القول في القرآن المكرم
بقلم: علي موسى الزهراني
مقدمة
إن البحث في جذور ألفاظ القرآن العظيم
يتطلب تجرداً تاماً للوصول إلى الدلالة الأصلية الموحدة التي يطرد استخدامها في كل
الآيات دون تناقض. ومن أعظم الجذور التي طالها القصور في الفهم هو جذر (ق و ل).
لقد انحرفت الدلالة الشائعة لهذا الجذر لتجعله مرادفاً للصوت، واللفظ، والآلة
الفيزيائية (اللسان والحنجرة). ولكن الاستقراء الدقيق والمنطقي للنص القرآني يثبت
أن "القول" في جوهره يختلف تماماً عن ذلك.
تعريف القول في المعاجم العربية
"أصل صحيح. والقول من النطق.
والمِقول هو اللسان. ورجُل قُولةٌ أي كثير القول. والقول هو الكلام على الترتيب.
والقول هو اللفظ الموضوع لمعنى. والقال أو القلة هي الخشبة التي تضرب بها القلة.
وقد استعمل في الآراء مثل قولهم: 'فلان يقول بخلق القرآن'... ويقولون: 'قال بيده'
أي أشار بها" ([1])
نظرة اللغات السامية للجذر (ق و ل)
لقد نظرت اللغات السامية للنتيجة
الفيزيائية ولم تنظر للأصل. الأصل القديم للجذر كما احتفظت به العربية في القرآن
هو "المحتوى المصاغ"، لكن بقية اللغات السامية قصرت دلالته على النتيجة
النهائية وهي خروج هذا القول على شكل ألفاظ صوتية. ففي العبرية (קול - Qol) وفي الآرامية والسريانية (קלא/ܩܠܐ - Qala) يعني اللفظ حصراً: الصوت الفيزيائي
المسموع أو الضجة ([2])
العلة في اختلاط الأمر عند المعجميين
يتضح من استعراض المعاجم العربية أنها
وقعت في خلط جليّ حين جعلت "القول من النطق" وربطته باللسان واللفظ
الفيزيائي. العلة في هذا الاختلاط تعود إلى التلازم الظاهري السريع عند البشر بين
صياغة المحتوى في الداخل (القول) وطرده إلى الخارج (اللفظ). توهم المعجميون أن
النتيجة المادية المسموعة (اللفظ) هي ذاتها الأصل الداخلي المجرد (القول)، فدمجوا
بينهما. بينما القرآن يفرق بينهما بصرامة تامة تمنع الترادف.
لماذا مصطلح "المحتوى المصاغ"؟
لضبط هذا الجذر وحمايته من التناقض، يجب
أن ندرك أن التوصيف الأكاديمي الدقيق لحقيقة "القول" هو أنه "محتوى
مصاغ ومجرد". أي أنه المعنى، أو الغاية، أو الحكم الذي تمت هندسته
وترتيبه في الداخل ليكون تاماً ومستقلاً.
هذا المحتوى المصاغ هو كيان غير لغوي؛
فهو يسبق تشكيل الألفاظ ولا يعتمد عليها. ولتأكيد ذلك، يكفي أن ننظر إلى الإنسان
الأبكم الأصم؛ فهو يمتلك إدراكاً وعقلاً، ويقوم بصياغة قرارات ونيات (أقوال) تامة
ومكتملة داخل عقله دون أن يستخدم أي ألفاظ أو أصوات.
وقد اعتمدنا مصطلح "المصاغ"
بناءً على الأصل اللغوي لجذر (ص و غ)، حيث جاء في معجم المقاييس"صوغ: الصاد
والواو والغين أصل صحيح، وهو تهيئة شيء على مثال مستقيم. من ذلك قولهم: صاغ الحلى
يصوغه صوغا... ويقال للكذاب: صاغ الكذب صوغا، إذا اختلقه"([3]) . فالقول إذن هو تهيئة المعنى وتشكيله في الداخل.
شمولية القول لغير البشر (الدليل على
انتفاء اللفظ)
قبل استعراض رأي المعاجم ونقده، يجب أن
نحتكم إلى القرآن لنثبت أن "القول" لا يقتصر على البشر، وبالتالي لا
يمكن أن يكون هو "اللفظ" الذي يعتمد على الآلة العضوية كالحنجرة
واللسان. النص القرآني ينسب عملية "القول" لكيانات منزهة عن الآلة
الفيزيائية أو لا تملكها أصلاً:
- المولى جل جلاله: قوله نافذ بذاته كأمر تكويني، وهو منزه
عن الألفاظ البشرية العضوية.
