أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

دعو في القرآن المكرم

 

 


دعو في القرآن المكرم

بقلم: علي موسى الزهراني



مقدمة:

يقف القارئ للقرآن الكريم أمام إشكالية كبرى تسببت فيها شروح المترادفات، حيث تم تمييع الفروق الدقيقة بين أفعال مثل (سأل) و(طلب) و(دعا)، وكأنها تؤدي غرضاً واحداً. لكن بالعودة إلى المنطق الصارم لهندسة الجذور اللغوية، نكتشف أن كل جذر يحمل شحنة حركية ومادية مستقلة تماماً لا تتقاطع مع غيرها. لفهم الحركة المادية العميقة لجذر (دعو)، يجب أن نضعه على محوره الحركي المرتبط بالحرفين الثنائيين (د، ع). هذا المحور يضعنا أمام معادلة مذهلة تكشف تقابلاً مادياً بين ثلاث مسارات حركية: الدفع، والسكون، والجذب، مما يثبت أن الدعاء في القرآن ليس مجرد "سؤال"، بل هو حركة مادية أخرى تماماً تتلخص في الجذب برضى واختيار دون أي إكراه.

الدعو في المعاجم:

(دعو) أصل واحد ويعني أن تميل الشيء إليك بصوت وكلام يكون منك. والادعاء هو أن تدعي حقاً لك أو لغيرك. والادعاء في الحرب أي الاعتزاء. وداعية اللبن أي ما يترك في الضرع ليدعو ما بعده. ودعا الله فلاناً بما يكره أي أنزل به ذلك. وتداعت الحيطان أي سقطت خلف بعضها. ودواعي الدهر أي صروفه. وما بالدار دعوى أي ما بها أحد، وتداعى القوم أي دعا بعضهم بعضاً حتى يجتمعوا. ودعاه إلى الأمير أي ساقه. وماذا دعاك إلى هذا الأمر أي ما الذي جرك إليه. ودعوت فلاناً أي صحت به واستدعيته.

نجد أن الثنائي من هذا الجذر وهو "دع" يعني الدفع، أما "الدعو" فهو الجذب وهو عكسه، أما الودع فهو استقرار الشيء في موضعه لا ينجذب ولا يندفع ([1])

الدعو في اللغات السامية

تشير المعاجم الأكاديمية الغربية المتخصصة في دراسة فقه اللغات السامية إلى أن الجذر المشترك (d-ʿ-w) أو (d-ʿ-y) يحمل دلالة مركزية مباشرة تنحصر في "توجيه النداء" و"الابتهال" و"الدعوة". وتؤكد الدراسات المقارنة ظهور هذا الجذر في عدة لغات سامية قديمة بنفس المعنى اللفظي المجرد؛ ففي اللغة الأوغاريتية يأتي بصيغة (dʿy) بمعنى توجيه النداء للآلهة أو الابتهال، وفي السريانية والآرامية (dʿā) بمعنى نادى أو طلب، حيث تكتفي هذه المراجع بتوثيق الحدث الصوتي واللفظي لإرسال النداء وتوجيه الخطاب للغير، دون التطرق لأي أبعاد فيزيائية أو حركية أخرى ([2])

دعو في القرآن

ورد هذا الجذر في القرآن 212 مرة في 55 سورة في 182 آية. ومع كل هذا العدد الضخم سنجد أن هذا الجذر لا يحمل إلا دلالة واحدة في القرآن وهي "الجذب"، نعم الجذب كما سوف نرى. ولأن الآيات كثيرة فسوف نكتفي ببعض الأمثلة:

 

* ادع لنا ربك: ﴿فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾ [البقرة : 61]

  أي اجذب لنا رحمة ربك لكي تمدنا بما تنبت الأرض.

 

* أجيب دعوة الداع: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة : 186]

  الدعاء هو جذب رحمة الله ووجهه لكي يكترث بنا في أمر ما، وهو ليس إلزامياً كالسؤال؛ فهو دعاء وليس سؤالاً، وما يجعل الدعاء يُقبل هو الإيمان بالله والاستجابة لأوامره.

 

* يدعون إلى النار: ﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ﴾ [البقرة : 221]

  الكفار يجذبون أتباعهم إلى النار، والله يجذب إلى الجنة. وهنا نلاحظ أنه ليس بالغصب، بل هناك اختيار وإرادة عند المجذوب.

 

* ادعهن يا إبراهيم: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ [البقرة : 260]

  هذه الطيور التي وزعها إبراهيم في الجبال، يدعوهن إبراهيم إليه أي يجذبهن بصوته كما شرحنا في مقال مفصل؛ فقد دجنهن على صوته، فهن يرجعن إليه باختيارهن.

