أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

اللهو في القرآن المكرّم


اللهو في القرآن المكرّم



اللهو في المعاجم:

للهو أصلان: أحدهما يعني الشغل، والثاني يعني نبذ شيء من اليد. ولَهِيتُ عن الشيء إذا تركته لغيره. وكان الزبير إذا سمع صوت الرعد لَهِيَ عن حديثه ولاذ بالصمت.

والأصل الآخر للهو هو "اللَّهوة"، وهو ما يطرحه الطاحن في ثقبة الرحى بيده، وعلى هذا سُمي العطاء لَهوة، فقيل: هو كثير اللَّهَى. واللَّهاة هي أقصى الفم، فقد شُبهت بثقبة الرحى؛ لِما يُلقى فيها من طعام.

ولَهَا: أي لَعِبَ. وقد احتاروا في الفرق بين اللهو واللعب، فقيل: يشتركان في الانشغال بما لا يفيد. وقيل: بل اللهو أعم، فاستماع الغناء لهو وليس لعباً. وقيل: اللعب ما قُصد به تعجيل المسرّة والاسْتِرْوَاح به. وقال الطرسوسي: اللهو الشيء الذي يلتذ به الإنسان ثم ينقضي. وقيل: بل هو ما يشغل الإنسان عما يهمه. ويختلف عن العبث، فهو ارتكاب أمر غير معلوم الفائدة. وقيل: هو أن يخلط الشخص بين ما ينفع وما لا ينفع ([1])

اللهو عند المفسرين:

يرى مجاهد بن جبر أن كل لعب لهو، ويرى مقاتل بن سليمان أن اللعب هو الباطل واللهو هو اللهو. ويرى آخر أن اللعب هو لهو إذا صرفك عن عمل واجب. ويرى أحدهم أن اللهو أسوأ من اللعب، لأنه يلهيك عن الواجب. ويرى آخرون أن الدنيا لهو ولعب لأنها سريعة الزوال.

وذهب المفسرون إلى ثلاثة آراء حول اللعب واللهو؛ فيرون أن المعنى هو قصر عمر الدنيا كأنها لعبة. والرأي الثاني أن أعمال الدنيا إما عمل خير ينفع في الآخرة، أو لعب ولهو لا فائدة منه. والرأي الثالث أن أهل الدنيا "طلابها" كلهم أهل لعب ولهو، واللعب هو ما لا يجدي نفعاً.

ويرى أحدهم أن المقصد أن غالب الدنيا لعب ولهو. ويرون أن العبادات ليست من اللهو واللعب. وسبب كون أعمال الدنيا لعباً ولهواً هو قلة جدواها وسرعة زوال منافعها. ويرى أحدهم أن العاقل هو من يجمع بين سعادتي الدنيا والآخرة. ويرى آخر أن اللهو هو ما يشغل الإنسان عن طاعة الله. واللعب هو ترك ما ينفع بما لا ينفع، أما اللهو فهو الميل عن الجد إلى الهزل ([2])

اللهو في القرآن:

ارتبطت لفظة اللهو في القرآن مع اللعب في ستة مواضع، فما السبب؟

قبل أن نفسر الأمر، يجب أن نوضح أننا قد شرحنا معنى اللعب، وقلنا: هو استجلاب اللذة عن طريق النشاط الحركي أو العقلي، من أجل تحفيز العقل لإفراز هرمونات السعادة والفرح. فاللعب بلا هدف وغاية، غايته قد انتهت بالفعل نفسه الذي أنتج تلك الهرمونات السعيدة، فاللعب لمن لا يعرف أغراضه المفيدة أو كان متزمتاً قاسي القلب، يحسبه عبثاً وفوضى.

أما اللهو فهو ما يشغلك عن أمر آخر قد يكون أهم منه، فلو التَهيت عن اللعب والسمر بأمر مفيد، فأنت أيضاً في لهو عن أمور أخرى، ولكنه لهو طيب مفيد. واللعب ليس دائماً مذموماً وليس دائماً لهواً ضاراً، بل هو غريزة وفطرة، فإذا كان الجسم في حاجة لذلك اللعب فهو لهو محمود.

وإليك شرح الآيات:

1. اللهو واللعب:

  • {وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا لَعِبٞ وَلَهۡوٞۖ وَلَلدَّارُ ٱلۡءَاخِرَةُ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ} [الأنعام: 32].
  • {وَذَرِ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمۡ لَعِبٗا وَلَهۡوٗا وَغَرَّتۡهُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَاۚ} [الأنعام: 70].

