الكلم والكلمات والكلام في القرآن المكرم



الكلم والكلمات في القرآن المكرم

أوامرُ غليظةٌ تترك في النفس أثرها، لا أصواتٌ تخرج من الفم

مقدمة

طالما عانى العقل المسلم من الخلط بين المصطلحات القرآنية، حتى فرغت من دلالاتها المادية الدقيقة. ومن أعظمها الجذر (ك ل م)، الذي حصرته معاجم التراث في النطق وإخراج الأصوات، أو جعلته في منزلة جذرَي (ق و ل) و(ن ط ق).

والعربيّ الأوّل كان يدرك الصلة الحركية المادية بين القول الشديد والجرح والشقّ، وأشهر شاهدٍ على ذلك قول الشاعر:

جِراحاتُ السِّنانِ لها التئامٌ ... ولا يَلتامُ ما جرحَ اللسانُ

وفي هذا البحث نفكّك هذا الجذر لنبيّن الفرق بينه وبين غيره من الجذور، وكيف يتدرّج في الأهمية والشدّة والغلظة؛ فالقرآن يضع كلّ لفظةٍ في موضعها الذي لا يسدّ مسدَّها فيه غيرُها.

كلم في المعاجم

قال ابن فارس: «الكاف واللام والميم أصلان: أحدهما يدل على نطق مفهم، والآخر على جراح»، وذكر أنّهم «يتسعون فيسمون اللفظة الواحدة المفهمة كلمة، والقصة كلمة، والقصيدة بطولها كلمة»، وأنّ الأصل الآخر الجرح، «والكلام: الجراحات»، ثمّ قال في الكُلام بضمّ الكاف: «فأما الكلام، فيقال: هي أرض غليظة. وفي ذلك نظر»(١).

وقال الجوهري: «والكلم لا يكون أقل من ثلاث كلمات، لأنه جمع كلمة»، ومن معانيه عنده المحاورة: «وكالمته، إذا جاوبته»، ثمّ قال: «ويقال: كانا متصارمين فأصبحا يتكالمان»، وذكر الأصل الآخر: «والكلم: الجراحة، والجمع كلوم وكلام»(٢).

ولم يتوقّف صاحب «المعجم الاشتقاقي المؤصل» فيما توقّف فيه ابن فارس، فجعل من هذا الجذر «الأرض الغليظة أو الطين اليابس وكلاهما تماسك وتجمع»(٣).

ونحن لا نقول بأصلين لجذرٍ واحد، فالنطق الذي ذكره ابن فارس والجرح يجتمعان في الأثر البالغ الذي يتركه كلٌّ منهما. وهذا ما قرّره الراغب: «الكلم: التأثير المدرك بإحدى الحاستين، فالكلام: مدرك بحاسة السمع، والكلم: بحاسة البصر»، ثمّ قال: «ولاجتماعهما في ذلك قال الشاعر»(٤)، ونقله عنه ابن كمال باشا(٥)، فالكلمة تترك في النفس أثراً يُسمع، كما يترك السنان في الجسد أثراً يُرى.

الكتلة (كل)

ويعود الجذر إلى الكتلة (كل)، ومعناها عند صاحب المعجم الاشتقاقي: «تجمع الشيء كتلة دون حد أو طرف دقيق». ومن عيالها: الكَلْكَل، وهو صدر البعير والفرس، وهو مستدير؛ والكُلية من الآدميّ والحيوان؛ وتجمّع الحبّ في المكيال؛ والأكل، وهو طحن المأكول حتى يصير كتلةً ثمّ بلعه؛ والوَكَل، وهو الذي لا يتحرّك في أموره كأنّه كتلةٌ جامدة؛ والكلأ يُحشى به البطن؛ والكلب يتعلّق بالناس؛ والكلوح، وهو تقليص الشفتين وثني كلٍّ منهما على نفسها؛ والتكليف، وهو تحميل الشيء على المكلَّف؛ ثمّ الكُلام، وهو الأرض الغليظة أو الطين اليابس في (كلم)(٦). ونقول: وكلّ ذلك تجمّع.

