خطب في القرآن المكرم
بقلم: علي موسى الزهراني
مقدمة:
نظرة في المعاجم
جاء في المعاجم اللغوية حول جذر (خ ط ب):
"خطب أصلان: أحدهما الكلام بين
اثنين. والخطب في النكاح هو طلب الزواج. والخطبة هو الكلام المخطوب به. واختطب
القوم فلاناً أي طلبوه لكي يتزوج صاحبتهم. والخطب هو الأمر يقع، وسمي بذلك لما يقع
فيه من التخاطب والمراجعة. والخطباء هو الأتان التي لها خط أسود على متنها.
والحمار الذكر أخطب. والأخطب هو طائر بلونين. والخطبان هو الحنظل إذا اختلف
ألوانه."([1])
أقوال
المفسرين في جذر خطب ومشتقاته
يقول الطبري في تفسير ما خطبكما: "قال
موسى للمرأتين ما شأنكما وأمركما تذودان ماشيتكما عن الناس... والعرب
تقول للرجل: ما خطبك؟ بمعنى: ما أمرك وحالك" ([2]) بينما يرى القرطبي أن الخطب
هو الأمر الخطير فيقول: "قال: فما خطبكم؟ والخطب الأمر الخطير، أي فما أمركم وشأنكم
وما الذي جئتم به"([3]) أما ابن كثير فيفسر فصل الخطاب فيقول: "وقوله: (وفصل الخطاب) قال
شريح القاضي والشعبي فصل الخطاب: الشهود والأيمان. وقال قتادة: كتاب الله واتباع ما
فيه" ([4]) بينما خالفهم الطبري فقال: " اختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال
بعضهم: عني به أنه علم القضاء والفهم به... وقال آخرون: بل هو قول: أما بعد" ([5])
إن المتأمل في هذه النقولات يلحظ أن
المعاجم والمفسرين اعتمدوا على التقريب بالمرادفات (الكلام، الأمر، الشأن، الحال)،
ولم يحرروا الماهية الهندسية المجردة للجذر. إلا أن الوصف الحسي للحيوانات
والنباتات الوارد في المعاجم يقدم دلالة مادية ملموسة، وهي الدلالة التي سنستند
إليها لفك شفرة هذا الجذر أصولياً.
أولاً:
الجامع الدلالي والاشتقاق الأكبر لعائلة (خ ط)
للوصول إلى المعنى المجرد لجذر (خ ط ب)،
نعود للأساس الحسي في المعاجم. لقد سُميت الأتان (أنثى الحمار) بـ
"الخطباء" لأن لها خطاً أسود يفصل لون متنها، وسُمي الطائر بـ
"الأخطب" لأن فيه لونين متمايزين يفصل بينهما خط. هذا التوصيف المادي
يحدد الأصل الهندسي لعائلة (خ ط)، فالمقطع الثنائي (خ ط) يدل على "المسار،
والتحديد، والخط الفاصل". وتأتي الحروف الأخيرة لتفصل ماهية التعامل مع هذا
المسار:
- جذر (خ ط ط) - الخُطَّة والخَطّ: رسم المسار وتحديده مادياً أو معنوياً
ليصبح طريقاً معلوماً.
- جذر (خ ط أ) - الخَطَأ والخَطِيئَة: الانحراف ومجانبة الطريق المرسوم ومخالفة
الخطة.
- جذر (خ ط و) - الخُطْوَة: التنفيذ العملي والتدرج الحركي داخل هذا
المسار مرحلة بمرحلة، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ
الشَّيْطَانِ﴾ [البقرة: 168]، أي التدرج في مسار الغواية.
