أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

بقي في القرآن المكرم


 

بقي في القرآن المكرم


بقي في المعاجم:

أصل واحد يدل على الدوام. بقى ضد الفناء. واستبقيت فلاناً أي عفوت عنه لتستبقي مودته. وبقيت فلان أي رعيته وانتظرته. وابق لي الأذان أي راقبه لي. وفي الحديث "بقينا رسول الله" أي انتظرناه. والمبقيات هي الأماكن التي تبقى ما فيها من مناقع الماء. والمبقيات من الخيل من يبقى جريها بعد انقطاع الأخريات. وقال أحدهم: بقي هو دوام الشيء في الجوف لا يفنى مثل بقاء الماء في المبقيات. وبقي الرجل زمناً طويلاً أي عاش كثيراً. وإذا أعطيت شيئاً وحبست بعضه قلت: استبقيت بعضه ([1])

وهم الترادف:

درجت المعاجم اللغوية على إعطاء معانٍ عامة وواسعة للجذور، مما يوقع البعض في وهم "الترادف" داخل النص القرآني، فيحسبون أن جذوراً مثل (ب ق ي)، و(م ك ث)، و(خ ل د)، و(ل ب ث) تدور كلها في فلك واحد هو الدوام والاستمرار. وقد أشار ابن فارس إلى هذا المعنى العام بقوله: "الباء والقاف والياء أصلٌ واحد، وهو الدوام". لكن النص القرآني يضع لكل جذر بصمة وظيفية دقيقة لا يشاركه فيها غيره، فالجذر (ب ق ي) يتجاوز فكرة الدوام المطلق إلى مشهد فيزيائي ومكاني محدد.

لفظة "بقي" أو "بقية" في القرآن تشبه إلى حد كبير ما نسميه اليوم بـ "الخلاصة" أو "الزبدة"، وتتفق معهما في شرطين أساسيين: أنهما (جزء من كل)، وأنهما (الأفضل والأحسن). لكن اللفظ القرآني (ب ق ي) يظل أدق وأشمل، لأنه يضع أربع محددات دقيقة تلازم الكلمة أينما وقعت:

1. التقييد المكاني: البقاء مقيد بحيز جغرافي أو وعاء مادي يحفظ هذا الجزء.

2. زوال الأكثرية: البقاء يستلزم فناء أو زوال الأكثرية، ونجاة "الأقلية" (الجزء من الكل).

3. امتياز الأقلية: هذا الجزء الناجي يمثل "الصفوة" وأفضل الموجود؛ سواء كان خيراً محضاً، أو خلاصة يسعى لها الطامع.

4. نفي الخلود: البقاء مرحلي ومؤقت، ولا يعني بحال من الأحوال الأبدية المطلقة، فحتى هذه الباقية فانية مثل غيرها.

وإليك الآيات التي تؤكد هذه المحددات الأربعة:

1. {وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ} (البقرة: 248)

في هذه الآية يتأكد لنا أن هناك جزءاً متبقياً مما تركه آل موسى وهارون، فليس كل ما تركه هؤلاء قد بقي. وهو في حيز ومكان وهو التابوت. وهي مجرد أشياء مادية تنتهي وتفنى بطبيعتها بانتهاء غرضها ولا تخلد. وفي الغالب أنها أحسن وأقدس ما تركه آل موسى وهارون، وهذا هو الشرط الثالث.

2. {بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} (هود: 86)

استولى قوم شعيب على كثير من الأموال بالباطل، فحثهم شعيب على ترك هذا الباطل والإبقاء على المال الطيب فقط، وهذا جزء قليل من كل ما يملكونه. ثم هو بالتأكيد في حيز فهو في خزائنهم، ولهذا استوفى الشرط الأول وهو الحيز المكاني. أما المال فهو يفنى مثل بقية الأشياء فعمره قصير، ولا ينال صفة الخلود. أما كونه الأحسن فهو ظاهر، فشعيب يريد منهم التخلص من الفاسد من المال والإبقاء على الطيب الذي نعته بأنه "بقية الله".

3. {وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا} (البقرة: 278)

من الواضح أن الربا هنا جزء من كل. وقد يكون المقصد هو ما بقي من أجزاء الربا، أو الدفعة الأخيرة في التحصيل، فقد يكون نظامهم تسديد رأس المال أولاً ثم بعد ذلك تسديد الربا. وهذا الربا مسجل في حيز هو الدفاتر والذمم والخزائن. وبالتأكيد هذا المال ليس خالداً، بل يبقى لفترة محدودة مثل كل شيء مادي يزول، فحتى لو أخذه المرابي وتجاهل الأمر، فإنه سينفقه وسيتلاشى من يده. أما كونه أحسن المال، فهذا بالنسبة للمرابي؛ فهو لم يقدم ماله إلا من أجل هذا المال الزائد، فهو أحسن مال يكسبه بسهولة وبلا تعب.

4. {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ} (الصافات: 77)

هلك أكثر قوم نوحٍ وتشرد بعضهم، ولكن لم يستقر في تلك القرية (مكان الطوفان) إلا ذرية نوح، حتى من كان معه في السفينة فقد هاجروا بعد أجيال إلى بقاع أخرى. وهؤلاء البقية كانوا في حيز مكاني وهو القرية. كما أنهم ليسوا خالدين، فقد فنوا وتعاقب عليهم الموت وهاجروا بعد ذلك إلى مناطق أخرى في الأجيال الجديدة. أما الشرط الثالث (الأحسن)، فذريته كانوا الأحسن والصفوة من الذين هلكوا أو هربوا.