أقوال المفسرين

لو اكتفينا بالمرور على تفسيرهم لقوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَٰتٖ فَتَابَ عَلَيۡهِۚ﴾ [البقرة: 37] لتبيّن لنا بُعدُهم عن معنى الكلمات، فقد أتوا بالعجائب، غفر الله لنا ولهم، فمن مرويّاتهم ما رواه التستري بسنده عن ابن عمر أنّ آدم سأل ربّه عن معصيته: «أشيء كتبته علي قبل أن تخلقني، أم شيء ابتدعته؟ قال: بل شيء كتبته عليك إنك ستفعله بترك العصمة مني قبل أن أخلقك بخمسين ألف عام»، ثمّ قال آدم: «فكما كتبته علي فاغفر لي»، وتلا دعاء الأعراف، وجعل التستري ذلك هو الكلمات(٧)، فآدم على هذه الرواية يطلب المغفرة محتجّاً بذنبٍ كُتب عليه قبل أن يُخلق.

وفي قولٍ آخر أنّ الكلمات ألفاظُ توبةٍ لقّنها الله آدم فقالها، فصارت عندهم دعاءً يصدر منه إلى ربّه. روى الطبري عن ابن عباس: «فإن آدم قال لربه إذ عصاه: رب، أرأيت إن تبت وأصلحت؟ فقال له ربه: إني راجعك إلى الجنة»(٨). وذهب أكثرهم إلى أنّها دعاء آدم وزوجه حين قالا: ﴿رَبَّنَا ظَلَمۡنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمۡ تَغۡفِرۡ لَنَا وَتَرۡحَمۡنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ﴾ [الأعراف: 23]

على أنّ الطبري جمع الأقوال كلّها على أنّ الله «لقى آدم كلمات تلقاهن آدم من ربه فقبلهن، وعمل بهن»(٩)، وقال ابن كمال باشا في معنى التلقّي: «استقبلها بالقبول والعمل، أو استقبلته بالبلوغ والوصول إليه»(١٠)، فكأنّهما اقتربا من حقيقة الآية، فالكلمات شيءٌ يُعمل به كما سنبيّن. وفي كلمات إبراهيم نقل صاحب المعجم الاشتقاقي عن «البحر المحيط»: «اختلف في الكلمات أهي أفعال كلفها أو أقوال فإن كانت أفعالا فهي تكون بأوامر قولية»(١١).

أمّا قوله تعالى في بشارة زكريا: ﴿يُبَشِّرُكَ بِيَحۡيَىٰ مُصَدِّقَۢا بِكَلِمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ [آل عمران: 39] فجعلوا الكلمة عيسى، ويحيى عندهم مصدّقٌ به. قال الطبري: «يعني: بعيسى ابن مريم»(١٢)، ورووا في فضله أنّه «كان أول رجل صدق عيسى»(١٣). والتصديق عندنا ليس الإيمان بنبيٍّ آخر، بل المطابقة كما سيأتي.

وقال أبو عبيدة في «بكلمة من الله»: «أي بكتاب من الله»(١٤)، فردّه الطبري بشدّة فقال: «جهلا منه بتأويل الكلمة، واجتراء على ترجمة القرآن برأيه»(١٥). وذكره ابن كمال باشا وجهاً ثانياً: «أو بكتاب الله تعالى»، وقدّم عليه أنّ عيسى «سمي بذلك لأنه وجد بأمر الله تعالى بلا أب»(١٦). وقول أبي عبيدة أقرب إلى الصواب ممّا ردّه به الطبري، فالكتاب أوامر وتوجيهات، وهذا عين الكلمة.