- جذر (خ ط ب) - الخَطْب والخِطَاب: إصدار التكليف والمهمة الموجهة لتوجيه الآخر وحثه على السير في هذا الطريق، كما سوف نرى لاحقاً. وهنا يبرز الفارق الدقيق بين الخطاب وبين القضاء؛ فالخطاب يقف عند حدود (تمرير التوجيه) ونقل المنهج للمتلقي، بينما يتجاوز (القضاء) ذلك إلى (إمضاء الأمر) وتسليمه كقرار حتمي لمن بيده أداة التنفيذ، فهو توجيه واجب النفاذ لا مجال فيه للنقاش
بناءً على هذه القاعدة، ننطلق لتفكيك جذر
(خ ط ب) في القرآن الكريم (والذي ورد في 12 موضعاً)، حيث يمثل (الخَطْب) التكليف
والمهمة الموجهة في ذاتها. بينما يمثل (الخِطَاب) تمرير هذا التكليف للآخرين
ومحاولة إلزامهم به.
ثانياً:
الخَطْب (التكليف والمهمة الموجهة)
صيغة (الخَطْب) كاسم مطلق تعبر عن
التكليف والمهمة الموجهة بحد ذاتها، وتُختزل بدقة في السؤال الاستكشافي أو
الاستنكاري: "ما هي المهمة؟ وما هو التكليف الموجه؟ ولماذا قمت بذلك؟".
وتنقسم الإجابات القرآنية إلى الكشف عن هذه المهمة، سواء كانت بوازع ودافع ذاتي،
أو بتكليف من جهة خارجية:
- المهمة الناتجة عن اضطرار أو دافع
ذاتي:
﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ...
قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ۖ قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ ۖ
وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [القصص: 23].
السؤال هنا: ما هي المهمة والتكليف الذي
ألزمهما بهذا العمل الشاق؟ والإجابة كشفت أن المهمة دافعها اضطراري فرضه الواقع
لتجنب الرعاء لغياب الرجل القادر، ولا يوجد تكليف خارجي.
أما قوله تعالى: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ
يَا سَامِرِيُّ﴾ [طه: 95].
فهو سؤال استنكاري: ما هي هذه المهمة
والتكليف الذي دفعك لتصنع العجل؟ فأجاب السامري كاشفاً أن المهمة لم تكن بتكليف
خارجي، بل هي اختلاق ودافع ذاتي: ﴿وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾.
- المهمة الناتجة عن تكليف خارجي:
﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا
الْمُرْسَلُونَ﴾ [الحجر: 57]
سؤال للملائكة: ما هي المهمة والتكليف
الذي نزلتم لتنفيذه؟ فأجابوا بالكشف عن المهمة وهي إهلاك القوم المجرمين.
﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ
رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ﴾ [يوسف: 51].
يسأل الملك: ما هي المهمة أو التوجيه
الذي يختفي خلف مراودتكن ليوسف؟
ثالثاً:
الخِطَاب (تمرير التوجيه للآخرين ومحاولة إلزامهم)
عند انتقال الجذر لوزن (فِعَال)
والمشتقات الفعلية، يتحول المعنى إلى عملية تمرير هذا التكليف للآخرين ومحاولة
إلزامهم به:
- ﴿إِنَّ هَٰذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ
وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا
وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص: 23].
الخصم القوي استخدم الخِطَاب لتمرير
تكليفه بقوة. توجيهاته كانت نافذة استناداً إلى قدرته المالية والسلطوية، فتمكن من
تمرير مهمته (أكفلنيها) وإلزام أخيه الأضعف بها.
- ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ
الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص: 20].
فصل الخطاب يعني أن توجيهات داود عليه
السلام التي يمررها نافذة وجادة لا هزل فيها، فتقطع أي نزاع ويمتثل لها السامع
فوراً لقوتها، فقد كانت له هيبة ورهبة.
- ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ
ظَلَمُوا ۚ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ﴾ [هود: 37]
نهي إلهي لنوح عليه السلام عن تمرير أي
توجيه لله عز وجل في هذا الشأن المحسوم. فلو دعا نوح لنجاة ابنه، فلن يُعتبر فعله
سؤالاً، بل سيُعد خِطاباً؛ أي محاولة لتوجيه الله لكي ينفذ طلبه، وهذا توجيه لا
يليق بمقام العبد مع الخالق.
- ﴿رَّبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ
وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَٰنِ ۖ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا﴾ [النبأ:
37].
