أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

العلاقة بين الصرخة والاستغاثة في القرآن المكرم

 


العلاقة بين الصرخة والاستغاثة في القرآن المكرم

بقلم: علي موسى الزهراني



الغوث في المعاجم:

الغوث كلمة واحدة وهو من الإغاثة وهي الإعانة والنصرة عند الشدة. واستغاث الرجل أي صاح واغوثاه. والغياث ما أغاثك الله به. وأغثني أي فرج عني. والغيث هو المطر والكلأ. وغاث الله البلاد أي أنزل بها الغيث. والغيث هو عيلم الماء وهو البئر الغزيرة الماء. والمغاوث هو المياه. ([1]) والغيث هو المطر الذي مساحة هطوله 23كم.

والثنائي من غوث هو غث وهو جنس من التجمع والتراكم لمادة هشة. فغثيثة الجرح هو فضلات الجرح. والغثاء هو ما يحمله السيل من زبد هذا هو الغثو. أما الغثى فهو الاستغاثة، وهو الصوت الذي يطلب المساعدة

صرخ في المعاجم:

أصل يدل على صوت رفيع. ومنه الصراخ. والصارخ هو المستغيث. والصارخ هو المغيث، وقيل، بل مُصرخ. وصرخ أي استغاث فقال واغوثاه واصرختاه. وأصرخه أي أغاثه. ([2])

أقوال المفسرين في الاستغاثة والصراخ: لم يركز المفسرون حول هذين اللفظين، وهما بدلالة واحدة عندهم، فاستغاث واستصرخ بمعنى واحد وهو طلب النجدة. فالذي استغاث موسى بالأمس هو الذي استغاثه في اليوم التالي لكن تبدلت الكلمة ولا يبينون السبب إلا أنهم بالتأكيد يؤمنون بالترادف ([3])

الصراخ والاستغاثة في اللغات السامية:

تتفق المعاجم الأكاديمية المتخصصة في فقه اللغات السامية المقارن على أصالة الجذرين (صرخ) و(غيث/غوث)، حيث يرد الجذر الأول بدلالة الصياح ورفع الصوت والنواح في الأكادية (ṣarāu)، والعبرية (צָרַח / ṣ-r-)، والآرامية والسريانية (ܨܪܚ / ṣ-r-). بينما يبرز الجذر الثاني (غيث/غوث) في سياقي النجدة والمطر؛ ففي حين يُستخدم بوضوح في النقوش السامية الشمالية الغربية (الصفوية والنبطية) بأحرف (غ ي ث / ġ y ) للدعاء بطلب المطر والمساعدة، وتركيب الأعلام القديمة مثل (مغيثو)، نجد مقابله التأثيلي والاشتقاقي في العبرية التوراتية متمثلاً في الجذر (עוּשׁ / ʿ-w-š) والذي يحمل دلالة الإسراع في تقديم العون ([4])

الغوث والصرخ في القرآن المكرم:

هناك ترابط قوي بين الغوث والصرخ في القرآن، لهذا كان يجب دراسة اللفظين معاً في مقال واحد، لأن فهم أحدهما يؤدي إلى فهم الآخر.

وسوف نكتشف من خلال هذا الطرح أن الغوث هو الغرض وهو المادة المطلوبة من الصراخ أو الاستغاثة. فالمستغيث والمستصرخ يسأل المطر "الغيث" أو يسأل النصرة أو يسأل النجاة وغيرها مما يطلبه في ساعة الخطر.

الدعاء وعلاقته بالاستغاثة:

﴿أَمَّن يُجِيبُ ٱلۡمُضۡطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكۡشِفُ ٱلسُّوٓءَ﴾ [النمل: 62].

﴿قُلۡ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَٰتِ ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ تَدۡعُونَهُۥ تَضَرُّعٗا وَخُفۡيَةٗ لَّئِنۡ أَنجَىٰنَا مِنۡ هَٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ﴾ [الأنعام: 63].

﴿وَٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَسۡتَطِيعُونَ نَصۡرَكُمۡ وَلَآ أَنفُسَهُمۡ يَنصُرُونَ﴾ [الأعراف: 197].

﴿فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلۡفُلۡكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّىٰهُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ إِذَا هُمۡ يُشۡرِكُونَ﴾ [العنكبوت: 65].

كما رأينا في الآيات السابقة يتبين أن فعل الدعاء والاستغاثة هنا واحد، وهو طلب المعونة، وقد شرحنا معنى الدعاء وقلنا هو الجذب، ومنها جذب رحمة الله وغوثه. أما لو قال استغاثة فهو يشير إلى نفس الشيء، ولكن يركز على مادة الاستغاثة نفسها؛ فإذا استغثنا عند الجفاف فنحن نطلب المطر، وإذا استغثنا عند الغرق فنحن نطلب النجاة، فالاستغاثة تحدد بالضبط ما هو مرادنا ومطلبنا، ولكن عند ذكر لفظة الدعاء بدلاً من الاستغاثة فهي تركز على المادة المطلوبة.