وفي نداء المشركين يوم القيامة في سورة القصص قال القرطبي إنّ الله «لا يكلم الكفار» بنصّ الآية، «لكنه تعالى يأمر من يوبخهم ويبكتهم، ويقيم الحجة عليهم في مقام الحساب»، ثمّ حكى قولاً آخر: «يحتمل أن يكون من الله»(١٧).

الدلالة المادية للجذر (ك ل م)

بعد هذه الأقوال يظهر في المعاجم أصلٌ ماديٌّ يدلّ على الشدّة والغلظة: الجرح، والأرض الغليظة، والطين اليابس. غير أنّ هذا الأصل ضاع في زحمة الخلط بين (كلم) و(قول) و(نطق).

ومنهجنا يردّ كلّ جذرٍ إلى حركته المادية وأثره الملموس، فـ(ك ل م) ليس إخراجاً للصوت، بل غلظةٌ وشدّةٌ وأثرٌ بالغ. وعلى هذا نضع لمشتقّاته أربعة حدود، ثمّ نعرضها على الآيات:

  1. الكَلِمة: أمرٌ أو توجيهٌ مفردٌ من طرفٍ واحد، غليظٌ شديد.
  1. الكَلِمات: أوامر وتوجيهات شديدة غليظة، منها ما يُفرض قهراً، ومنها ما يُترك لحرّية الآدميّ واختياره لغرض الابتلاء والاختبار، وهي التشريعات.
  1. الكلام والتكليم: حوارٌ متبادلٌ ثقيل بين آمرٍ ومنفّذ، أو رئيسٍ ومرؤوس، لإنجاز مهمّة، فيه أخذٌ وردٌّ لتقديم التماسٍ أو طلب استثناء، وهو في غاية الأهمية والشدّة.
  1. الكَلِم: ليس فيه أوامر مباشرة، بل هو التشريعات والأصول العظمى الثقيلة، التي يكرّرها المجتمع على الألسن والمسامع لأهمّيتها حتى يثبّتها في القلوب.

أولاً: الكلمة والكلمات، الأوامر الغليظة بين الجبر والاختيار

صدّيقٌ ومصدّق

نعت القرآن مريم بقوله: ﴿وَأُمُّهُۥ صِدِّيقَةٞۖ﴾ [المائدة: 75]، وذكر في موضعٍ آخر ما بلغت به هذه المنزلة: ﴿وَصَدَّقَتۡ بِكَلِمَٰتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِۦ وَكَانَتۡ مِنَ ٱلۡقَٰنِتِينَ﴾ [التحريم: 12]

والصدق المطابقة، فإذا جاء التصديق في نعت نبيٍّ فالمقصود أنّ سلوكه يطابق ما في الكتب المقدّسة، فلا يناقض فعلُه قولَه. وقد بلغ بعضهم في ذلك الغاية فصار صدّيقاً كمريم وإبراهيم وإدريس، أي صار سلوكه مطابقاً للأوامر الربّانية، وهي الكلمات.

يحيى مصدّقٌ بكلمةٍ من الله

ويحيى في الأناجيل توراةٌ تمشي على الأرض: يكرز في البرّية، ولباسه من وبر الإبل، وطعامه جرادٌ وعسلٌ برّيّ، ولا يشرب خمراً ولا مسكراً. وأمر جباة الضرائب ألّا يستوفوا أكثر ممّا فُرض لهم، والجنود ألّا يظلموا أحداً، ثمّ بلغت به الصرامة أن قال لهيرودس رئيس الربع إنّه لا يحلّ له أن يأخذ امرأة أخيه، فكان ذلك سبب سجنه ثمّ قتله(١٨).

ومعنى مصدّقاً أنّه مطابقٌ للكلمة التي وجّهه الله بها: ﴿يَٰيَحۡيَىٰ خُذِ ٱلۡكِتَٰبَ بِقُوَّةٖۖ﴾ [مريم: 12]، والكلمة هنا الأمر الشديد الذي لا يقوم به إلا أولو العزم. وبالمعنى نفسه كان الأنبياء مصدّقين لما بين أيديهم من الكتب، أي يطبّقون أوامرها بحذافيرها.