يرتبط اللعب في الغالب مع اللهو في صورته السلبية، لأن الإنسان يريد مزيداً من اللذائذ والمسرات، فيكثر من اللعب سواء كان بالحركة أو بالفكر، لهذا نجد اللهو يُذكر في ستة مواضع مع اللعب؛ لأن الأخير يشغلك بسبب قوة الهرمونات السعيدة عما يجب عليك فعله.

نُعتت الحياة الدنيا بأنها لهو، فالمقصود ملذات الحياة، فالبحث عنها يلهيك عما يجب فعله، وهي توصف بأنها "لعب" لأنها متلاشية فانية، أي كما يتلاشى غرض اللعب ولذته ساعة توقف الإنسان عنه. فالآيات التي تشبه الدنيا باللعب واللهو لم تقصد أن تعيب الدنيا ونظام الحياة، بل قصدت التحذير من إهمال الآخرة. فالدنيا مُترَعة بالنعم والملذات التي تجعل الحياة ممكنة، لكن شريطة ألا نصبح عبيداً لاستجلاب الهرمونات السعيدة.

2. يلههم الأمل:

  • {ذَرۡهُمۡ يَأۡكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلۡهِهِمُ ٱلۡأَمَلُۖ فَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ} [الحجر: 3].

انشغال الكفار بانتظار موت الرسول أو جنونه:

  • {وَقَالُواْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيۡهِ ٱلذِّكۡرُ إِنَّكَ لَمَجۡنُونٞ} [الحجر: 6].
  • {فَذَكِّرۡ فَمَآ أَنتَ بِنِعۡمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٖ وَلَا مَجۡنُونٍ (29) أَمۡ يَقُولُونَ شَاعِرٞ نَّتَرَبَّصُ بِهِۦ رَيۡبَ ٱلۡمَنُونِ (30) قُلۡ تَرَبَّصُواْ فَإِنِّي مَعَكُم مِّنَ ٱلۡمُتَرَبِّصِينَ} [الطور: 29-31].

فهم يتربصون؛ أي ينتظرون وقوع المصائب على الرسول الذي استخف بآلهتهم، حُسباناً منهم أن تلك الآلهة ستعاقبه على هذا الاستخفاف.

3. قلوبهم لاهية:

  • {لَاهِيَةٗ قُلُوبُهُمۡۗ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجۡوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلۡ هَٰذَآ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡۖ أَفَتَأۡتُونَ ٱلسِّحۡرَ وَأَنتُمۡ تُبۡصِرُونَ} [الأنبياء: 3].

مشغولة قلوبهم بأمور أخرى غير سماع الدعوة:

  • {مَا يَأۡتِيهِم مِّن ذِكۡرٖ مِّن رَّبِّهِم مُّحۡدَثٍ إِلَّا ٱسۡتَمَعُوهُ وَهُمۡ يَلۡعَبُونَ (2) لَاهِيَةٗ قُلُوبُهُمۡۗ} [الأنبياء: 2-3].

قد يكون تسفيهاً منهم للرسول الذي يأتي ليلقي عليهم المواعظ، فيقومون للعب أو يكملون اللعب مع الاستماع له، فقلوبهم لاهية؛ أي مشغولة بما هو أقل قيمة من كلام الرسول.

4. اتخاذ اللهو:

  • {لَوۡ أَرَدۡنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهۡوٗا لَّٱتَّخَذۡنَٰهُ مِن لَّدُنَّآ إِن كُنَّا فَٰعِلِينَ} [الأنبياء: 17].
  • {وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا لَٰعِبِينَ (16) لَوۡ أَرَدۡنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهۡوٗا لَّٱتَّخَذۡنَٰهُ مِن لَّدُنَّآ إِن كُنَّا فَٰعِلِينَ} [الأنبياء: 16-17].

تتحدث الآية عن عقيدة كفار قريش في اتخاذ الله الملائكة بنات، لكي يلهو، أي لكي ينشغل بسبب فراغه ([3])  -نعوذ بالله من كفرهم-، فيَرُدُّ عليهم النص بأن الله خلق الأرض ليس للعب، أي ليس للتمتع والتسلية -حاشاه-، ولم يتخذ الملائكة لكي يلهو أي ينشغل، بل خلقهم عبيداً له ينفذون أوامره فقط:

  • {وَلَهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَمَنۡ عِندَهُۥ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِهِۦ وَلَا يَسۡتَحۡسِرُونَ (19) يُسَبِّحُونَ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ لَا يَفۡتُرُونَ} [الأنبياء: 19-20].

5. التجارة لهو:

  • {رِجَالٞ لَّا تُلۡهِيهِمۡ تِجَٰرَةٞ وَلَا بَيۡعٌ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَوٰةِ يَخَافُونَ يَوۡمٗا تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلۡقُلُوبُ وَٱلۡأَبۡصَٰرُ} [النور: 37].