 

* يدعون إلى كتاب الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران : 23]

  الرسول يدعو اليهود أي يجذبهم إلى كتابهم ليطبقوه ولا يهملوه، وهذا بحرية منهم واختيار وليس إجباراً.

 

* دعا زكريا: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [آل عمران : 38]

  يدرك زكريا أنه ليس من حقه أن يهب الله له الولد، ولو كان يرى من حقه ذلك لسأله ولم يدعه. هنا يدعو ربه أي يجذب رحمته وهبته لكي يهب له ذكراً يرثه فلا يتشتت من يعيلهم من بعده، ولو لم يستجب ربه، فليس لزكريا أي اعتراض.

 

* الدعوة إلى الخير: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران : 104]

  الدعوة إلى الخير هي محاولة جذب الناس إلى فعل الخير، وليست لدى هذه الفئة سلطة على الناس في إجبارهم عليه.

 

* دعوة الأصنام أو الملائكة: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾ [النساء : 117]

  يدرك الكفار أنه ليس من حقهم السؤال، فهم يدعون الأصنام (يجذبون رضاهم ورحمتهم) لكي يستجيبوا لهم، وقد لا يستجيبون

 

* يدعون يريدون وجهه: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام : 52]

  يدعون ربهم يريدون وجهه، أي يجذبون اهتمامه بهم كما شرحنا في معنى وجه.

 

* دعوة الغريق: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام : 63]

  الموت حق على الجميع، والحياة ليست واجبة على الله، وهذا ما يدركه البشر. فهم عندما يتعرضون للغرق والموت، يدعونه ولا يسألونه؛ فلو سألوه لكان في حسبانهم أن الله يجب عليه ألا يميتهم. ولهذا يدعونه تضرعاً وخفية، لعل هذا الجذب يحقق عنايته وحمايته.

 

* دعوتكم فاستجبتم: ﴿إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم : 22]

  الناس أحرار في سلوكهم، قام الشيطان بدعوتهم أي جذبهم إلى ملته، فاستجابوا. فلو قال "أمرتكم" لكان المعنى أنهم أجبروا على ما عملوه.

 

* يدعون يبتغون: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء : 57]

  يدعون الله يرجون رحمته، أي يريدون جذب رحمته، ومنع عذابه.

 

* ندعو كل أناس: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الإسراء : 71]

  بغض النظر عن معنى الإمام، فإن هذا الإمام هو الذي يدعوهم أي يجذبهم ناحية معينة حينها يستلم كل إنسان كتابه الخاص (كتاب أعماله).

 

* دعوا للرحمن: ﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ [مريم : 91]

  أي جذبوا له الولد فنسبوه إليه.

 

* يتبعون الداعي: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ﴾ [طه : 108]

  كثير من البشر يستجيبون للدعوة التي تناديهم إلى المحشر، ولكن بعضهم لا يستجيبون إلا بالزجر (وقلنا الزجر هو الدفع بقوة الألم والضرب إلى الأمام)، أما المستجيبون للدعوة فهم ينجذبون من تلقاء أنفسهم. فهناك من ينزجر وهناك من ينجذب.

 

* دعوة الثبور: ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفرقان : 14]

  قيل أن الثبور هو الهلاك ([3]) وهذا معقول، فهم في النار يريدون جذب الهلاك ليقضي عليهم كما تقول آيات أخرى ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: 77]. أي يجذبون رحمة الله بأن يقضي عليهم.

 

* سندع الزبانية: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق : 18]

  شرحنا هذه الآية في مقال، وبينا أن الزبانية هم الزبائن ومفردها زبون، وأن الرسول تعرض لأزمة اقتصادية بمحاصرة قريش لتجارته، وتهديدهم له في هذا الشأن، فطمأنه المولى أنه سيدعو الزبانية أي الزبائن فلا تبور تجارته. ولو كانت الزبانية تعني الملائكة، فلن يدعوها، بل سوف يأمرها مباشرة.

 

الخلاصة

الدعو عكس الدعّ، فالدعّ هو الدفع بقوة، بينما الدعو هو الجذب. وفي آيات القرآن جاءت بمعنى الجذب دون غصب، فهو برضى المجذوب.

هذا والله أعلم.



([1]) «معجم مقاييس اللغة» (2/ 279):«المعجم الاشتقاقي المؤصل» (2/ 660):

([2]) * Martin Zammit, A Comparative Lexical Study of Qur'anic Arabic, Brill, 2002, Root: d-ʿ-w, p. 177.

 

* Gregorio del Olmo Lete & Joaquín Sanmartín, A Dictionary of the Ugaritic Language in the Alphabetic Tradition (DULAT), Brill, 2015, p. 266.

([3]) «تفسير الطبري» (17/ 412)

ali
ali
تعليقات
    جاري استحضار النفحات القرآنية...