5. {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ} (الرحمن: 26-27)

العناية بالأرض زالت فالكل زال، ولم يبق إلا الله الذي يعتني بها مباشرة بلا جنود ولا وسطاء. والله عز وجل {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ}، وشأنه يوم القيامة هو الحفاظ على الأرض من الدمار المباشر. وهذه العناية مقيدة في حيز مكاني هو الأرض. وهذه العناية الإلهية المباشرة بهذا الشكل الاستثنائي مرحلية وليست أبدية، فبعد الإمساك بالأرض لفترة حتى يزول ثورانها، تعود الكائنات الأخرى لعملها وإدارة شؤونها بأمر الله. وكما هو معلوم فإن العناية الإلهية المباشرة هي الأحسن والأعظم من أي عناية أخرى.

6. {فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ} (هود: 116)

ضاع معظم التراث النبوي، فهذا هو الكل، ولم يبق إلا أهم ما فيه. الآية تتحسر لافتقار تلك الدول إلى نخبة حقيقية (أولو بقية) تستخدم هذا التراث للنهي عن الفساد، وظل المستضعفون وحدهم من يحاول الاعتناء به، فيأتي عذاب الله وينجي هؤلاء المستضعفين. الشاهد أن هناك جزءاً من كل، وهو محصور في حيز مجتمعهم. وكما نعلم هذه البقية من التعليمات ليست خالدة فهي تفنى بفناء حامليها أو بانتهاء مرحلتهم. وهي بالتأكيد أحسن ما في تعليمات الأنبياء.

7. {وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ} (الكهف: 46)

الباقيات الصالحات هي أعمال الإنسان الطيبة، وهي جزء من كل الذي يتمثل في إنتاجه وأملاكه؛ فبيوته وأولاده وكل ما يملك ومن ضمنها أعماله الدنيوية العبثية سوف تزول، ولن يبقى إلا الصالحات، فهي أولاً جزء من كل، وهي أحسن ما ظل. وهي في حيز عند الله مسجلة في الدفاتر (الصحائف). وهي أخيراً ليست خالدة في ذاتها كعمل، فسوف تترجم تلك الباقيات وتُصرف كثواب وهو الجنة وتنتهي كمرحلة.

8. {وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ} (الزخرف: 28)

إبراهيم مثل بقية الأنبياء والرسل أوصى أولاده وأتباعه بوصايا كثيرة (الكل)، وكانت أهم وصية نجت من الضياع هي عدم الشرك بالله، فهي جزء من كل، وهي أحسن ما في الوصايا وأعظمها لأن من تملك هذا المفهوم استطاع أن يبني عليه بقية المفاهيم. وهي في حيز مكاني وبشري (في عقبه)، ولعله كتبها لهم في نصب بمكة أو جعلها أول ما يُلقن للطفل. وهي بالتأكيد غير خالدة، فقد اتجهت ذريته للشرك لاحقاً لولا المجددين.

9. {مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ۖ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ} (النحل: 96)

وهذه الآية أيضاً واضحة، فالمال المستهلك هو الكل، والصدقة المقتطعة هي الجزء، وهي في حيز وهو مخازن الله (عند الله). وهي غير خالدة في المخازن لأنها سوف تُصرف لك كثواب أي الجنة وتنقضي مرحلة التخزين. أما كونها الأحسن، فهذه الصدقة هي الأحسن والأطهر لأنها الخلاصة النقية التي تم اقتطاعها وتنقيتها لله من مجمل أموالك.

10.               {فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ} (الحاقة: 8) - (قوم عاد)

تسأل الآية هل بقي أحد من قوم عاد في تلك الديار؟ الجواب لا، فلا بقية لهم لفسادهم كلهم، لكن هرب بعضهم من ذلك المكان وأنشأ عاد الثانية في مكان آخر. فالآية تشير إلى الجزء من الكل وحتى هذا تنفيه عنهم في ذلك الحيز المكاني (ديارهم التي صارت خالية). ولم يكن هناك فئة حسنة وصالحة فيهم لكي يستبقيها وينجيها. ولا حاجة للكلام عن الخلود لأنهم لم يقدروا حتى على البقاء المؤقت هناك، فكيف بالخلود!

الخلاصة:

وهكذا يتبين للقارئ عدم الترادف، وأن (بقي) تختلف عن (ظل) و(مكث) و(خلد) بخصوصية تجعلها مفردة فريدة؛ وهي أنها تضع أربع محددات: فهي تشترط وجود المكانية، وتستثني الأكثرية لتحمي الأقلية، ولا تتكلم إلا عن الأقلية الممتازة بينما الأكثرية فاسدة أو غير نافعة. وحتى هذه الباقية لن تخلد، بل هي فانية مثل غيرها؛ فهي إلى حين فقط.

هذا والله أعلم

علي موسى الزهراني


([1]) «معجم مقاييس اللغة» (1/ 276): «المعجم الاشتقاقي المؤصل» (1/ 154):



ali
ali
تعليقات
    جاري استحضار النفحات القرآنية...