اختطاف العقل: كيف ابتلعت الملهيات
الثلاث جوهر الدين؟
من
الطلب الجاد إلى الخوض التافه:
يقوم جوهر الدين على تكليف الإنسان بـالطلب،
وهو بذل الجهد العملي للوصول إلى الغايات الكبرى، والاستحواذ على أسباب العمران
وتزكية النفس بجهد حقيقي. إلا أن الطبيعة البشرية الميالة للكسل، دائماً ما تحاول
التهرب من استحقاقات هذا "الطلب" عبر استبداله بـ "الخوض"؛
وهو التحرك العشوائي بهدف التسلية، والحديث عن قضايا الدين باستهتار بلا أي تثبت،
هرباً من تحمل مسؤولية العمل.
وقد تبلورت آفة "الخوض" هذه
عبر التاريخ الديني للأمم في ثلاث مسارات رئيسية ابتلعت طاقة العقل وأعاقته عن
العمل، ويمكننا تسميتها بـ "الملهيات الثلاث":
- لهو الحديث: الانشغال بالمرويات والقصص المنسية
والغرائبيات التي لا ينبني عليها أي عمل.
- لهو الفقهيات: اختراع التفريعات الافتراضية والقيود
الشكلية وتحويلها إلى "عُقَد" تعوق حركة الإنسان.
- لهو العقائد: الجدل الماورائي العقيم والاصطفافات
الطائفية المبنية على الأماني بعيداً عن السلوك الفعلي.
إن إدراك خطورة هذه الملهيات الثلاث هو
المفتاح الوحيد لفهم تاريخ الانحراف المعرفي، وكيف قاومه الإسلام في مهده، وكيف
عاد ليختطف العقل المسلم لاحقاً.
بين الوحي المعصوم والتراث البشري:
وقبل الولوج في تفكيك هذه الظاهرة، لابد من
إرساء محدد منهجي صارم؛ إن هذا النقد لا يستهدف بأي حال "السنة النبوية"
العملية التي هي التطبيق الحي للقرآن وتفصيل أحكامه، بل يسلط الضوء على
"التراث المروي" كجهد بشري خضع لظروف سياسية واجتماعية ونفسية معقدة عبر
القرون. إن تقييم المرويات لا يصح أن يقتصر على "الصنعة الإسنادية"
وحدها، بل يجب عرض "المتون" (المحتوى) على محكمات القرآن وغايات الدين
الكبرى. فكل مروية تصادم صريح القرآن، أو تعطل طاقة الإنسان عن "الطلب"
والعمل، أو تغرقه في الخرافة، هي محل نظر ونقد علمي جاد، حمايةً لجوهر الدين من أن
يُختطف لصالح الكسل والقصص العبثية.
مقاومة
الرسول للملهيات:
لفهم طبيعة هذه الملهيات، يجب الانطلاق
من حقيقة تاريخية مهمة؛ فقد بُعث الرسول ﷺ في مجتمع عربي متداخل مع بيئة كتابية،
وكانت تلك البيئة تسيطر عليها خرافات وقصص تاريخية منسية، وتعقيدات وتشريعات فرعية
لا حصر لها، وجدالات واسعة في الماورائيات.
وقد جاء القرآن الكريم ليصحح هذا المسار،
ويُعيد توجيه طاقة الإنسان نحو العمل الجاد والبناء. ولحماية لُبّ الدين من التحول
إلى عُقَد تعوق الفكر، قاوم الرسول ﷺ بوادر تدوين المرويات لتجنب صناعة نصوص
موازية تلهي عن المركز. وقد تجلت هذه المقاومة في ثلاثة أحاديث تأسيسية حاسمة تمنع
تسجيل المرويات وتسد باب الخوض:
- المنع والمحو: وجه الرسول أصحابه لعدم تدوين أقواله،
قائلاً: «لا تكتُبوا عنِّي، ومَن كتَب عنِّي غيرَ القرآنِ فلْيَمْحُه»([1]) وهذا توجيه قاطع بعدم إبقاء أي مدونات قد
تتحول لاحقاً إلى ملهيات تشغل الناس عن النص المركزي.