عيسى كلمة الله

وفي الردّ على من غلا في المسيح قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمَسِيحُ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُۥٓ أَلۡقَىٰهَآ إِلَىٰ مَرۡيَمَ وَرُوحٞ مِّنۡهُۖ﴾ [النساء: 171]

وعيسى في ذاته وتكوينه كلمة، وهذا ينسف الإشكالية التاريخية التي جعلت بعضهم يعتقد أنّ عيسى هو النطق الإلهي المباشر، فعيسى ليس لفظاً نطق الله به، بل أمرٌ إلهيٌّ عظيمٌ شديدٌ لا مثيل له، أُلقي إلى مريم فتكوّن بلا أب، ثمّ نُفخ فيه من الروح، فكان كائناً يحيي الموتى ويبرئ المرضى بإذن الله، فالكلمة هنا صرامة الأمر التكويني وعظمته.

كلمةٌ تمنّت مريم الموت دونها

وتعرّضت مريم لهذه الكلمة الغليظة، وهي الأمر بأن يتكوّن عيسى في بطنها، فاشتدّت عليها حتى تمنّت الموت لعلمها بردّة فعل قومها: ﴿قَالَتۡ يَٰلَيۡتَنِي مِتُّ قَبۡلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسۡيٗا مَّنسِيّٗا﴾ [مريم: 23]

كلمة الكفر وكلمة ربّك

ونعت القرآن قول المنافقين بأنّه كلمة: ﴿وَلَقَدۡ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلۡكُفۡرِ﴾ [التوبة: 74]، لأنّه شديدٌ جدّاً على النفس وفيه خسّةٌ وغدر. أمّا الكلمة التي حقّت على الكافرين: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتۡ عَلَيۡهِمۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ﴾ [يونس: 96] فأمرٌ وقانونٌ شديدٌ غليظٌ وضعه الله، مفروضٌ قهراً، وهو الختم والطبع على قلب الكافر.

كلمة العذاب

ووعدُ الله بملء جهنّم قانونٌ حتميٌّ شديد: ﴿وَتَمَّتۡ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ﴾ [هود: 119]، فمن صدر الحكم بإدخاله النار فقد حقّت عليه: ﴿وَلَٰكِنۡ حَقَّتۡ كَلِمَةُ ٱلۡعَذَابِ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [الزمر: 71]، وهي أمرٌ قهريٌّ غليظٌ أيّما غلظة.

كلمةٌ طيّبة وكلمةٌ خبيثة

وضرب الله مثلاً: ﴿أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا كَلِمَةٗ طَيِّبَةٗ كَشَجَرَةٖ طَيِّبَةٍ أَصۡلُهَا ثَابِتٞ وَفَرۡعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ﴾ [إبراهيم: 24]، فالكلمة الطيّبة غليظةٌ شديدة، لكنّها ليّنةٌ مطاوعةٌ مفيدة، وأصلها ثابتٌ لا يقدر أحدٌ على انتزاعه. أمّا الخبيثة فغليظةٌ شديدة أيضاً، لكنّها تعطّل وتضرّ، فيسرع المزارع إلى نزعها بقوّة: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٖ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ٱجۡتُثَّتۡ مِن فَوۡقِ ٱلۡأَرۡضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٖ﴾ [إبراهيم: 26]

والكلمة الطيّبة في هذا السياق دعوة الأنبياء المصلحين، وهي غليظةٌ على نفوس الكفّار، حتى ضاقوا بها فهدّدوا رسلهم: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمۡ لَنُخۡرِجَنَّكُم مِّنۡ أَرۡضِنَآ أَوۡ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَاۖ﴾ [إبراهيم: 13]

كبُرت كلمة

وأنذر القرآن ﴿وَيُنذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدٗا﴾ [الكهف: 4]، ثمّ نعت قولهم: ﴿كَبُرَتۡ كَلِمَةٗ تَخۡرُجُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡۚ﴾ [الكهف: 5]، فهو قولٌ غليظٌ شديد الضلال.