- الملائكة: {وَإِذْ
قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ
قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا...} [البقرة: 30].
- الجن: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ
نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا} [الجن: 1].
- الجلود: {وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُُّمْ
عَلَيْنَا ۖ قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ} [فصلت: 21]. الجلد لا يمتلك أجهزة نطق،
ومع ذلك فقد "قال" بتقديم محتواه وسجله.
- السماوات والأرض: {ثُمَّ
اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ
ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا ۖ قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} [فصلت: 11]. السماء والأرض كيانان منزهان
عن آلة النطق العضوية، ومع ذلك صاغا محتوىً متماسكاً يعبر عن الخضوع المطلق،
مما يثبت تجرد القول عن الصوت.
الأدلة القرآنية على تجرد القول
النص القرآني يقدم أدلة صارمة ومتنوعة
تثبت أن "القول" كيان مستقل تماماً عن "اللفظ" والآلة
الميكانيكية، وتتوزع هذه الأدلة كما يلي:
أولاً: لأن القول ينفصل عن اللفظ والأداة
(استحالة الحشو)
- {مَّا يَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَيۡهِ
رَقِيبٌ عَتِيدٞ} [ق: 18]. اللفظ هو الآلية الفيزيائية للطرد. لو كان القول يعني اللفظ لصار المعنى: "ما يلفظ من لفظ"، وهذا حشو يتنزه عنه القرآن. الآية تثبت أن "اللفظ" هو الأداة، و"القول" هو المحتوى المطرود بها.
- {يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ
فِي قُلُوبِهِمْ} [الفتح: 11]. لو كان القول هو
"حركة اللسان" حصراً، لكانت إضافة (بألسنتهم) حشواً لغوياً. ولكن
إضافتها تؤكد أن القول (المحتوى) شيء، واللسان (أداة الإخراج) شيء آخر.
ثانياً: لأن القول مخفي في النفس وله
قدرة اختراقية
القرآن يثبت أن القول يتبلور في الداخل
وقد يبقى حبيساً في النفس، أو يُهندس ليخترق نفوس الآخرين:
- {وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلَا
يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ} [المجادلة: 8]. القول هنا حدث بالكامل داخل النفس ولم تتلفظ به
الألسنة.
- {يَسۡتَخۡفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَلَا
يَسۡتَخۡفُونَ مِنَ ٱللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمۡ إِذۡ يُبَيِّتُونَ مَا لَا
يَرۡضَىٰ مِنَ ٱلۡقَوۡلِۚ...}
[النساء: 108]. يستقر محتواهم المصاغ والمناقض في أدمغتهم وقلوبهم كقرارات
مبيتة، ومن غير المعقول تفسيرها بأنهم يهمسون بألفاظ ليلاً تخالف ألفاظ
الرسول.
- {فَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ
قَوْلًا بَلِيغًا} [النساء: 63]. القول هنا نُعت
بالبلاغة (القدرة على بلوغ الغاية)، والمطلوب هندسة هذا المحتوى ليخترق
ويستقر في أعمق نقطة في أنفسهم، مما يؤكد أن القول مرتبط بالتأثير الداخلي لا
بمجرد موجات صوتية.
ثالثاً: لأن القول يُنقل بالوحي
- {يُوحِي بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٖ زُخۡرُفَ ٱلۡقَوۡلِ
غُرُورٗاۚ} [الأنعام: 112]. استخدام "الوحي" في نقل (القول) يدلل قطعاً على أنه ليس ألفاظاً وأصواتاً مادية، لأن الوحي وسيلة خفية لا تعتمد على الصوت المسموع.
رابعاً: لأن القول يُقابل الجهر (ويتعارض
مع السر)
- {وَإِن تَجۡهَرۡ بِٱلۡقَوۡلِ فَإِنَّهُۥ
يَعۡلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخۡفَى}
[طه: 7].
- {لَّا يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلۡجَهۡرَ
بِٱلسُّوٓءِ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ إِلَّا مَن ظُلِمَۚ...} [النساء: 148].
القول في أصله هو فكرة ومحتوى مصاغ في
العقل. لو كان القول هو "الألفاظ المنطوقة"، لكانت إضافة كلمة
"الجهر" حشواً، لأن الألفاظ مجهورة وعلنية بطبيعتها. الآية تقابل بوضوح
بين "الجهر" (العلانية) و"السر" (الخفاء). هذا يثبت أن القول
بحد ذاته هو شيء خفي يُصاغ داخل العقل (سر)، فإذا أردت إعلانه للناس حولته إلى
ألفاظ مسموعة (جهر).