- الربط بين تدوين المرويات وضلال
الأمم: روي عن أبي هريرة أنه قال: «خرج
علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نكتب الأحاديث، فقال: ما هذا الذي
تكتبون؟ قلنا: أحاديث سمعناها منك، قال: أكتاباً غير كتاب الله تريدون؟ ما
أضل الأمم من قبلكم إلا ما اكتتبوا من الكتب مع كتاب الله»([2]) فقاموا بجمع ما كتبوه وأحرقوه، وهذا
الموقف يربط مباشرة بين كتابة المرويات الموازية وبين الضلال والانحراف نحو
الملهيات.
- تأكيد استمرارية النهي: أكد زيد بن ثابت هذا التوجه العام للمنع
عندما دخل على معاوية فسأله عن حديث، فأمر إنساناً يكتبه، فمحاه زيد مبيناً
التوجيه النبوي القاطع: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا أن لا نكتب
شيئاً من حديثه»([3]) .
وإلى جانب منع التدوين، أرسى الرسول
قواعد سلوكية تقطع الطريق على اللهو المعرفي والجدل الذي لا يُنتج عملاً؛ فكان من
أبرز شمائله أنه لا يخوض فيما يتسلى به العوام، روي في وصفه: «طويل السكوت، لا
يتكلم في غير حاجة... لا يتكلم فيما لا يعنيه»([4]) وأسس قاعدة ترك ما لا يعني
بقوله: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ»([5]) وللحد من كثرة السؤال والافتراضات لمقاومة لهو الفقهيات قال: «ذروني
ما تركتكم، فإنما هلك الذين قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم
عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم»([6])
ومن هنا يجب التأكيد القاطع على أن
الرسول ﷺ يستحيل أن يتفوه بشيء من هذه الملهيات؛ فقد جاء بدين قَيِّم يحارب
الملهيات العبثية التي تصرف العقل، ليؤسس بدلاً منها لـ "المثريات" التي
تبني الإنسان وتدفعه للعمل الجاد والطلب.
ممانعة
الصحابة والخلفاء لـ "عُقَد" المرويات
لقد سار كبار الصحابة والخلفاء على نهج
الرسول ﷺ في مواجهة الملهيات وسد باب الخوض والكلام الفارغ. أدركوا مبكراً خطر
تحول المرويات إلى مساحة للتغيير المعرفي؛ حيث تُستبدل الغايات الكبرى بقصص
وأحاديث تضاهي القرآن وتصرف الناس عن الأهم. وقد حفظت لنا المدونات التاريخية
شواهد واضحة تؤكد هذا الموقف:
- موقف أبي بكر الصديق (إحراق 500
حديث): تجلى الموقف التأسيسي الرافض
لتكوين مدونات موازية في تصرف الخليفة الأول. فقد رُوي عن عائشة أنها قالت:
«جمع أبي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت خمسمائة حديث، فبات
ليلته يتقلب... فلما أصبح قال: أي بنية هلمّي الأحاديث التي عندك، فجئته بها،
فدعا بنا فحرقها»([7]) معللاً ذلك بخشيته أن يموت وفي عهدته
أحاديث قد يكون دخلها وهم. فإذا كان الصديق قد بادر إلى إحراق وريقات تضم
أحاديث صحيحة جمعها بنفسه، فكيف سيكون موقفه من "قيل وقال" ومرويات
القصاصين؟ لقد أدرك أن بقاء هذه المرويات سيتحول حتماً إلى عُقَد معرفية تُعيق
العقل.
- موقف عمر بن الخطاب (التحذير من
المُثناة): سار الفاروق على نفس النهج؛ فقد
خطب في الناس وطلب منهم أن يأتوه بالأحاديث المكتوبة، فلما جمعوها أمر
بتحريقها مبيناً سبب هذا الرفض بقوله: «أمنية كأمنية أهل الكتاب» وفي رواية
«مَثْناة كمثناة أهل الكتاب»([8]) . أدرك عمر أن هذه المدونات ستتحول إلى
نصوص موازية تفتح الباب للهو. كما هدد بعض المكثرين بالنفي، كقوله لأبي
هريرة: «لتتركن الحديث... أو لألحقنك بأرض دوس»، وقوله لكعب الأحبار: «لتتركن
الحديث أو لألحقنك بأرض القردة»([9])
- موقف عثمان بن عفان: كان عثمان حذراً تجاه ما يُنقل ويُشاع،
وكان يواجه من يتحدثون أو ينقلون الأخبار، كاستجوابه لحذيفة بن اليمان: «مَا
يَبْلُغُنِي عَنْكَ بِظَهْرِ الْغَيْبِ؟». وقد أدرك معاوية مدى تلاعبهم
بالأخبار في هذا الزمن المبكر فقال ناصحاً عثمان، عندما شوشوا على عثمان: « ادفنها
تحت قدميك، والله لئن سمعه الناس ليقولن إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثه
إياه»([10])
- موقف علي ومعاوية وابن عباس: بسبب الفتن السياسية، تم استغلال
المرويات لغايات لا علاقة لها بالدين. وقد بينت الوثائق كيف اختلطت مرويات
علي بالأحاديث النبوية نتيجة القمع السياسي. وحتى معاوية أدرك خطورة اتساع
المرويات، ولما بلغه حديث غريب، أمر بدفنه وعدم إشاعته سداً لباب التقول. كما
امتنع ابن عباس وأبو موسى الأشعري عن الاستماع للمحدثين مبررين ذلك بظهور
الخوض وعدم التثبت عند الناس.