ويطلب الكافر العودة إلى الحياة حين يحضره الموت: ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلۡمَوۡتُ قَالَ رَبِّ ٱرۡجِعُونِ﴾ [المؤمنون: 99]، ويعلّل طلبه فيأتيه الجواب: ﴿لَعَلِّيٓ أَعۡمَلُ صَٰلِحٗا فِيمَا تَرَكۡتُۚ كَلَّآۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَاۖ﴾ [المؤمنون: 100]، فطلبه كلمة لأنّه قولٌ غليظٌ يخالف الأوامر والقوانين الموضوعة.

كلمة التقوى

وقال تعالى في المؤمنين يوم الحديبية: ﴿وَأَلۡزَمَهُمۡ كَلِمَةَ ٱلتَّقۡوَىٰ﴾ [الفتح: 26]، والتقوى امتناعٌ عن فعل الشرّ ووقوفٌ عند حدود الله، وهي في أكثرها غليظةٌ شديدةٌ على البشر الباحثين عن الملذّات، ولهذا جُعلت كلمة.

الكلمات بين التخيير والابتلاء: آدم وإبراهيم

هنا تتجلّى الأوامر التي تُركت لحرّية الآدميّ واختياره، وقد جمع القرآن آدم وإبراهيم في لفظٍ واحد، ثمّ فرّق بينهما في الخاتمة: فأمّا إبراهيم ﴿وَإِذِ ٱبۡتَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ رَبُّهُۥ بِكَلِمَٰتٖ فَأَتَمَّهُنَّۖ﴾ [البقرة: 124] فنفّذ الأوامر باختياره بتمامها فاستحقّ الإمامة، وأمّا آدم ﴿فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَٰتٖ فَتَابَ عَلَيۡهِۚ﴾ [البقرة: 37] فتلقّى أوامر غليظة وحرص على تطبيقها، ولم يُتمّها كلّها، فاجتباه الله وتاب عليه، أي قطعه عنها.

وجعل الطبري معنى «فتاب عليه»: «رزقه التوبة من خطيئته. والتوبة معناها الإنابة إلى الله جل ثناؤه، والأوبة إلى طاعته»(١٩)، فسوّى بين التوب والأوب، ولا ترادف في القرآن: فالأوب عودةٌ إلى المنزل، والتوب شيءٌ آخر.

والتوبة هنا ليست المغفرة، بل القطع: تاب الله على آدم أي قطعه عن إتمام الكلمات التي كُلّف بها.

و«تاب على» قطعٌ قويٌّ حاسم، كما تقطع السكّين الكعكة بقوّة. وفي سورة طه جاء الاجتباء قبل التوبة، فبعد قوله: ﴿وَعَصَىٰٓ ءَادَمُ رَبَّهُۥ فَغَوَىٰ﴾ [طه: 121] قال: ﴿ثُمَّ ٱجۡتَبَٰهُ رَبُّهُۥ فَتَابَ عَلَيۡهِ وَهَدَىٰ﴾ [طه: 122]، فاصطفاه الله أوّلاً، ثمّ قطعه من فوق، ثمّ هداه. وفي هذا تكريمٌ لآدم لا حكمٌ عليه بالضعف.

ويشهد للقطع ما جاء بعد التوبة مباشرة: ﴿قُلۡنَا ٱهۡبِطُواْ مِنۡهَا جَمِيعٗاۖ﴾ [البقرة: 38]، فلو كانت التوبة مغفرةً لكان الإخراج من الجنّة بعدها عجباً، أمّا وهي قطعٌ فالهبوط ثمرتها: انقطع عمله في الجنّة قبل تمامه فأُنزل، فإبراهيم أتمّ الكلمات فصار إماماً، وآدم لم يُتمّها فتاب الله عليه.

