل" بيولوجي للعظم واللحم؟
مستحيل، المادة لا تفرز روحاً. هذه نقلة كبرى لغاية جديدة تماماً، فعاد القرآن
فوراً لحرف التخطيط: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾.
سعيد: (يفرك ذقنه بتوتر، وقد أذهله التفكيك) التمييز بين التفاعل
البيولوجي الداخلي، وبين النقلة الروحية... طرح محكم! لكن لن أستسلم بهذه السهولة.
(يفتح كتابه بسرعة) إذا كانت التفاعلات الطبيعية تأخذ الفاء كما تقول، فماذا عن
جفاف النبات؟
اسمع هذه الآية: ﵟ
كَمَثَلِ غَيۡثٍ أَعۡجَبَ ٱلۡكُفَّارَ نَبَاتُهُۥ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَىٰهُ
مُصۡفَرّٗا ثُمَّ يَكُونُ حُطَٰمٗاۖ ﵞ [الحديد: 20]
الجفاف وتكسر الأوراق مجرد تفاعل طبيعي
لانقطاع الماء، فلماذا أخذ "ثُمّ" التي تقول إنها للتخطيط؟ ولماذا حُشرت
"الفاء" فجأة في النص في قوله (فـتراه مصفراً)؟
خالد: (يبتسم بهدوء) اسأل نفسك: لماذا يضرب الله لنا مثل النبات الجاف؟ هو
لا يعلمنا الزراعة يا سعيد، بل يصور لنا "خطة الله المحكمة لإنهاء الحياة
الدنيا".
الجفاف (يَهِيجُ) والتحطم (حُطَامًا) في
هذه الآية ليسا مجرد تفاعل عشوائي، بل هما "سُنّة" ومراحل حتمية خطط لها
الله لينهي دورة حياة النبات. أحجار الدومينو رُصّت لتنتهي بالحطام، فاستحقت
"ثم".
أما ﴿فَـتَرَىٰهُ
مُصۡفَرّٗا﴾.. فهنا نقل القرآن الكاميرا من "خطة الله في الكون" إلى "عين المشاهد البشري". تخيل فلاحاً معجباً بزرعه الأخضر، ثم يُفاجأ ويُصدم باصفراره! هذه الرؤية والاصفرار بالنسبة للإنسان هي "ردة فعل بصرية ونفسية" صدمته فجأة. ولأنها صدمة للإنسان وليست خطة، استخدم معها "الفاء". خطة الله أخذت (ثم)، وصدمة البشر أخذت (الفاء).
سعيد: (يصمت لثوانٍ ثم يضرب بيده على الطاولة خفيفاً، وعيناه تتسعان)
زاوية الكاميرا... بين المُخَطِّط والمُشَاهِد! حسناً، خذ هذه الضربة القاضية التي
ستنسف كل ما قلته: الموت!
الموت يأتي للإنسان فجأة، يقطع خططه
كلها، هو أكبر صدمة وأكبر حدث طارئ. اقرأ قوله تعالى عن المهاجر: ﵟوَمَن
يَخۡرُجۡ مِنۢ بَيۡتِهِۦ مُهَاجِرًا إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ يُدۡرِكۡهُ
ٱلۡمَوۡتُﵞ [النساء: 100] .
المهاجر خطط للهجرة، ولم يخطط ليموت في
الطريق! الموت هنا صدمة قطعت عليه سعيه، فلماذا استخدم القرآن "ثُمّ"
التي تقول إنها للتخطيط؟ ألم يكن الأجدر أن يقول (فـيدركه الموت) كرد فعل للطارئ؟
خالد: (ينظر في عيني سعيد مباشرة) أعد طرح السؤال الذي اتفقنا عليه يا
سعيد: من هو صاحب الخطة هنا؟ الإنسان أم الله؟
الموت بالنسبة لك ولي يبدو حادثاً طارئاً
وصدمة تقطع أحلامنا وسعينا. لكن في ميزان القرآن، الموت ليس "رد فعل"
لمرض أو لحادث سير. الموت هو "قانون إلهي" ومحطة كبرى لانتقالنا من دار
إلى دار.
المهاجر لم يخطط لموته، صحيح، لكن الله
جل جلاله وضعه كغاية ومحطة انتقال كبرى في مسيرته. القرآن استخدم "ثم"
ليقول لك وللبشرية جمعاء: الموت لا يأتيك عبثاً أو كحادث طارئ، بل يأتيك وفق خطة
الخالق!
سعيد: (يطوي كتابه بحدة، وتتغير ملامحه للانزعاج والمكابرة) أنت تتلاعب
بالكلام يا خالد! هذا تأويل فلسفي وتحميل للآيات ما لا تحتمله. هل تريد أن تقنعني
أن بجلستنا هذه في المقهى اكتشفت ما غاب عن سيبويه وابن هشام والطبري طوال ألف
سنة؟!
خالد: (يحافظ على هدوئه التام) أنا لم أختلق شيئاً من عندي، بل وضعت
الآيات أمامك. قاعدة (ساعة التوقيت) التي تحفظها تتناقض مع عشرات الآيات، بينما
قانون (الخطة ورد الفعل) استوعبها جميعاً وفك ألغازها. النص أمامك يا سعيد،
فكذّبني من النص لا من أسماء الرجال.
سعيد: (يلملم أوراقه بانفعال مكتوم ويقف) الإجماع لا يُهدم بمثل هذه
السهولة! كلامك هذا وإن بدا مقنعاً وجذاباً للعقل، إلا أنه يكسر قواعد استقرت
عليها الأمة. أنا لن أبتلع هذا الطرح بمجرد تشبيهات عن الدومينو والجدار.
خالد: وما المانع أن تفكر فيها بهدوء الليلة؟
سعيد: (يحمل كتابه متجهماً) المانع هو أنني لا آخذ ديني ولغتي من
استنتاجات المقاهي! سأعرض كل ما قلته اليوم على شيخي في درس الليلة. هو متبحر في
النحو والتفسير، وسأرى كيف سيفكك طلاسمك هذه. أنا متأكد أن هناك ثغرة لغوية كبيرة
أنت تتجاهلها لتمرير فكرتك!
خالد: (يومئ برأسه بود) على الرحب والسعة. اسأل شيخك، وابحث في أمهات
الكتب، وأتني برده. القرآن يسعنا جميعاً ولن يهرب. سأنتظرك غداً على نفس الطاولة.
سعيد: (يعطيه ظهره مغادراً بخطوات سريعة ومكابرة وهو يتمتم) سنرى يا
خالد.. غداً سآتيك بالرد القاطع من كلام الأئمة، وسنرى!
انتهى الحوار....
هذا والله أعلم
علي موسى الزهراني
هل لديك نظرة أخرى
أطرحها هنا كي نستفيد من علمك