ملهيات
أهل الكتاب وسؤال: لماذا الإسلام؟
جاء الإسلام كحركة تصحيحية كبرى في لحظة
غرق فيها أهل الكتاب في مستنقع الملهيات الثلاث؛ فكان الغرض من البعثة هو فك
العُقَد التي كبلت العقل البشري. وتتجلى هذه الملهيات في أوضح صورها التاريخية:
- لهو العقائد (العنصرية والجدل
الماورائي): ترك اليهود لُبّ الدين وانشغلوا
بعنصرية مقيتة قائمة على النسب، ظناً منهم أن "البنوة لإبراهيم" هي
صك النجاة الوحيد دون عمل، حتى جاءهم النبي يحيى ليحطم هذا اللهو بقوله:
«إِنَّ اللهَ قَادِرٌ أَنْ يُقِيمَ مِنْ هذِهِ الْحِجَارَةِ أَوْلاَدًا
لإِبْرَاهِيمَ» ([11]) أما النصارى فقد غرقوا في جدليات تعريف
ذات المسيح التي تحولت إلى أداة للبغي وسفك الدماء بين الطوائف، وهي عقائد لا
يُبنى عليها عمل.
- لهو الفقهيات (صناعة العُقَد
الخانقة): حول أحبار اليهود شريعة موسى
العملية إلى ركام من القيود الخانقة عبر شروحات التلمود. برعوا في التشدد في
التوافه التي تشكل عُقَداً تعوق حركة الحياة، بينما ضيعوا الغايات الكبرى،
وهو ما وصفه المسيح بدقة قائلاً: «أَيُّهَا الْقَادَةُ الْعُمْيَانُ!
الَّذِينَ يُصَفُّونَ الْبَعُوضَةَ وَيَبْلَعُونَ الْجَمَلَ» ([12])
- لهو الحديث (الخوض في تفاصيل
القصص): اشترك الفريقان في الغرق في سرديات
تفصيلية لا قيمة لها في ميزان العمل، ومن أشهرها قصة فتية أفسس (أصحاب
الكهف)؛ حيث انشغلوا بالخوض في أسمائهم، وألوان ثيابهم، وعدد سنين لبثهم،
ونوع كلبهم.