يزعم الكفار أن للملائكة سطوة وحظوة عند
الله، وأنهم لو طلبوا لنُفذ طلبهم، لهذا يتمسكون بهم أكثر من الله، فيرد عليهم
القرآن أنه لا يملك أحدٌ خطاباً مع الله، أي لا يمكن تمرير توجيه لله نحو فعل
معين.
رابعاً:
المشتقات وحالة الانخراط
- ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ
قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: 63].
الجاهل هو المتعصب الأحمق الطاغي، يريد
إسكات المؤمن ومنع الدعوة، فالجاهل يخاطب المؤمن بأن يسكت، وإلا كذا وكذا، أي خطاب
توجيه وما يشبه الأمر، فيرد المؤمن عليه بالسلام حتى لا يعطيه فرصة للصراع.
- ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا
عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة: 235].
الخِطبة (بكسر الخاء الدالة على الهيئة)
هي الكلام الموجه لطلب الزواج. الخاطب يمرر تكليفه بالارتباط كخطوة أولية وبداية
فعلية لمهمة بناء الأسرة، أي أن الخاطب يريد أن ترضى الفتاة بأن يكون هو موجهاً
لها في مهام الزواج لاحقاً.
خامساً:
مناقشة إشكالات منهجية متوقعة (بين التوسع المعجمي والضبط القرآني)
قبل الختام، لابد من تحرير منطلقنا
المنهجي لتفادي الخلط بين "التاريخ اللغوي المتسع" و"النسق القرآني
المنضبط"، والرد على أي إشكالات لغوية قد تُطرح على هذا التحرير الدلالي:
1. إشكالية التشتت المعجمي وتعدد الأصول: قد يُعترض بأن ابن فارس في "مقاييس اللغة" قسّم الجذر
لأصلين (الكلام، واختلاف اللونين)، وأن دمجنا لهما غير مسند. والرد هو أن اللغة
تبدأ من الإدراك الحسي للأشياء ثم ترتقي للتجريد. المقطع الثنائي (خ ط) يطبع في
العقل دلالة "تحديد المسار". نظرية "الاشتقاق الأكبر" لا
تخالف المعاجم، بل تتجاوز شتاتها لترد الفروع المعنوية والمادية إلى أصلها الهندسي
الموحد.
2. إشكالية التوسع التداولي عند العرب: استعمل العرب قديماً لفظ (الخَطْب) بمعنى "المصيبة والنازلة
والأمر الجلل" (كقولهم: عَظُمَ الخَطْب). نحن لا ننفي هذا التوسع المجازي في
التداول العام، ولكن الإشكالية تكمن في سحب هذا التمدد الرخو وإسقاطه على النص
القرآني. القرآن لا يستخدم اللغة بعشوائية التداول المجازي، بل يصطفي الجذور
ويردها إلى ماهياتها الهندسية الصارمة، فخصّ هذا الجذر بـ "التكليف
والمهمة".
3. إشكالية التفسير بالترادف: تفسير ﴿مَا خَطْبُكُمَا﴾ بمعنى "ما شأنكما أو حالكما" يقع
في فخ الترادف الفضفاض. لو كان المراد هو "الشأن" أو "الأمر"،
لاستعمل القرآن ألفاظ (شأن، أمر، حال) وهي مبثوثة في آياته. اختياره الدقيق لجذر
(خ ط ب) يقتضي دلالة هندسية محددة لا توفرها الكلمات العامة.
الخاتمة
يتضح مما سبق أن جذر (خ ط ب) في نسقه
القرآني يرتكز كلياً على فكرة التكليف والمهمة الموجهة، سواء كجوهر للحدث
(خَطْباً)، أو كعملية لتمرير هذا التكليف للآخرين ومحاولة إلزامهم به (خِطَاباً).
هذا التحرير الدلالي يضبط فهم النص وفق سياقه الموضوعي الموحد، وينفي الترادف،
ويتجاوز التأويلات السطحية والتوسع المعجمي الفضفاض.
هذا والله أعلم.
هل لديك نظرة أخرى
أطرحها هنا كي نستفيد من علمك