كلمة سواء وكلمة الفصل وكلمة باقية

ودعا الرسول أهلَ الكتاب: ﴿قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ كَلِمَةٖ سَوَآءِۭ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمۡ أَلَّا نَعۡبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ﴾ [آل عمران: 64]، وهو أمرٌ شديد لا يحبّونه.

وأُخّر الحكم بين المختلفين: ﴿وَلَوۡلَا كَلِمَةُ ٱلۡفَصۡلِ لَقُضِيَ بَيۡنَهُمۡۗ﴾ [الشورى: 21]، فكلمة الفصل قانونٌ وأمرٌ غليظٌ حتميّ يحمي الحرّيات الفكرية، ويجعل الحساب يوم القيامة.

وترك إبراهيم في عقبه ما لا يزول: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةَۢ بَاقِيَةٗ فِي عَقِبِهِۦ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ﴾ [الزخرف: 28]، وهي العقيدة والوصايا التي أصرّ أن تتوارثها الأجيال، لعلّ التصحيح يقع بها كلّما انحرفوا.

نصر الله من كلماته

وواسى الله رسوله بمن سبقه من الرسل، فقد صبروا على التكذيب والأذى ﴿حَتَّىٰٓ أَتَىٰهُمۡ نَصۡرُنَاۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِ ٱللَّهِۚ﴾ [الأنعام: 34]، فنصر الرسل من أوامر الله الصارمة الغليظة التي لا تُبدَّل. وقال في بني إسرائيل بعد صبرهم على فرعون: ﴿وَتَمَّتۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ ٱلۡحُسۡنَىٰ عَلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ بِمَا صَبَرُواْۖ﴾ [الأعراف: 137]، فسمّى النصر تمامَ الكلمة، لأنّ التمام يحتاج إلى وقتٍ يعالج فيه الواقع.

البحر وكلمات الله

وأُمر الرسول أن يقول: ﴿قُل لَّوۡ كَانَ ٱلۡبَحۡرُ مِدَادٗا لِّكَلِمَٰتِ رَبِّي لَنَفِدَ ٱلۡبَحۡرُ قَبۡلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَٰتُ رَبِّي﴾ [الكهف: 109]، فكلمات الله أوامره وقوانينه الحتمية في الخلق وإدارة الأرزاق والعطاء، ولهذا لا تنفد.

ثانياً: الكلام والتكليم، الحوار الثقيل المتبادل

موسى الكليم

واختصّ الله موسى بقوله: ﴿وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكۡلِيمٗا﴾ [النساء: 164]، والكلام حوارٌ بين آمرٍ ومنفّذ للوصول إلى المراد، والمراد هنا الذهاب إلى فرعون. وقد تكلّم موسى عن ضعف لسانه، وطلب أن يشركه هارون في المسؤولية: ﴿وَأَخِي هَٰرُونُ هُوَ أَفۡصَحُ مِنِّي لِسَانٗا فَأَرۡسِلۡهُ مَعِيَ رِدۡءٗا يُصَدِّقُنِيٓۖ﴾ [القصص: 34]

وكان الكلام مباشراً لضرورة العجلة، فقدّم موسى التماساته لإتمام المهمّة، وجاءه الردّ في لحظتها.

زكريا وعيسى

وطلب زكريا آيةً على البشارة، فقيل له: ﴿ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَٰثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمۡزٗاۗ﴾ [آل عمران: 41]، وكان زكريا يلقي المواعظ، وهي أقوالٌ شديدة على النفوس، فمُنع منها ثلاثة أيام.

وبُشّرت مريم بأنّ عيسى ﴿وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلۡمَهۡدِ وَكَهۡلٗا﴾ [آل عمران: 46]، ليعظهم ويرشدهم بحوارٍ ثقيل.