جاء الإسلام ليضع حداً لهذا العبث
المعرفي، ليعلن أن العمل والطلب هما المقياس. وقد لخص القرآن هذه المهمة التحريرية
العظمى في قوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡخَبَٰٓئِثَ وَيَضَعُ عَنۡهُمۡ إِصۡرَهُمۡ
وَٱلۡأَغۡلَٰلَ﴾ [الأعراف: 157]
تصدي
القرآن للملهيات الثلاث:
لم يكتفِ القرآن بتقديم البديل العملي،
بل اشتبك مباشرة مع البنية النفسية للإنسان التي تميل إلى الخوض والانشغال
بالتوافه. لقد تعمد القرآن تهميش التفاصيل الميتة التي تُغذي هذه الملهيات، ليجبر
العقل على التركيز في القوانين والسنن الفاعلة:
1. تفكيك لهو الحديث (أصحاب الكهف، قوم
يونس، ومفارقة لقمان):
يتغذى لهو الحديث على افتعال معارك وهمية
حول أرقام وأسماء لا طائل منها، وقد واجه القرآن هذا العبث المعرفي بصرامة. ففي
قصة أصحاب الكهف، فضح القرآن الانشغال السخيف بعدد الفتية، ووصفه بأنه ﵟرَجۡمَۢا
بِٱلۡغَيۡبِۖ وَيَقُولُونَ سَبۡعَةٞ وَثَامِنُهُمۡ كَلۡبُهُمۡۚ ﵞ [الكهف: 22]
ثم قطع الطريق على هذا الخوض بأمر حاسم
بترك الجدل العقيم: ﵟقُل رَّبِّيٓ
أَعۡلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعۡلَمُهُمۡ إِلَّا قَلِيلٞۗ فَلَا تُمَارِ فِيهِمۡ
إِلَّا مِرَآءٗ ظَٰهِرٗاﵞ [الكهف: 22]
وفي قصة قوم يونس، كرر القرآن ذات
المنهجية بتعمية الرقم الدقيق فقال: ﵟوَأَرۡسَلۡنَٰهُ
إِلَىٰ مِاْئَةِ أَلۡفٍ أَوۡ يَزِيدُونَﵞ [الصافات: 147]
ليوجه رسالة معرفية بأن الدقة الإحصائية
هنا لا قيمة لها في ميزان الطلب. وقد ذكرت كتب أهل الكتاب أن عددهم هو 120 ألفاً ([13])
وتتجلى المفارقة الكبرى في سورة لقمان،
حيث يصف القرآن الانغماس في المرويات بأنه عملية دفع حقيقي للمال للاستحواذ على
القصص بهدف المزاحمة: ﵟوَمِنَ
ٱلنَّاسِ مَن يَشۡتَرِي لَهۡوَ ٱلۡحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ بِغَيۡرِ
عِلۡمٖ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًاۚ ﵞ [لقمان: 6]
وفي ذات السورة يطرح نموذج لقمان الذي
خلت وصاياه تماماً من الخوض التاريخي، وقدم المثريات الفاعلة التي تبني العمران: ﵟوَلَا
تُصَعِّرۡ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمۡشِ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًاۖ إِنَّ ٱللَّهَ
لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخۡتَالٖ فَخُورٖ 18 وَٱقۡصِدۡ فِي مَشۡيِكَ وَٱغۡضُضۡ مِن
صَوۡتِكَۚﵞ [لقمان: 18-19]
2. تفكيك لهو الفقهيات (صناعة العُقَد
والتحريمات الشكلية):
تصدى القرآن لتحويل التشريع إلى منظومة
من العُقَد والتحريمات الشكلية التافهة. فقد نسف التصنيفات العبثية التي اخترعها
المشركون للأنعام ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا
وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾، وحطم التمييز الذكوري في تخصيص منتجات الأنعام ﵟوَقَالُواْ
مَا فِي بُطُونِ هَٰذِهِ ٱلۡأَنۡعَٰمِ خَالِصَةٞ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ
عَلَىٰٓ أَزۡوَٰجِنَاۖ وَإِن يَكُن مَّيۡتَةٗ فَهُمۡ فِيهِ شُرَكَآءُۚﵞ [الأنعام: 139] واستنكر وضع قيود صارمة ومزاجية على ركوب الدواب والأكل من المحاصيل
ﵟوَقَالُواْ هَٰذِهِۦٓ أَنۡعَٰمٞ
وَحَرۡثٌ حِجۡرٞ لَّا يَطۡعَمُهَآ إِلَّا مَن نَّشَآءُ بِزَعۡمِهِمۡ وَأَنۡعَٰمٌ
حُرِّمَتۡ ظُهُورُهَا وَأَنۡعَٰمٞ لَّا يَذۡكُرُونَ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَيۡهَا ﵞ [الأنعام: 138]
، مبيناً أن هذا التلاعب التشريعي هو لهو
يُعطل الانتفاع بالموارد.
3. تفكيك لهو العقائد (الخوض في
الانتماءات وادعاء الأماني):
حطم القرآن الانشغال بالجدل والاصطفافات
الطائفية التي يتكئ عليها الكسالى للنجاة بغير طلب. فاستنكر الخوض العبثي لأهل
الكتاب في تصنيف نبي الله إبراهيم لمنح أنفسهم شرعية زائفة: ﵟلِمَ
تُحَآجُّونَ فِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ ﵞ [آل عمران: 65]
وأعاد بوصلة العقيدة إلى الممارسة
العملية ﵟوَلَٰكِن كَانَ حَنِيفٗا مُّسۡلِمٗا
ﵞ [آل عمران: 67]
كما نقض صنم الأماني حين ادعوا احتكار
النجاة بالانتماء الشكلي ﵟوَقَالُواْ
لَن يَدۡخُلَ ٱلۡجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوۡ نَصَٰرَىٰۗﵞ [البقرة: 111] وجعل النجاة لمن أسلم وجهه لله وهو محسن بالعمل.