والنص الكريم إذا تحدث عن الاستغاثة فلا يكترث بطريقتها، فقد تكون بالهمس، أو بالإشارة، أو بالصراخ، أو النداء، فالقرآن إذا تحدث عن الاستغاثة فهو يركز على المادة المطلوبة "الغاية". وقد يكون الفعل الواحد استغاثة "طلب المادة" وصراخاً في نفس الوقت، أي وسيلتها الصراخ، وقد يكون بغير الصراخ.

الاستغاثة تركز على طلب المادة:

﴿إِذۡ تَسۡتَغِيثُونَ رَبَّكُمۡ فَٱسۡتَجَابَ لَكُمۡ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلۡفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ مُرۡدِفِينَ﴾ [الأنفال: 9].

﴿ثُمَّ يَأۡتِي مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ عَامٞ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ وَفِيهِ يَعۡصِرُونَ﴾ [يوسف: 49].

﴿وَإِن يَسۡتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٖ كَٱلۡمُهۡلِ يَشۡوِي ٱلۡوُجُوهَۚ﴾ [الكهف: 29].

﴿وَٱلَّذِي قَالَ لِوَٰلِدَيۡهِ أُفّٖ لَّكُمَآ أَتَعِدَانِنِيٓ أَنۡ أُخۡرَجَ وَقَدۡ خَلَتِ ٱلۡقُرُونُ مِن قَبۡلِي وَهُمَا يَسۡتَغِيثَانِ ٱللَّهَ وَيۡلَكَ ءَامِنۡ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ فَيَقُولُ مَا هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ﴾ [الأحقاف: 17].

إذا ذكرت الاستغاثة فيُذكر معها المادة المطلوبة، حتى في الآية الأخيرة وإن لم تُذكر الاستغاثة صراحة فهي متضمنة في النص، أي هم يطلبون من الله أن يهدي ولدهم.

الاستغاثة بقوي لا بضعيف:

﴿وَٱلَّذِي قَالَ لِوَٰلِدَيۡهِ أُفّٖ لَّكُمَآ أَتَعِدَانِنِيٓ أَنۡ أُخۡرَجَ وَقَدۡ خَلَتِ ٱلۡقُرُونُ مِن قَبۡلِي وَهُمَا يَسۡتَغِيثَانِ ٱللَّهَ وَيۡلَكَ ءَامِنۡ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ فَيَقُولُ مَا هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ﴾ [الأحقاف: 17].

يبدو أيضاً أن الاستغاثة مرتبطة بقادر قوي، فلهذا نجد أكثر ما تَرِد إلا في حق الله جل جلاله. وهذا قد يفسر لنا قصة موسى.

﴿إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥ عِلۡمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلۡغَيۡثَ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلۡأَرۡحَامِۖ وَمَا تَدۡرِي نَفۡسٞ مَّاذَا تَكۡسِبُ غَدٗاۖ وَمَا تَدۡرِي نَفۡسُۢ بِأَيِّ أَرۡضٖ تَمُوتُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرُۢ﴾ [لقمان: 34].

﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ ٱلۡغَيۡثَ مِنۢ بَعۡدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنشُرُ رَحۡمَتَهُۥۚ وَهُوَ ٱلۡوَلِيُّ ٱلۡحَمِيدُ﴾ [الشورى: 28].

﴿ٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا لَعِبٞ وَلَهۡوٞ وَزِينَةٞ وَتَفَاخُرُۢ بَيۡنَكُمۡ وَتَكَاثُرٞ فِي ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَوۡلَٰدِۖ كَمَثَلِ غَيۡثٍ أَعۡجَبَ ٱلۡكُفَّارَ نَبَاتُهُۥ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَىٰهُ مُصۡفَرّٗا ثُمَّ يَكُونُ حُطَٰمٗاۖ وَفِي ٱلۡءَاخِرَةِ عَذَابٞ شَدِيدٞ وَمَغۡفِرَةٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٞۚ وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ﴾ [الحديد: 20].

وبهذا نجد أن الاستغاثة تركز على المادة المطلوبة، وأن المغيث قادر وقوي على تلبية الإغاثة.

الصراخ في القرآن:

يبدو أن الصراخ هو أحد أنواع الاستغاثة، ولكنه استغاثة يطغى عليها الجهد الصوتي "الصراخ"، ويرتبط غالباً بمطلب وحيد وهو النجاة من الهلاك المحقق أو العذاب الشديد. فله ميزتان؛ أولاً: أنه يكون مصحوباً بجهد صوتي عالٍ، وثانياً: يغلب عليه أنه نداء أخير للنجاة من خطر ماحق يهدد الوجود.

قصة موسى مع المتشيع:

﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيۡنِ يَقۡتَتِلَانِ هَٰذَا مِن شِيعَتِهِۦ وَهَٰذَا مِنۡ عَدُوِّهِۦۖ فَٱسۡتَغَٰثَهُ ٱلَّذِي مِن شِيعَتِهِۦ عَلَى ٱلَّذِي مِنۡ عَدُوِّهِۦ فَوَكَزَهُۥ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيۡهِۖ قَالَ هَٰذَا مِنۡ عَمَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِۖ إِنَّهُۥ عَدُوّٞ مُّضِلّٞ مُّبِينٞ﴾ [القصص: 15].

﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَىٰ إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ﴾ [القصص: 18].

﴿فَلَمَّآ أَنۡ أَرَادَ أَن يَبۡطِشَ بِٱلَّذِي هُوَ عَدُوّٞ لَّهُمَا قَالَ يَٰمُوسَىٰٓ أَتُرِيدُ أَن تَقۡتُلَنِي كَمَا قَتَلۡتَ نَفۡسَۢا بِٱلۡأَمۡسِۖ إِن تُرِيدُ إِلَّآ أَن تَكُونَ جَبَّارٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلۡمُصۡلِحِينَ﴾ [القصص: 19].

كان المتشيع يقتتل مع عدو موسى، فاستغاثه قائلاً له: انصرني.

موسى بحكم تربيته العسكرية في بلاط فرعون، كان قادراً على الإضرار بالعدو، لهذا وكزه وقتله.

في المرة الثانية كان الرجل يستصرخ، لماذا؟

لأن الطرف الثاني أكثر قوة وقدرة من ذلك المتشيع، فلم يكن في حالة اقتتال ندٍّ لندٍّ كما في الاقتتال الأول، بل كان هلاك المتشيع واضحاً. لهذا كان المتشيع يستصرخ موسى ولا يستنصره.

صراخ أهل النار:

﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا﴾ [فاطر: 37].

﴿مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم: 22].

وهنا نقف وقفة تأمل وتصحيح لما ذهبت إليه المعاجم التي جعلت (مُصرخ) بمعنى (مُنقذ ومُغيث)، فهذا خلط وتخبط. فالصراخ لا يمكن أن يكون إنقاذاً بحد ذاته، بل هو مجرد أداة صوتية لطلب الإنقاذ. وفي النار، يُدرك الشيطان ويُدرك أتباعه تمام اليقين أنه لا قدرة لأحد منهم على إنقاذ الآخر، فمن العبث والسخف أن ينفي قدرته على الإنقاذ المادي لأنه أمر معلوم بالضرورة لهم جميعاً في تلك اللحظة.

بل المعنى الأعمق والأدق هنا؛ أن الشيطان يعلن شدة العداوة والكراهية والاحتقار، فهو يقول لهم ببساطة: لست بمستعد حتى لبذل أداة الطلب (الصراخ) من أجلكم، فلن أصرخ طالباً النجدة لكم، وأنتم كذلك لشدة كراهيتكم لي لن تصرخوا طالبين النجدة لي. فانتفى حتى مجرد بذل الجهد الصوتي لبعضهم البعض.

لا صريخ لهم:

﴿وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنقَذُونَ﴾ [يس: 43].

قد يكون المقصد أن الصريخ هم أنفسهم الغرقى، فالغرق أعجزهم عن إخراج الصوت، وقد يكون المقصد أنهم لبعدهم عن أنظار الناس فلا أحد يراهم فيستصرخ لهم لكي ينقذوهم، وإن كنت أرجح المعنى الأول، فلو كان هناك من يراهم من بعيد ويستصرخ لهم فلن يستطيع اللحاق بهم لكي ينقذهم. ولو كان المقصد لا صريخ لهم أنه لا أحد يصرخ لهم يطلب نجاتهم، لقدّم أولاً الإنقاذ ولا حتى صوت يصرخ لهم كي ينقذهم.

الخلاصة:

الغوث هو مادة الطلب وغايته، والمغيث هو الذي يقدم تلك المادة، والمستغيث هو الذي يطلبها، وقد يطلبها بالإشارة أو الدعاء الرقيق أو النداء.

فإن ترك كل هذه الأدوات وصرخ، فهو حينها يستغيث بالصراخ، وغايته وحيدة وهي النجاة من الخطر.

فالاستغاثة بشكل عام هي تقديم المساعدة بمادة يطلبها المستغيث، فإن كانت تلك المادة هي النجاة من الخطر فهي استغاثة من مستصرخ، فمن شدة الخطر يصرخ متعجلاً طلب النجدة.

هذا والله أعلم.



([1]) «معجم مقاييس اللغة» (4/ 400): «المعجم الاشتقاقي المؤصل» (3/ 1556): «المعجم الاشتقاقي المؤصل» (3/ 1558):

([2]) «معجم مقاييس اللغة» (3/ 348): «المعجم الاشتقاقي المؤصل» (3/ 1217):

([3]) «موسوعة التفسير المأثور» (17/ 57).

([4]) المراجع: (CAD, Vol. 16, p. 98) - (HALOT, Koehler & Baumgartner, Brill) - (M. Sokoloff, A Syriac Lexicon, p. 1301) - (J. Hoftijzer & K. Jongeling, Dictionary of the North-West Semitic Inscriptions, Brill).

ali
ali
تعليقات
    جاري استحضار النفحات القرآنية...