أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

الكلم والكلمات والكلام في القرآن المكرم

 


الكلم والكلمات والكلام في القرآن المكرم

بقلم: علي موسى الزهراني



مقدمة

طالما عانى العقل المسلم من إشكالية الخلط بين المصطلحات القرآنية، مما أدى إلى إفراغها من دلالاتها المادية الدقيقة. ومن أعظم هذه المصطلحات الجذر (ك ل م) الذي حصرته قواميس التراث في مجرد "إخراج الحروف والأصوات" أو جعلته مطابقاً لجذر (ق و ل) وجذر (ن ط ق).

ولو عدنا للسان العربي الأصيل، لوجدنا أن العقل العربي الأول كان يدرك تماماً الترابط الحركي والمادي بين (القول الشديد) وبين (الجرح والشق)، وأشهر شاهد على ذلك قول الشاعر:

جِراحاتُ السِنانِ لَها اِلتِئامٌ ... وَلا يَلتامُ ما جَرّحَ اللِسانُ

في هذا البحث، سنفكك هذا الجذر لنبين الفرق الحركي والمادي بينه وبين غيره من الجذور، وكيف يتدرج في الأهمية والشدة والغلظة، معتمدين على أن القرآن الكريم يضع كل لفظة في موضعها الذي لا يسد مسده شيء.

كلم في المعاجم:

أصلان أحدهما يدل على نطق مُفهم والآخر على جراح. وقيل الكلام هي الأرض الغليظة والطين اليابس. والكلمُ لا يكون أقل من ثلاث كلمات لأنه جمع كلمة. والقصيدة تطلق عليها الكلمة. والكليم هو الذي يُكلمك. وكالمته أي جاوبته. وكانا متصارمين فأصبحا يتكالمان. والكلم هو الجراحة وجمعها كلوم وكلام. والتكليم التجريح وكلمته أي جرحته ([1])

الجذر الثنائي "كل":

يعود الجذر كلم إلى الجذر الثنائي كل، وكل يعني تجمع الشيء كتلة دون حد أو طرف دقيق. ففي كلل ومنه الكلكل هو صدر البعير والفرس وهو مستدير. وفي كلو مثل كلية الإنسان أو الحيوان. وفي كيل مثل تجمع الحب في المكيال. وفي أكل أي طحن الحبوب حتى تصير كتلة ثم تُبلع. وفي وكل الذي لا يتحرك في أموره فهو كتلة جامدة. وفي كلأ وهو حشو البطن بالعلف. وفي كلب وهو تعلق وجمع الكلاب مع البشر وغيرهم. وفي كلح وهو تقلص الشفتين وثنيهما على بعضهما. وفي كلف وهو تحميل الشيء وتكليفه بمهمة فهو نوع من الجمع. وفي كلم وهو الأرض الغليظة والطين اليابس وكلاهما تجمع. ([2])

كلم في اللغات السامية:

في اللغة العبرية، المعنى المعتمد لهذا الفعل بصيغتيه (nifal و hifil) هو "أن يُخْزَى، أو يُخْزِي ويُهين" على التوالي، بينما في العربية (كَلَمَ) تعني "يتحدث" وأيضاً "يجرح". وفي الأكادية فإن كلمة (kullumu) تعني "أن يُري، أو يَكشف ويُظهر". والتمييز الصحيح من وجهة نظر الدلالة الاشتقاقية هو افتراض وجود جذرين ساميين مستقلين:

أ) (klm) بمعنى "يتحدث، يُظهر".

ب) (klm) بمعنى "يُصيب (يجرح، يُهين)" ([3])

رأي المفسرين في الكلم:

لو اكتفينا بالمرور على تفسيرهم لآية "فتلقى آدم" لتبين لنا بعدهم الكبير عن معنى الكلمة، فقد أتوا بالعجائب – غفر الله لهم ولنا – ففي أحد المرويات أن آدم يناجي ربه أن تلك المعصية لم تكن بإرادته، بل هو مغصوب عليها وهي مكتوبة من آلاف السنين، ولأجل هذا يسأل آدم أن يغفر الله له ذنبه الذي لا ذنب له فيه. ([4])

وفي رأي آخر يرون أن الكلمات هي كلمات التوبة، العجيب أن الآية تقول إن الكلمات أرسلها الخالق لآدم فجعلوها صادرة منه إلى الله «فإن آدم قال لربه إذ عصاه: رب، أرأيت إن تبت وأصلحت؟ فقال له ربه: إني راجعك إلى الجنة.» ([5]) وأشاروا إلى آية: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} وقالوا هي الكلمات التي صدرت من آدم وليس من الله. وهناك مرويات أخرى نكتفي بهذا القدر.