اختراق
الملهيات للعقل المسلم (استنساخ الانحراف)
بعد أن استعرضنا الموقف النبوي والقرآني
الصارم، نرى كيف تسللت هذه الآفات ببطء إلى العقل المسلم في عصور التدوين
المتأخرة. لقد أُعيد إنتاج الانحراف ذاته الذي وقع فيه أهل الكتاب، حيث تم افتراء
مرويات وفقهيات وعقائد نُسبت للإسلام "كذباً وزوراً"، فتحول الدين من
طاقة دافعة للعمل إلى منظومة من العُقَد:
1. لهو الحديث (إغراق العقل بالغرائبيات
والقصص المنسية):
لقد تم اختراع أحاديث نُسبت للرسول ﷺ
زُوراً، غايتها تحويله من قائد يُرسي دعائم العدل والعمران إلى شخصية تدور في فلك
الغرائبيات التي لا تُثمر عملاً. ومن أبرز أمثلة هذا اللهو:
- قصة حنين الجذع: المرويات التي تزعم أن الرسول ﷺ كان يخطب
على جذع نخلة، فلما صُنع له منبر، بدأ الجذع يبكي ويئن كالصبي حتى نزل الرسول
واحتضنه ليسكته. هذا خوض يُشغل المسلم بعواطف الجمادات بدلاً من الانشغال
بمضامين خطب الرسول العظيمة.
- شيطان أبي هريرة: القصة التي تزعم أن شيطاناً كان يسرق
التمر ليلاً، فأمسك به أبو هريرة، وعلمه الشيطان قراءة آية الكرسي للحفظ. هذا
اللهو يجعل من الشيطان معلماً، ويُغرق العقل في خيالات صراع جسدي مع الجن.
- صراع موسى مع ملك الموت: المرويات التي تزعم أن نبي الله موسى صفع
ملك الموت ففقأ عينه حين جاء ليقبض روحه. هذا الخوض الغرائبي يُشوه الأنبياء
ويصرف العقل عن تأمل كفاح موسى العظيم ضد طغيان فرعون.
- كلام الحيوانات: المرويات التي تتحدث عن ذئب يكلم راعياً
بلغة البشر ويقرعه، أو بقرة تلتفت لراكبها وتقول:
- «إنا لم نخلق لهذا، إنما خلقنا للحرث»([14]) هذه حكايات استُنسخت من أساطير الأمم
السابقة لتخدير العوام.
- تفاصيل دابة البراق: إغراق المسلم في تفاصيل مادية هجينة عن
دابة الإسراء (البراق)، بوصف حجمها بين البغل والحمار. هذا الانشغال بتشريح
كائن غيبي هو صرف للعقل عن دلالات الإسراء الكبرى إلى لهو وصفي مجرد، لا قيمة
له.
2. لهو الفقهيات (الفقه الافتراضي وصناعة
العُقَد):
كما غرق أحبار اليهود في شروحات التلمود،
انزلق العقل الفقهي المتأخر نحو اختراع عُقَد وافتراضات شلت حركة المسلم:
- فقه الماورائيات (زواج الجن): عقد الفقهاء أبواباً مطولة لمناقشة حكم
زواج الإنسي من الجنية، وتفاصيل النفقة عليها، والميراث لنسلهما! خوض عبثي
يهدر طاقة الأمة في بناء أحكام لواقع وهمي.
- أحكام الكائنات الخرافية: الخلاف الفقهي المفصل حول حكم أكل حورية
البحر (عروس البحر)، وهل تُذبح أم تؤكل ميتة؟
- القياسات المجهرية المانعة: الجدل المفرط حول حجم ثقب الجورب المانع
من المسح، وهل هو بمقدار ثلاثة أصابع أم أصبعين؟
- تقسيمات المياه المعقدة: تحويل الماء من عنصر طهارة بسيط إلى
عُقَد حسابية (كمسألة القلتين)، وتقسيمه إلى طهور، وطاهر، ونجس، ومستعمل، مما
أفسد على الناس فطرتهم وأدخلهم في دوامة الشك.
