أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

الدلالة الحركية لجذر (فشل) في القرآن



الدلالة الحركية لجذر (فشل) في القرآن



بقلم: علي موسى الزهراني

  • جذر (فشل) في المعاجم اللغوية والجامع الدلالي

يُلاحظ في المعاجم اللغوية أنها جمعت بين الدلالات النفسية والحركية. فما تقوله المعاجم في جذر (فشل): "فشل الرجل أي تعب وكسل وجبن وتراخي وضعف. يقولون تفشل الماء أي سال. والفشل هو شيء من أداة الهودج (ستره). والفشل في آية الفشل والتنازع هي الجبن عن لقاء العدو. ورجل خشل فشل أي جبان. وتفشل منهم أي تزوج، وذلك عندما يتزوج الرجل من البعداء لكي يكون نسله حسنا. والفيشلة هي الحشفة. والفياشل شجر. وقيل ماء لبني حصين. والتفشيل هو ما يبقى في الضرع من اللبن." ([1])

وإذا أعملنا مبدأ الاستقراء لاستخراج (الجامع الدلالي) الموحد لهذه الاستخدامات المعجمية؛ سنجد أن المعنى النفسي (الجبن والضعف) ليس هو الأصل، بل هو عَرَض ونتيجة. الأصل الفيزيائي المشترك بين (سيلان الماء)، و(ارتخاء ستر الهودج)، و(ما يبقى من اللبن في الضرع) يعود إلى محور مادي واحد هو: "الانحلال، وفقد التماسك، والارتخاء بعد حالة من الشد والاجتماع". هذا هو الجذر المادي الصلب الذي تتفرع منه بقية المعاني.

  • جذر (فشل) في أمهات التفاسير: هيمنة البُعد النفسي

عند تتبع هذا الجذر في أمهات كتب التفسير، نجد أن الطرح لا ينسجم تمام الانسجام مع الدقة الفيزيائية للفظة، بل غلب على المفسرين التركيز على البُعد النفسي، فاتفقت التفاسير على جعل "الفشل" مرادفاً للجبن والضعف والخور. ومن أبرز ما جاء فيها:

    • تفسير الطبري: أورد الإمام الطبري عند تفسير قوله تعالى {فَتَفْشَلُوا}: "يقول: فتضعفوا وتجبنوا"([2])
    • تفسير القرطبي: أورد الإمام القرطبي عند تفسير قوله تعالى {حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ}: "أي جبنتم وضعفتم، يقال فشل يفشل فهو فشل وفشل"([3])
    • تفسير ابن عاشور: اقترب من وصف الحالة العامة لكنه أبقاها في دائرة الخور المعنوي، حيث قال: "والفشل: انحطاط القوة... ويصح أن يكون تمثيلاً لحال المتقاعس عن القتال بحال من خارت قوته وفشلت أعضاؤه"([4])

الفشل في القرآن: الطرح الحركي المتفرد خارج إطار الترادف

  • تفكيك الترادف: الفرق الميداني بين الفشل، والفرار، والضعف

تأسيساً على القاعدة القرآنية الصارمة (لا ترادف، وكل جذر له دلالة مادية مستقلة)، يكشف الاستقراء عن بطلان تسوية الفشل بالخوف أو الفرار أو الضعف، وذلك من خلال الفروق الفيزيائية التالية:

    • الفرار (ف ر ر): هو الانطلاق السريع للابتعاد والمغادرة المكانية المباشرة هرباً من المواجهة.
    • الضعف (ض ع ف): هو هشاشة ورخاوة في البنية الذاتية للشيء، تقابله (القوة).
    • الفشل (ف ش ل): ليس هروباً، وليس هشاشة ذاتية، بل هو "سيلان الكتلة المتراصة، وفقدان حالة التمركز والشد المادي". قد يفشل الجيش (يسيل ويفقد انضباطه) دون أن يفر منه أحد.
  • الأصل المادي: سيلان الكتلة العسكرية وكسر (التبوّء)

الفشل ليس حالة نفسية، بل هو حركة مادية ميدانية، وهو "المعكوس الفيزيائي" لخطة الاصطفاف والانضباط. فالقائد العسكري يقوم بـ "التبوّء" {تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ}؛ أي إلزام الكتلة العسكرية بتشكيل هندسي صارم ومراكز ثبات متراصة.

وعندما "يتفشل" الجيش، فهو لا يفر دفعة واحدة، بل يفقد شكله الهندسي المتماسك و"يسيل"؛ حيث تترك بعض الأجزاء مواقعها وتتحرك، بينما تليها أجزاء أخرى ببطء، وتتسمر أجزاء أخيرة في مكانها. هذا التمدد العشوائي يحول الجيش من "كتلة صلبة" إلى حالة "سائلة" متموجة تفتقر للانضباط والتمركز.

  • حقيقة ذهاب الريح: تلاشي قوة الصدمة (فيزياء المعارك)

هذا السيلان المادي يقودنا إلى الفهم الفيزيائي الدقيق للنتيجة القرآنية: {وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ}. قد يرى البعض في "الريح" هنا مجرد كناية بلاغية عن القوة والمنعة، ولكن الاستقراء الميداني يثبت أنها حقيقة فيزيائية وعسكرية لا تلغي المجاز بل تؤسسه على واقع مادي.