وهناك من لمح إلى أن المقصد أن آدم هو من تلقى الكلمات وقال بهن وعمل بهن، أي أن آدم قال بتلك الآية كدعاء لربه. ويقول أحدهم في شرح تلّقى "استقبلها بالقبول والعمل، أو استقبلته بالبلوغ والوصول إليه"([6]) فكأن هذا المفسر قد أدرك حقيقة الآية، كما سوف نشرحها لاحقاً.

أما في كلام الله مع الكفار يوم القيامة، فهو لا يكلمهم كلام رحمة، بل كلام سخط ومؤاخذة بلسان الملائكة كما يرى أحد المفسرين

أما الكلمة فقد فسروا آية "مصدقا بكلمة من الله" أن المقصد هو تصديق النبي يحيى بالنبي عيسى لأنه كلمة الله، ولا أدري ما الميزة في ذلك؟ وكيف لنبي عظيم مثل يحيى يكذب نبياً آخر، وكيف تصورت عقولهم ذلك. على أن أحدهم نقل كلاماً مفيداً لكن دون أي اهتمام بالغ: «وقال أبو عبيدة: المراد بالكلمة هنا، الكتاب أو الوحي.» ونكتفي بهذه النقولات لعدم تضييع وقت القارئ. ([7])

 

الدلالات المادية والحركية للجذر (ك ل م)

بعد استعراض أقوال المعاجم والمفسرين، نلاحظ أن هناك تلميحات واضحة للأصل المادي الذي يدل على الشدة والغلظة (كالجرح والأرض الغليظة والطين اليابس)، لكن هذا الأصل ضاع وتلاشى في زحمة الخلط بين (كلم) و(قول) و(نطق).

وبناءً على منهجيتنا التي تُرجع كل جذر إلى حركته المادية وأثره الملموس، فإننا سنطرح هنا "افتراضات منهجية" محددة لدلالات هذا الجذر وتفرعاته. تنطلق هذه الافتراضات من قاعدة أن (ك ل م) ليس مجرد إخراج للصوت، بل هو مؤشر حركي على "الغلظة، والشدة، وإحداث الأثر البالغ".

وسنضع هذه الافتراضات الأربعة التالية على طاولة الاختبار، لنطبقها على الآيات القرآنية في المحور القادم، ونرى هل ستصمد وتفسر لنا المشاهد بدقة وإحكام؟

1. الكَلِمَة: أمر أو توجيه مفرد من طرف واحد، وهو غليظ وشديد.

2. الكَلِمَات: هي أوامر وتوجيهات شديدة وغليظة. قد تكون مفروضة قهرياً على الإنسان، وقد تكون أوامر متروكة لحريته واختياره (لغرض الابتلاء والاختبار) أي التشريعات.

3. الكَلَام (يُكلِّم / تكلَّم): هو الحوار المتبادل الثقيل بين آمر ومنفذ (أو رئيس ومرؤوس) لإنجاز مهمة، وفيه أخذ ورد لتقديم التماس أو إضافة استثناءات. وهو حوار دائماً يكون في غاية الأهمية والشدة.

4. الكَلِم: ليس فيه أوامر مباشرة، بل هو "التشريعات" والأصول العظمى الثقيلة، التي لأهميتها يكررها المجتمع على الألسن والمسامع حتى يكرسها ويثبتها في القلوب.


التطبيقات القرآنية ومدى تطابقها مع دلالة "ك ل م"

أولاً: الكلمة والكلمات (الأوامر الغليظة بين الجبر والاختيار)

مصدق وصديق بكلمة الله:

{وَأُمُّهُۥ صِدِّيقَةٞۖ} [المائدة: 75].

{وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَٰتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَٰنِتِينَ} [التحريم: 12].

الصدق هو المطابقة للواقع، فإذا جاء التصديق ليحكي عن صدق النبي، فإنه يقصد مطابقة سلوكه مع ما في الكتب المقدسة، فهو لا يناقض قوله فعله. بل بلغ بعضهم حد الكمال المطلق، فصار صدّيقاً كمريم وإبراهيم وإدريس، أي صار سلوكهم مطابقاً للأوامر الربانية (الكلمات).

يحيى مصدق للأوامر (بكلمة من الله):

حسب المصادر الكتابية، فإن النبي يحيى كان توراةً يمشي على الأرض. صارماً في حياة التقشف ومتفرغاً لخدمة الدين. رفض طعام المدن واكتفى بالجراد والعسل البري. تصادم مع القيادات الدينية، وأمر جباة الضرائب بعدم جباية الأموال الزائدة، والعسكر بعدم الابتزاز. بل بلغت سطوته أن وبخ رأس السلطة الرومانية مما أدى لمقتله.

فمصدقاً أي كان مطابقاً للكلمة التي وجهه الله بها: {يَٰيَحۡيَىٰ خُذِ ٱلۡكِتَٰبَ بِقُوَّةٖۖ} [مريم: 12]. والشاهد هنا أن الكلمة هي الأوامر والتوجيهات الشديدة التي لا يقوم بها إلا أولو العزم من الرسل. وبنفس المعنى، الأنبياء مصدقون لما بين أيديهم من الكتب أي يطبقون أوامرها بحذافيرها.

عيسى كلمة الله (الأمر الشديد الذي لا مثيل له):

{إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ} [النساء: 171].

عيسى عليه السلام في ذاته وتكوينه هو "كلمة". وهذا ينسف تماماً الإشكالية التاريخية العميقة التي جعلت البعض يعتقد أن عيسى هو النطق الإلهي المباشر. عيسى ليس كلمة بمعنى لفظ نطق الله به، بل هو أمر إلهي عظيم وشديد ولا مثيل له. لقد أُلقي هذا "الأمر الغليظ" إلى مريم ليُخلق بلا أب، ثم يُنفخ فيه من روح القدس، فكانت نتيجة هذا الأمر المباشر والشديد أن أصبح كائناً قادراً على الإحياء والإشفاء. الكلمة هنا هي صرامة الأمر التكويني وعظمته.

الكلمة غليظة وشديدة:

مريم تعرضت لكلمة غليظة وشديدة حتى تمنت الموت بسببها، أي الأمر بأن يتكون عيسى: {وَكَلِمَتُهُ أَلْقَىٰهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ} [النساء: 171]. فتمنت الموت من شدتها وعلمها بردة فعل قومها: {قَالَتۡ يَٰلَيۡتَنِي مِتُّ قَبۡلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسۡيٗا مَّنسِيّٗا} [مريم: 23].

كلمة الكفر وكلمة الضلال:

{وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ} [التوبة: 74]. نعت القرآن هذا القول بأنه كلمة، لأنه شديد جداً على النفس وفيه خسة وغدر. أما كلمة الضلال: {إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ} [يونس: 96]، فهو أمر وقانون شديد وغليظ وضعه المولى مفروض قهرياً وهو الختم والطبع على قلب الكافر.

كلمة العذاب وكلمة لجهنم:

{وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ} [هود: 119]. وعد المولى قانون حتمي وشديد وغليظ. ومن تم إصدار الحكم بزجه في النار، فإن هذا القول هو {كَلِمَةُ الْعَذَابِ} لأنه أمر قهري غليظ وشديد أيما غلظة.

كلمة طيبة وكلمة خبيثة:

{مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ} [إبراهيم: 24]. قول غليظ وشديد، ولكنه طيب لا يمكن لأحد أن ينتزعه. أما الخبيثة فهي غليظة وشديدة، ولكن يختلط بها الضار أكثر من النافع، فيسرع المزارع في نزعها بقوة. والكلمة الطيبة هنا هي ما يقوم به الأنبياء المصلحون من دعوة غليظة على نفوس الكفار ﵟلَنُخۡرِجَنَّكُم مِّنۡ أَرۡضِنَآ أَوۡ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَاۖ ﵞ [إبراهيم: 13] .