وردت آيات اللهو بالتجارة في أربع آيات، فالتجارة شديدة الجاذبية مثل الألعاب. والتجارة عمل عظيم وحلال، ولكنه إذا طغى واستحوذ على كل وقت الإنسان صار لهواً يلهيه عن بقية الأمور الأخرى الواجبة، ومنها ذكر الله، وذكر الله أهم من التجارة.

6. لهو الحديث:

  • {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشۡتَرِي لَهۡوَ ٱلۡحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٞ مُّهِينٞ} [لقمان: 6].

شرحنا "الحديث" ([4]) وقلنا هو كل قصص وأخبار قديمة كادت أن تندثر فتم إحياؤها، فمن تلك القصص ما هو لهو، أي يشغلك عن الحديث المفيد؛ أي الأخبار والقصص ذات الفائدة. ففي زمن الرسول كان هناك من يجلب القصص التي تزاحم قصص القرآن بغية أن يصرف الناس عن القرآن.

7. تلهّي الرسول:

  • {فَأَنتَ عَنۡهُ تَلَهَّىٰ} [عبس: 10].

تزعم المرويات أن الرسول تلهى عن أحد المؤمنين العُمي "عبد الله بن أم مكتوم" وانشغل بأحد صناديد الكفار يدعوه للدين، وقد صححنا الكلام، وقلنا -إذا صحت الرواية- إن الأعمى لم يكن مؤمناً بعد، ولا يمكن أن يكون أعمى البصر، بل هو أعمى العقل، وهو ما يسمونه بالخطأ "أعمى البصيرة".

هذا الأعمى الضال، كان يلح على الرسول ويكثر عليه الأسئلة، فطابت نفس الرسول منه وأيست، وبحث عن آخر له تأثير على الناس لعله يدخل في الدين. فعاتبه القرآن ألا ينشغل عن هذا المنفوخ وعليه أن يركز على هذا الأعمى فهو الأقرب إلى الإيمان. فهذا هو لهو الرسول، أي انشغاله عما هو خير من المنفوخ.

الخلاصة:

وجدنا أن اللهو هو الانشغال عن الشيء بشيء آخر، وفي الغالب جاء مذموماً في القرآن لأنه قَصَدَ الانشغال عن الواجب، وبيّنّا أن اللهو قد يكون محموداً إذا كان اللهو هو انشغال بأمر واجب عن أمر أقل وجوباً، كما لاحظنا أنه لا يصح للأعمال أن تستحوذ على كل وقت الإنسان، فحتى اللعب والتسلية تصبح في بعض الأحيان واجبة، وأن اللهو عنها بالعبادة طيلة الوقت هو لهو مذموم.

لكن مع هذا، فإن الإنسان في العادة يلتهي بأمور معينة دون غيرها ويترك الواجبات، فهو يلتهي باللعب بحثاً عن الملذات وتحفيز الهرمونات، وقد ذُكر هذا الأمر في القرآن ست مرات. أما التجارة فهي اللاهية الثانية التي تم ذكرها، وقد ذُكرت أربع أو خمس مرات، فهي لاهية ومذمومة لأن الإنسان يدمن على جمع المال على حساب التقوى والدين.

واللهو طبيعة بشرية، فالإنسان لا يملك قلبين، بل قلب واحد يوجهه حيث يريد، وعليه أن يوازن، فلا يميل بقلبه كل الميل ناحية اللعب أو التجارة وهما أعظم ما يشغل الإنسان.

هذا والله أعلم.

علي موسى الزهراني



([1]) «مقاييس اللغة» (5/ 213)، «المعجم الاشتقاقي المؤصل» (4/ 2005)، «تاج العروس من جواهر القاموس» (39/ 497).

([2]) «تفسير الطبري» (9/ 218)، «زاد المسير في علم التفسير» (2/ 22)، «تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي» (3/ 530)، «تفسير ابن كمال باشا» (3/ 301)، «التفسير الوسيط - مجمع البحوث» (3/ 1226)، «تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة» (3/ 275)، «موسوعة التفسير المأثور» (8/ 320)، «تفسير القرآن الثري الجامع» (3/ 357)، «بيان النظم في القرآن الكريم» (1/ 508).

([3]) لم تقل بهذا المصادر، ولكن هو من اللوازم، فالقوم يرون أن الله يتلهى باتخاذ الملائكة بنات له، وهذا يعني أن لديه فراغاً نفسياً قضاه باتخاذ البنات الملائكة.

([4]) يمكن الرجوع لمفردة الحديث في المدونة.

ali
ali
تعليقات
    جاري استحضار النفحات القرآنية...