حتى يسمع كلام الله

وأمر الله رسوله في المشرك المستجير: ﴿وَإِنۡ أَحَدٞ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٱسۡتَجَارَكَ فَأَجِرۡهُ حَتَّىٰ يَسۡمَعَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبۡلِغۡهُ مَأۡمَنَهُۥۚ﴾ [التوبة: 6]، فالمشرك يسمع كلام الله عن طريق الرسول النائب، الذي يعرض عليه التشريعات التي تحدّ من فوضويته، وقد يطلب المشرك وقتاً فيحاوره الرسول. ومثله المؤمنون الذين كان لهم كلامٌ مع الله عن طريق الرسول لمراعاة ظروفهم.

لا يكلّمهم الله

وتوعّد الله الذين يكتمون ما أنزل: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمۡ﴾ [البقرة: 174]، فانقطاع الحوار والأخذ والردّ مع الكفّار إغلاقٌ لباب المغفرة.

وقد أسكت الله القرين وصاحبه، ومنع فتح أيّ حوار: ﴿قَالَ لَا تَخۡتَصِمُواْ لَدَيَّ وَقَدۡ قَدَّمۡتُ إِلَيۡكُم بِٱلۡوَعِيدِ﴾ [ق: 28]، وهذا يثبت أنّ الحساب وتكليم بقيّة الخلق فرصةٌ للمغفرة.

وكلّمهم الموتى

وطلب الكفّار معجزةً مادية، فقال تعالى: ﴿وَلَوۡ أَنَّنَا نَزَّلۡنَآ إِلَيۡهِمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلۡمَوۡتَىٰ﴾ [الأنعام: 111]، فهم يريدون أخذاً وردّاً مطوّلاً مع الموتى، لا أصواتاً تنقطع.

لا يتكلّمون إلا من أذن له

وفي المشهد العظيم: ﴿يَوۡمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ صَفّٗاۖ لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنۡ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَقَالَ صَوَابٗا﴾ [النبأ: 38]، ففي ذلك اليوم تُنزع من الجميع سلطة إصدار الكلام والكلمات، وهي الأوامر الغليظة، ولا يُؤذن لهم إلا بالقول الصواب.

ثالثاً: الكَلِم، التشريعات العظمى والأصول الثقيلة

يحرّفون الكلم عن مواضعه

وعاب القرآن على طائفةٍ: ﴿مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ﴾ [النساء: 46]، وجعل ابن فارس الكلم في هذه الآية جمع الكلمة، أي اللفظة المفهمة(٢٠). والكلم عندنا التشريعات العظمى والأصول الثقيلة التي يكرّرها المجتمع، كالوصايا العشر: عدم الشرك، وبرّ الوالدين، وعدم الزنا.

وهم لا يحرّفون معاني المفردات، فالعامّة لن تقبل ذلك، بل يحرّفون مواضع هذه التشريعات الثقيلة، فيزيحونها عن صدارتها ومكانتها المركزية ويجعلونها ثانوية، ويرفعون مكانها الشكليّات والطقوس، فيجعلونها أمّ الدين وأصوله.

يصعد الكلم الطيّب

وقال تعالى في العزّة: ﴿إِلَيۡهِ يَصۡعَدُ ٱلۡكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلۡعَمَلُ ٱلصَّٰلِحُ يَرۡفَعُهُۥۚ﴾ [فاطر: 10]، والطيّب اللين المطاوع المفيد، والخبيث ما يعطّل ويضرّ، فالكلم الطيّب ليس ألفاظاً خفيفة، بل أعظم التشريعات والتدخّلات الغليظة الثقيلة التي تُكسر بها الفتن وحالة التشنّج في المجتمع.

وكان مجتمع المدينة متشنّجاً متخشّباً في عداءٍ هائل، وتلك حالة التعطيل والضرر، فجاء الكلم الطيّب، وهو تشريعات التآخي ونبذ القبلية، صدمةً ثقيلةً كسرت هذا التخشّب، فصاروا كما قال تعالى: ﴿فَأَصۡبَحۡتُم بِنِعۡمَتِهِۦٓ إِخۡوَٰنٗا﴾ [آل عمران: 103]، متطاوعين باذلين.