كبرت كلمة، والعودة للحياة:

{كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَٰهِهِمْ} [الكهف: 5] أي اتخاذ الله ولداً، وهو قول غليظ وشديد الضلال. وطلب الكافر العودة للحياة {إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا} [المؤمنون: 100]، لأنها قول غليظ يخالف الأوامر والقوانين الموضوعة.

كلمة التقوى:

{وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَىٰ} [الفتح: 26]. التقوى في معظمه غليظ وشديد، ومخالف للبشر الباحثين عن الملذات، فلهذا كان التقوى كلمة، أو له كلمة غليظة وشديدة.

الكلمات بين التخيير والابتلاء (آدم وإبراهيم):

هنا تتجلى الأوامر التي تُركت لحرية الإنسان واختياره. آدم {فَتَلَقَّىٰ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَٰتٍ} [البقرة: 37] وهي الأوامر الغليظة التي اختار وحرص على تطبيقها فتاب عليه. وإبراهيم {وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَٰهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَٰتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} [البقرة: 124] فنفذ الأوامر باختياره بتمامها فاستحق الإمامة.

كلمة سواء وكلمة الفصل وكلمة بقية:

كلمة سواء [آل عمران: 64] أمر شديد لا يحبه أهل الكتاب. وكلمة الفصل [الشورى: 21] قانون وأمر غليظ حتمي لحماية الحريات الفكرية وأن الحساب يوم القيامة. وكلمة باقية [الزخرف: 28] العقيدة والوصايا التي أصر إبراهيم أن تتوارثها الأجيال.

نصر الله كلمات (وتمت كلمة ربك):

{وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِ اللَّهِ} [الأنعام: 34]. نصر الرسول من أوامر الله الصارمة والغليظة. ويطلق عليها {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ} لأن التمام يحتاج لوقت لمعالجة الواقع.

البحر وكلمات الله:

{قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَٰتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ} [الكهف: 109]. كلمات الله هي أوامره وقوانينه الحتمية في الخلق وإدارة الأرزاق، لذا لا تنفد.

 

ثانياً: الكلام والتكليم (الحوار الثقيل المتبادل)

موسى الكليم:

{وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا} [النساء: 164]. الكلام هو الحوار بين آمر ومنفذ بغية الوصول للمراد (الذهاب لفرعون). تكلم موسى عن ضعف لسانه وطلب اقتسام المسؤولية مع هارون. كان الكلام المباشر لضرورة العجلة، وقدم موسى التماساته لإتمام المهمة وتم الرد عليه في لحظتها.

زكريا وعيسى:

{أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَٰثَةَ أَيَّامٍ} [آل عمران: 41]. كان زكريا يلقي المواعظ (أقوال شديدة على النفوس). وعيسى {وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ} [آل عمران: 46] ليعظهم ويرشدهم بحوار ثقيل.

يسمع كلام الله:

{حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَٰمَ اللَّهِ} [التوبة: 6]. المشرك المستجير يسمع كلام الله عبر الرسول النائب الذي يعرض عليه التشريعات التي تحد من فوضويته، وقد يطلب المشرك وقتاً فيحاوره الرسول. ومثله المؤمنون الذين كان لهم كلام مع الله عن طريق الرسول لمراعاة ظروفهم.

لا يكلمهم الله ومحاكمة القيامة:

{وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَٰمَةِ} [البقرة: 174]. انقطاع الحوار والأخذ والرد مع الكفار هو إغلاق لباب المغفرة. أسكت المولى القرين وصاحبه، ومنع فتح أي حوار: {قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ}. وهذا يثبت أن الحساب وتكليم بقية الخلق هو فرصة للمغفرة.

كلمهم الموتى:

{وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَىٰ} [الأنعام: 111]. الكفار طلبوا معجزة مادية، فهم يريدون أخذ ورد مطول مع الموتى، وليس مجرد أصوات تنقطع.