الكتلة البشرية الهائلة، عندما تترابط وتتحرك بانضباط وتراص شديدين كجدار واحد لا فراغ فيه، تزيح الهواء بقوة وتصنع تياراً وزخماً هائلاً يشبه "الريح" العاتية، وهذه هي "قوة الصدمة". هكذا مزق الإسكندر الأكبر قلب الجيش الفارسي بتشكيلات متراصة، وهكذا أبدع خالد بن الوليد في معركة اليرموك بنظام "الكراديس" الصلبة التي لا تعرف السيولة.

بمجرد أن يقع "الفشل" (سيلان الكتلة وتمددها)، تتوزع طاقة الجنود، وتضيع نقطة التركيز، وتذوب "كتلة الضرب". السائل المتبدد لا يمكنه توجيه ضربة قاضية؛ لأنه يصطدم بخطوط العدو على شكل موجات متناثرة. وبانهيار هذا التراص المادي، تتلاشى تلقائياً قوة الصدمة والزخم الاندفاعي الموحد، وهو التجسيد الحرفي لـ "ذهاب الريح".

  • الاستقراء الميداني لآيات الفشل وسيلان الكتلة العسكرية

يحدث هذا السيلان المادي (الفشل) نتيجة لدوافع ومحركات مختلفة، رصدها القرآن بدقة عبر المواضع التالية:

    • الفشل بدافع الاحتكاك والخصومة الداخلية:

في قوله تعالى: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ}([5]) عندما يحدث التجاذب والمدافعة الداخلية (التنازع)، تضطر الأجزاء المتخاصمة للابتعاد عن مواقع تبوئها. هنا تسيل الكتلة وتتمدد كاسرةً التشكيل الهندسي للجيش. وبمجرد سيلان الكتلة ووصول الجنود متناثرين، تتلاشى قوة الصدمة والزخم الموحد (ذهاب الريح).

    • الفشل بدافع الرغبة وإغراء النصر:

في قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ}([6])  في جبل أُحد، رأى الرماة تباشير النصر وانهيار صفوف قريش (ما تحبون)، فكان رد الفعل المادي هو ترك المقاعد والانحدار. تحرك بعضهم، ولحق بهم آخرون ببطء، وبقي صنف ثالث متسمراً في مكانه. هذا التموج العشوائي هو التجسيد الحرفي والمادي لسيلان الكتلة العسكرية وتركها لتبوئها (الفشل).

    • الفشل بدافع حسابات الخطر والرهبة من العدو:

في قوله تعالى: {وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ}([7]) لو رأى المقاتلون جيشاً يفوقهم عدداً بكثير، لظنوا أن مراكزهم ومقاعدهم الحالية مكشوفة وسيئة. سيبدأ التململ وترك المواقع للبحث عن ملاذ آمن، فتسيل الكتلة وتفقد انضباطها المادي (الفشل)، ثم يتبعه التجاذب والصراخ بينهم لتحديد الوجهة (النزاع).

    • الفشل كنية مبطنة قبل التنفيذ (الهَمّ):

في قوله تعالى: {إِذْ هَمَّت طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا}([8])  بتحريض من البطانة المنافقة، تملكت الطائفتين نية سيئة (الهَمّ) لإيقاع الضرر بتبوء الجيش وقيادته. كانتا تنويان إحداث هذا "السيلان" المادي بالانسحاب التدريجي المتموج لكسر هندسة الاصطفاف وإحداث فراغ في الجبهة، وذلك دون وجود خصومة أو مجاذبة بينهما (غياب النزاع)، لكن العناية الإلهية ثبتتهما في مقاعدهما قبل تحول تلك النية إلى سيلان مادي فعلي على الأرض.

الخاتمة

من خلال هذا الاستقراء الميداني واللغوي، يتضح لنا بطلان الركون إلى الترادف في تفسير الألفاظ القرآنية الدقيقة. كلمة (الفشل) في السياق العسكري القرآني ليست مرادفاً نفسياً للجبن أو الضعف أو الخوف، بل هي مصطلح فيزيائي حركي يصف بدقة "حالة سيلان الكتلة العسكرية وتمددها، وانحلال تماسكها وفقدانها لتبوئها وتمركزها". هذا الفهم الحركي لا يعالج إشكالية الترادف في التراث التفسيري فحسب، بل يعيد للنص القرآني إعجازه الميداني؛ إذ يرسم القرآن ميكانيكية حركة الجيوش، وتأثير الانضباط، والنتائج الفيزيائية الكارثية المترتبة على الانفراط المادي وتلاشي قوة الصدمة (ذهاب الريح)، بدقة متناهية تتجاوز الوصف النفسي المعتاد إلى التوثيق العسكري الصارم.


([1]) «معجم مقاييس اللغة» (4/ 504): «تاج العروس من جواهر القاموس» (30/ 160): المعجم الاشتقاقي المؤصل (3/ 1676)

([2]) جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للإمام محمد بن جرير الطبري، تحقيق: أحمد شاكر، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، ج13، ص576، تفسير سورة الأنفال آية 46

([3]) الجامع لأحكام القرآن، للإمام محمد بن أحمد القرطبي، دار الكتب المصرية، الطبعة الثانية، ج4، ص240، تفسير سورة آل عمران آية 152

([4]) التحرير والتنوير، للإمام محمد الطاهر بن عاشور، الدار التونسية للنشر، الطبعة الأولى، ج10، ص31، تفسير سورة الأنفال آية 46].

([5]) [الأنفال : 46]

([6]) [آل عمران : 152]

([7]) [الأنفال : 43]

([8]) [آل عمران : 122]

ali
ali
تعليقات
    جاري استحضار النفحات القرآنية...