أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

الحظر في القرآن المكرم

 


الحظر في القرآن المكرم



بقلم: علي موسى الزهراني

حظر في المعاجم:

الحظر أصل واحد يدل على المنع. والحظيرة ما أحاط بالشيء. والحظار هو ما حظر على غنم أو غيرها أو يتخذ من أغصان أو شيء من رطب، ثم ييبس بعد ذلك ويتهشم. ويقال جاء بالحظر الرطب أي جاء بالكذب المستشنع. وحظر عليه أي منعه. ونجد حظل قريب من حظر، فهو منع المرأة من التصرف والحركة غيرة عليها، فيحظل يعني يغار ([1])

المحتظر عند المفسرين:

الحظر عند المفسرين هو المنع، والمحظور هو الممنوع. وعطاء الله لا يرده عن أحدٍ. وقيل المحظور يعني المنقوص. أما المحتظر فيرى بعضهم أنه التراب الذي يتناثر من الحيطان. ويرى قتادة أنه كالعظام النخرة المحترقة. وقيل المحتظر هو حظيرة الراعي للغنم، أو الحظيرة بشكل عام كما قال بذلك الحسن وقتادة وأبو العالية ([2])

الحظر في القرآن:

{ كُلّٗا نُّمِدُّ هَٰٓؤُلَآءِ وَهَٰٓؤُلَآءِ مِنۡ عَطَآءِ رَبِّكَۚ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحۡظُورًا } [الإسراء: 20].

{ إِنَّآ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ فَكَانُواْ كَهَشِيمِ ٱلۡمُحۡتَظِرِ } [القمر: 31].

من خلال هذين النصين يمكن معرفة معنى الحظر بدقة تامة وبلا ترادف مع غيره من الجذور. الحظر ليس هو "المنع" المجرد؛ لأن المنع في اللسان القرآني يُقصد به الإمساك عن الفعل أو كفّ شخص وكيان عن تصرف معين، كما في قوله تعالى: { وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤۡمِنُوٓاْ } [الكهف: 55]، فهو كفّ عن الفعل والتصرف. وهو كذلك ليس إنقاصاً للعطاء؛ فالنقص انقطاع جزئي كما في قوله: { وَلَنَبۡلُوَنَّكُم بِشَيۡءٖ مِّنَ ٱلۡخَوۡفِ وَٱلۡجُوعِ وَنَقۡصٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِۗ } [البقرة: 155].

فما هو الحظر إذن؟ الحظر في جوهره هو منعٌ مقرون بإحاطة وتحجير مادي أو معنوي (كإقامة الحظيرة). فلو كان لدى شخص حديقة ومنع الناس جميعاً من ثمارها، فهذا "منع". أما لو أحاطها بسور يسمح بدخول فئة (كأغنامه) ويمنع فئة أخرى (كالذئاب)، فهذا هو "الحظر". الحظر يصنع حاجزاً يعزل الداخل عن الخارج، ومن هنا تتولد طبيعته الانتقائية.

وتتفق اللغات السامية على هذا التفريق الدقيق؛ فجذر (ح ظ ر) فيها يرتبط بإقامة "الحظيرة" أو "السياج" المادي الذي يحيط بالشيء، فنجد اللفظة في العبرية (חָצֵר) والأكادية (haṣāru) والسريانية (ܚܛܪܐ) تدل جميعها على الفناء أو الحظيرة المسورة التي تحمي القطيع. وفي المقابل، نجد أن جذر (م ن ع) في العبرية (מָנַע) والآرامية (מְנַע) لا يرتبط بالسياج أو الحيز المعزول، بل يرتبط بالامتناع والإحجام وكبح الجماح عن الفعل ([3])

وفي آية سورة القمر، يتجلى هذا المعنى؛ فالمحتظر، سواء أكان هو الفاعل (صاحب الحظيرة) أم مكان الحظيرة نفسها، وظيفته قائمة على إيجاد ذلك الحاجز الذي يحمي كيانات ويمنع أخرى، والتشبيه القرآني صوّر العذاب الذي أحالهم إلى حالة فيزيائية محطمة كالأغصان اليابسة المتهشمة (الهشيم) التي تُتخذ كحظار وتدوسها البهائم.

الخلاصة:

الحظر هو الحجز والتفريق بين الفئات، فئة مباح لها الحصول على الشيء وفئة محرومة من ذلك الشيء، وقد أُخذ هذا المفهوم من الحظيرة التي تبيح للأغنام الدخول فيها دون المفترسات. وكما أن هناك حظيرة حسية تحمي الماشية، وتبيح لها الدخول دون المفترسات، فإن هناك حظائر معنوية تبيح لفئات الاستفادة من الأشياء دون غيرها من الفئات.

هذا والله أعلم.

 



([1]) «معجم مقاييس اللغة» (2/ 80): «المعجم الاشتقاقي المؤصل» (1/ 457):

([2]) «تفسير الطبري» (14/ 538): «تفسير الطبري» (22/ 145):«زاد المسير في علم التفسير» (4/ 201):«موسوعة التفسير المأثور» (21/ 40): «زاد المسير في علم التفسير» (3/ 17): «تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي» (5/ 61): «تفسير القرآن الثري الجامع» (6/ 294): تفسير القرطبي (17/ 142)

([3]) لجذر (ح ظ ر):

1.                اللغة العبرية (חָצֵר - ḥāṣēr): ينظر: Brown, F., Driver, S. R., & Briggs, C. A. (1906). A Hebrew and English Lexicon of the Old Testament. Part 5, p. 346.

2.                اللغة الأكادية (haṣāru): ينظر: Black, J., & George, A. R. (2000). A Concise Dictionary of Akkadian. p. 109.

3.                اللغة السريانية/الآرامية (ܚܛܪܐ - ḥṭrā): ينظر: Smith, J. P. (1903). A Compendious Syriac Dictionary. p. 136.

لجذر (م ن ع):

4. اللغة العبرية (מָנַע - mānaʿ): ينظر: Brown, F., Driver, S. R., & Briggs, C. A. (1906). A Hebrew and English Lexicon of the Old Testament. Part 7, p. 586.

5. اللغة الآرامية (מְנַע - mnaʿ): ينظر: Jastrow, M. (1903). A Dictionary of the Targumim, the Talmud Babli and Yerushalmi, and the Midrashic Literature. p. 798.

ali
ali
تعليقات
    جاري استحضار النفحات القرآنية...