خامساً: لأن القرآن ينقل أقوال الأعاجم
بلسان عربي مبين
كيف ينقل القرآن أقوال أقوام كآدم ونوح
وفرعون وملكة سبأ، وكلهم قطعاً لم يكونوا يتلفظون باللغة العربية؟
- {قَالَا رَبَّنَا ظَلَمۡنَآ أَنفُسَنَا
وَإِن لَّمۡ تَغۡفِرۡ لَنَا وَتَرۡحَمۡنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ} [الأعراف: 23].
- {قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي
أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ...} [النمل: 29]. (ملكة سبأ كانت تتحدث السبئية).
القرآن لا ينقل تسجيلاً حرفياً وصوتياً
لألفاظ آدم وحواء أو بلقيس؛ فمن المستحيل المطابقة التامة في اللفظ (لأنهم لم
يتلفظوا بالعربية). ولكن النص القرآني ينقل "الفكرة والمحتوى المصاغ"
الذي دار في عقولهم كشعور بالذنب، أو دهشة وتوجيه للملأ. بما أن القول هو المعنى
المجرد وليس الحروف، فإن القرآن يعيد صياغة هذا المعنى المطابق بلسان عربي مبين
دون أي خلل تاريخي أو لغوي.
سادساً: لأن قول الله يشمل الأوامر
التكوينية والنصائح
قول الله منزه عن الألفاظ والحروف.
وعندما يخبرنا النص بـ (كن فيكون)، فهذا لا يعني أبداً أن الله ينطق بلفظة
"كن" الصوتية. بل الأمر يشبه أوامر الحاكم التكوينية: كأن يأمر بالطوفان
ليغرق قوم نوح وفرعون، أو إطلاق الصيحة على الأقوام المكذبة، أو أن يجعل أهل السبت
قردة. فيُنفذ الأمر التكويني من ساعته أو في وقته المناسب.
- {إِنَّمَآ أَمۡرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ
شَيۡـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ} [يس: 82].
- {وَأَمَّا مَنۡ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَلَهُۥ
جَزَآءً ٱلۡحُسۡنَىٰۖ وَسَنَقُولُ لَهُۥ مِنۡ أَمۡرِنَا يُسۡرٗا} [الكهف: 88]. أي سنأمر بأن تصبح حياته سهلة ويسيرة.
- {قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ
أَرْبَعِينَ سَنَةً ۛ} [المائدة: 26]، هذا أيضاً أمر،
أمرَ به الملائكة بأن يتيه هؤلاء أربعين سنة، فهو الأمر الذي نسميه "كن
فيكون".
وليس كل قول لله هو أمر تكويني، بل هناك
أقوال تأتي كنصائح، أو تشريعات.
سابعاً: لأن فقه الأقوال يعني فهم
المضمون لا الألفاظ
القول ليس ألفاظاً متراصة، بل في أصله
أفكار ومقاصد، تحملها الألفاظ.
- {قَالُواْ يَٰشُعَيۡبُ مَا نَفۡقَهُ كَثِيرٗا
مِّمَّا تَقُولُ} [هود: 91]. شعيب فصيح، ولكن محتواه صعب عليهم أو هكذا زعموا.
- {يَفۡقَهُواْ قَوۡلِي} [طه: 28]. موسى هنا يريد أن يقول إن
التأتأة التي يعاني منها تمنعه من التعبير الجيد، فهو يسأل الله أن يحل
العقدة لكي "يفهموا أفكاره ومراده" (قوله)، لأنه لا يستطيع التعبير
عنها بوضوح مثل هارون.
خاتمة
إن إعادة تحرير جذر (ق و ل) من قيود
المعاجم التراثية وإعادته إلى دلالته القرآنية الصارمة كـ "محتوى مصاغ
ومجرد" لا يمثل مجرد ترف فكري، بل هو ضرورة منهجية لفهم دقة النص الإلهي. لقد
أثبت الاستقراء للآيات أن القول يسبق اللفظ، وينفصل عنه، ويتجرد عن الآلة الصوتية.
هذا الفهم العميق يحل إشكاليات كبرى؛ ككيفية نطق الجمادات، وطبيعة أقوال الملائكة
والجن، وآلية نقل رسائل الأعاجم بلسان عربي مبين، ويفسّر بوضوح لا لبس فيه تنزّه
أوامر الله التكوينية القولية عن الألفاظ البشرية. إن القرآن العظيم هو الميزان
الأوحد، وكل جذر فيه يقف مستقلاً بدلالة واحدة حصرية لا تعرف الترادف ولا تقبل
الحشو.
هذا والله أعلم.
هل لديك نظرة أخرى
أطرحها هنا كي نستفيد من علمك