- فقه الخنثى وذوي الرأسين: افتراض ولادة إنسان برأسين، والخوض في
تفاصيل عجيبة: إذا نام أحدهما واستيقظ الآخر، وكيف يورثون؟
- الجدل في مقادير السفر: تحديد المسافة التي تبيح قصر الصلاة
بحسابات دقيقة تصل إلى خطوات الأقدام، مما أضاع الحكمة الأصلية (رفع المشقة).
- تفاصيل الاستنجاء المعقدة: وضع قواعد هندسية صارمة جداً لعدد
الأحجار، وزوايا الجلوس، والانحراف عن القبلة بالدرجات، مما حول قضاء الحاجة
إلى عملية معقدة.
أثر اللهو الفقهي (الوسواس القهري والشلل
التام):
ولم يقف أثر هذا اللهو الفقهي عند حد
إشغال العقل المسلم بالتوافه، بل إن الكارثة الكبرى أنه أسهم في إحداث حالة من الوسواس
القهري المعرفي لدى قطاعات واسعة من الأمة، مما كبل روحها في عصور التراجع،
وجعلها عاجزة عن المقاومة أو البناء الحضاري. ونتيجة لهذا العجز الناجم عن ترك
ميادين الطلب الحقيقي والغرق في تفاصيل الاستنجاء والوضوء، تكالبت عليها الأمم
واستباحتها بيسر وسهولة.
3. لهو العقائد (الخوض في الذات الإلهية
وتبرير الكسل):
تُرك العمل واستُبدل بجدل بيزنطي فرق
الأمة وسفك دماءها، ومن أبرز أمثلة هذا الخوض:
- الخوض في الصفات (تجسيم الذات
الإلهية): ترك اللاهون عظمة الخالق في كونه،
وغرقوا في الخوض في ذاته؛ هل له يد حقيقية أم مجازية؟ وكيف يستوي على العرش؟
هذا التجسيم لم ينتج إلا تمزيقاً وتكفيراً متبادلاً.
- الجبر والاختيار (عقيدة الكسالى): افتعال معارك كلامية لترسيخ "عقيدة
الجبر" المنسوبة كذباً لله (هؤلاء في النار ولا أبالي). هذا اللهو صُنع
خصيصاً لتبرير الكسل البشري وإعفاء الإنسان من مسؤولية النهوض.
- محنة خلق القرآن: إدخال الأمة في صراع دموي لسنوات حول
طبيعة كلام الله؛ هل القرآن مخلوق أم قديم أزلي؟ وهو جدل ماورائي لا يُقدم
ولا يُؤخر في ضرورة تطبيق أحكامه.
- رؤية الله بالبصر: معارك كلامية طاحنة حول إمكانية رؤية
الله بالعين المجردة يوم القيامة، وتحويل هذا الخوض إلى معيار للإيمان أو
الكفر.
- الآخرة (هندسة الغيب): الجدل المفرط حول تفاصيل مادية للآخرة،
كوصف الصراط بأنه جسر حقيقي أرق من الشعرة وأحد من السيف. هذا يحول المسؤولية
الأخلاقية إلى مشهد حسي يُشغل العقل بالهندسة الغيبية بدلاً من الاستعداد
بالعمل.
الأسباب
النفسية لانتشار الملهيات (الكسل وسلطة الأماني)
إن هذا الجنوح الجماعي نحو الملهيات
الثلاث ليس صدفة تاريخية، بل هو نتيجة لتركيبة نفسية يسيطر عليها التهرب من
المسؤولية. وتتجلى هذه الحالة في ثلاثة أبعاد نفسية:
- الكسل والهروب من تكاليف الطلب: الإنسان بطبعه المادي يميل إلى الدعة
ويتهرب من الجد والعمل، والتكاليف الشاقة للعمل الجاد الذي يبني العمران
ويزكي النفس. لذلك، يجد في الملهيات مخرجاً مثالياً يمنحه شعوراً بالتدين دون
أن يدفع ضريبة الجهد. فهو يفضل قضاء الساعات في جدل عقائدي، أو تتبع تفاصيل
فقهية ميتة، على أن يواجه التحديات الأخلاقية الكبرى. وفي هذا السياق، يبرز
"الغلو والتشدد" كمجرد حيلة نفسية يهدف بها الغالي إلى تغطية عيوبه
وكسله، وخداع الآخرين لإيهامهم بأنه الأكثر تقوى عبر افتعال التشدد في
التوافه.