انقطاع الكلام في المشهد العظيم:

{يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَٰئِكَةُ صَفًّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ وَقَالَ صَوَابًا} [النبأ: 38]. في ذلك اليوم تُنزع سلطة إصدار (الكلام والكلمات/الأوامر الغليظة) من الجميع، المسموح لهم فقط هو الإدلاء بـ "القول الصواب".

 

ثالثاً: الكَلِم (التشريعات العظمى والأصول الثقيلة)

يحرفون الكَلِم عن مواضعه:

{مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ} [النساء: 46]. الكَلِم هو التشريعات العظمى والأصول الثقيلة التي يكررها المجتمع كـ الوصايا العشر (عدم الشرك، بر الوالدين، عدم الزنا). هم لا يحرفون معاني المفردات لأن العامة لن تقبل ذلك، بل يحرفون "مواضع" هذه التشريعات الثقيلة؛ فيزيحونها عن صدارتها وأهميتها المركزية، ويجعلونها ثانوية، ويرفعون مكانها الشكليات والطقوس ليجعلوها هي أم الدين وأصوله.

يصعد الكَلِم الطيب (إطفاء الفتن وإصلاح المجتمع):

{إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّٰلِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10].

الطيب هو (المطاوعة واللين والبذل)، والخبث هو (التعطيل والضرر). الكلم الطيب ليس مجرد ألفاظ خفيفة، بل هو أعظم التشريعات والتدخلات الغليظة والثقيلة التي تُكسر بها الفتن وحالة التشنج في المجتمع.

كان مجتمع المدينة متشنجاً ومتخشباً في عداء هائل (حالة التعطيل والضرر). فجاء "الكلم الطيب" (تشريعات التآخي ونبذ القبلية) كصدمة ثقيلة كسرت هذا التخشب، فأصبحوا بنعمة الله إخواناً متطاوعين باذلين. هذا "الكلم" الثقيل يمتلك طاقة الصعود لعظمته، لكنه احتاج إلى "العمل الصالح" (التطبيق الفعلي ببذل الصدقات ومحاربة الجاهلية والعصبية) ليكون مصداق هذا الكلم الثقيل.

خاتمة

بعد هذا التطواف في آيات القرآن الكريم، يتأكد لنا بوضوح أن (الكلمة، والكلمات، والكَلِم) هي الأوامر الغليظة الشديدة، وهي نوعان: أوامر توجيهية متروكة للإنسان أن يفعلها أو يهملها، وهي التي تسمى التشريعات والوصايا. أم النوع الثاني فهي الأوامر النافذة "التكوينية" وهي غليظة وشديدة وصارمة، وتتمثل في خلق عجيب، أو قانون خالد. لكن الكلم ليس فيه إلا أوامر توجيهية لكنه أشد غلظة وشدة من الكلمات وهو كثير التكرار على المسامع والألسن، لأهميته القصوى، ولأنه أدنى درجات بناء المجتمع، فبعده الدمار.

أما الكلام فهو حوار بين رئيس ومرؤوس، فهو ليس جدل أو خصومة، بل خضوع وخنوع، ولكن المرؤوس يستعطف ويطلب المهلة أو التخفيف أو تحسين الوضع، ذلك أن الرئيس قد وجهه إلى مهمة أو تنفيذ أمر.

هذا والله أعلم



([1]) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (5/ 2023) مقاييس اللغة (5/ 131) «المعجم الاشتقاقي المؤصل» (4/ 1922):

([2]) «المعجم الاشتقاقي المؤصل» (4/ 1923):

([3]) [Etymological Semantics, Brill, p. 27].

([4]) «تفسير التستري» (ص29): «تفسير الطبري» (1/ 579): «تفسير ابن كمال باشا» (1/ 155): «التفسير الوسيط - مجمع البحوث» (1/ 82):

([5])  «تفسير الطبري» (1/ 581):

([6]) «تفسير ابن كمال باشا» (1/ 155):

([7]) «التفسير الوسيط - مجمع البحوث» (1/ 265): «تفسير الطبري» (5/ 370): «تفسير ابن كمال باشا» (2/ 285): «التفسير الوسيط - مجمع البحوث» (1/ 562).

ali
ali
تعليقات
    جاري استحضار النفحات القرآنية...