وهذا الكلم الثقيل يملك طاقة الصعود لعظمته، لكنّه احتاج إلى العمل الصالح، وهو التطبيق الفعليّ ببذل الصدقات ومحاربة الجاهلية والعصبية، ليكون مصداقه.

خاتمة

بعد هذا التطواف في آيات القرآن الكريم نجزم بأنّ الكلمة والكلمات والكلم أوامر غليظةٌ شديدة، وهي نوعان: أوامر توجيهية متروكةٌ للآدميّ يفعلها أو يهملها، وهي التشريعات والوصايا؛ وأوامر نافذةٌ تكوينيةٌ غليظةٌ صارمة، تتمثّل في خلقٍ عجيب أو قانونٍ خالد.

أمّا الكلم فليس فيه إلا الأوامر التوجيهية، وهو أشدّ غلظةً من الكلمات وأكثر تكراراً على المسامع والألسن لأهمّيته القصوى، فهو أساس بناء المجتمع، وبعده الدمار.

وأمّا الكلام فحوارٌ بين رئيسٍ ومرؤوس، ليس جدلاً ولا خصومة، بل تسليمٌ بالأمر، غير أنّ المرؤوس يستعطف ويطلب المهلة أو التخفيف أو تحسين الوضع، لأنّ الرئيس قد وجّهه إلى مهمّة أو تنفيذ أمر.

ومن تلقّى الكلمات فأتمّها صار إماماً كإبراهيم، ومن تلقّاها ولم يُتمّها اجتباه الله فتاب عليه، أي قطعه عنها، كما كان من شأن آدم.

هذا والله أعلم

(١)ابن فارس، «مقاييس اللغة»، ت عبد السلام هارون، جـ5 ص131. ↩
(٢)الجوهري، «الصحاح»، ت أحمد عبد الغفور عطار، جـ5 ص2023. ↩
(٣)محمد حسن جبل، «المعجم الاشتقاقي المؤصل»، جـ4 ص1923. ↩
(٤)الراغب الأصفهاني، «المفردات في غريب القرآن»، ت صفوان عدنان الداودي، ص722. ↩
(٥)ابن كمال باشا، «تفسير ابن كمال باشا»، ت ماهر أديب حبوش، جـ1 ص155. ↩
(٦)محمد حسن جبل، «المعجم الاشتقاقي المؤصل»، جـ4 ص1923. ↩
(٧)التستري، «تفسير التستري»، ص29. ↩
(٨)الطبري، «جامع البيان»، ت عبد الله التركي، جـ1 ص581. ↩
(٩)الطبري، «جامع البيان»، جـ1 ص586. ↩
(١٠)ابن كمال باشا، «تفسير ابن كمال باشا»، جـ1 ص155. ↩
(١١)محمد حسن جبل، «المعجم الاشتقاقي المؤصل»، جـ4 ص1923. ↩
(١٢)الطبري، «جامع البيان»، جـ5 ص370. ↩
(١٣)الطبري، «جامع البيان»، جـ5 ص372. ↩
(١٤)أبو عبيدة، «مجاز القرآن»، ت محمد فؤاد سزگين، جـ1 ص91. ↩
(١٥)الطبري، «جامع البيان»، جـ5 ص374. ↩
(١٦)ابن كمال باشا، «تفسير ابن كمال باشا»، جـ2 ص285. ↩
(١٧)القرطبي، «الجامع لأحكام القرآن»، ت أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، جـ13 ص309. ↩
(١٨)إنجيل متى 3: 1-4، وإنجيل لوقا 1: 15 و3: 12-14، وإنجيل متى 14: 1-10. ↩
(١٩)الطبري، «جامع البيان»، جـ1 ص587. ↩
(٢٠)ابن فارس، «مقاييس اللغة»، جـ5 ص131. ↩

التعليقات (0)