- المرويات كمؤكدات للأماني: أدرك عمر بن الخطاب مبكراً أن الانكباب
على المرويات هو توكيد للأماني. فهذه الكتب لا تخلق الأماني من العدم، بل
تؤكد للإنسان اللاهي أن أمانيه بالنجاة كافية دون عمل. لذا صرخ عمر فيهم:
«أمنية كأمنية أهل الكتاب». وهو ما فضحه عمر أيضاً في حادثة "المتآكلين"
الذين ادعوا التوكل لتبرير كسلهم، فكشف أنهم يعيشون على سحت أموال الناس
بذرائع دينية.
- النفوذ والسيطرة (الاختلاف وسيلة
للبغي): يوفر الخوض في الملهيات فرصة ذهبية
لفرض السيطرة. فبمجرد أن يتحول الدين إلى مرويات وفقهيات تافهة، تبرز طبقة من
المشايخ الطقوسيين الذين يحتكرون تفسير هذه الملهيات وصناعة العُقَد. ويصبح
الاختلاف فيها وسيلة للبغي وإقصاء وتكفير من يخالفهم.
الخاتمة:
العودة إلى المثريات والتحرر من استدراج الشيطان
انتصرت هذه الملهيات على المثريات
"التي تثري حياة الإنسان وروحه" وهي لُب الإسلام، في فترات التراجع لأن
الإنسان كسلان بطبعه؛ فهو يفضل اتباع شيخه الطقوسي الشكلاني الذي وفر عليه مؤنة
التفكير وعبء المسؤولية "خلي بينك وبين النار الشيخ" مقابل الانشغال
بحكايات وتفاصيل فقهية وعقائدية، تمنحه شعوراً زائفاً بالأمان.
ولكن الحقيقة الغائبة التي يجب تأكيدها
هنا، هي أن العمل الجاد والنهوض بتكاليف الاستخلاف ليس حملاً ثقيلاً كما يُخيل
للكسالى، بل هو في جوهره حمل خفيف ويسير؛ لأنه يتناغم تماماً مع الفطرة الأولى
للإنسان وطبيعته التي خُلق عليها ليكون فاعلاً ومُعمراً. العمل الحقيقي ينسجم مع
الروح ويمنحها توازنها واستقرارها.
في المقابل، فإن هذه الملهيات تمثل مكيدة
واستدراجاً شيطانياً محكماً، يستثمر في نقاط ضعف النفس البشرية. إنها خطة خبيثة
تبدأ بخداع الإنسان واستدراجه نحو مستنقع الكسل عبر إيهامه بأن النجاة تتحقق
بالأماني والشكليات. وما إن يركن الإنسان ويترك ميادين الطلب، حتى يُطبق عليه
الشيطان الفخ بسلاح الغلو؛ فيُغرقه في تفريعات فقهية مجهرية وجدالات عقائدية
بيزنطية تخنقه، وتكبله بعُقَد لا حصر لها، ليتحول من كائن فاعل ذي إرادة، إلى كائن
مصاب بالوسواس القهري، مشلول التفكير، ومسحوق تحت وطأة قيود لم ينزل الله بها من
سلطان.
إن استعادة جوهر الإسلام وتحرير العقل
المسلم يتطلب هدم هذا المثلث الشيطاني (الكسل، الغلو، الملهيات) والعودة الصارمة
إلى المثريات والعمل الجاد، لنعيد للإنسان فطرته، وللأمة فاعليتها التي سُلبت
منها.
هذا والله أعلم
علي موسى الزهراني
([8])تقييد العلم، الخطيب البغدادي (ت 463 هـ)، تحقيق يوسف العش، دار
إحياء السنة النبوية، بيروت، 1974، ص 49-52. الطبقات الكبرى، ابن سعد (ت 230 هـ)، دار صادر، بيروت، الطبعة الأولى
1968، ج 2، ص 366 (بصيغة "مثناة كمثناة أهل الكتاب"). تذكرة الحفاظ، الذهبي (ت 748 هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت،
1998، ج 1، ص 5.
هل لديك نظرة أخرى
أطرحها هنا كي نستفيد من علمك