فوق وأفاق وفواق في القرآن المكرم
بقلم: علي موسى الزهراني
فوق في المعاجم:
لجذر (فوق) أصلان صحيحان؛ أحدهما يدل على
العلو، ومنه: فلان فاق أصحابه يفوقهم، أي علاهم. وأمر فائق أي مرتفع عالٍ.
والأصل الثاني هو الرجوع، ومنه: فواق
الناقة، وهو رجوع اللبن في ضرعها بعد الحلب. والمجتمع من الدر يسمى فيقة، وأصله
فوقة. وأفاق السكران أي أوبة عقله إليه. والأفاويق ما اجتمع من الماء في السحاب.
والفوق هو فوق السهم. وسهم أفوق أي انكسر فوقه. والفاق هو المشط والصحراء والأرض
الواسعة. وفاق الرجل فواقاً أي شخصت الريح من صدره. وفاق السطح علاه. وأفاق الزمان
أي أخصب. وأفاق العليل أي نقه. وفاق شخصاً أي علاه ([1])
ورغم تفريق ابن فارس في مقاييسه للجذر
إلى أصلين ظاهريين هما (العلو) و(الرجوع)، إلا أن التدقيق الفيزيائي للأصل الثاني،
المتمثل في قولهم "فواق الناقة: رجوع اللبن في ضرعها"، يثبت أن هذا
"الرجوع" ليس ارتداداً أفقياً للخلف، بل هو عملية امتلاء مادي ينتج عنها
"ارتفاع" اللبن وصعوده من أسفل الضرع إلى أعلاه. وبذلك يندمج الأصلان
اللذان ذكرهما ابن فارس في أصل حركي مادي واحد يطرد في جميع السياقات وهو
"الارتفاع"، مما يؤكد الدلالة المركزية الصارمة للجذر وينفي عنه
التعددية.
الفواق عند المفسرين:
يرون في تفسير {مَّا لَهَا مِن
فَوَاقٖ} أن الفواق هو الرجوع، ومنه فواق الناقة أي الزمن الذي بين حلبتي الحالب، وهو مشتق من الرجوع. وقالوا: ما لها من فواق، أي ما لها من مثنوية. وقيل: بل ما لها من فتور وانقطاع. وقيل: بل ما للصيحة من ارتداد ولا رجوع، ويرون أن الصيحة المقصود بها صيحة الساعة ([2])
فوق في اللغات السامية:
تُشير الدراسات المقارنة في اللغات
السامية إلى أن الجذر (ف و ق / P-W-Q)
وما اتصل به من اشتقاقات يتركز دلالياً حول مفهوم "البروز، الخروج،
والتجاوز"؛ ففي اللغة الأكادية والآرامية القديمة يظهر الارتباط وثيقاً بين
العلو وبين عملية "الظهور" أو "الخروج إلى السطح" (Emergence)، حيث يُعبر الجذر في
السريانية والآرامية عن حركة الشيء الذي يتجاوز حيزه الأصلي صعوداً أو خروجاً، وهو
ما يفسر استخدام "فوق" في العربية للإشارة إلى العلو المكاني والرتبي
الذي "يفوق" ما تحته أي يتجاوزه ويبرز عليه، وهذا يتسق مع البناء الصرفي
السامي الذي يربط بين الحركة العمودية والتميز الظاهري ([3])
فوق في القرآن:
ذُكر الجذر (فوق) في القرآن 43 مرة،
بينما ورد الحرف المعاكس "تحت" 51 مرة، ولعل زيادة ذكر لفظ
"تحت" على "فوق" تعود إلى كثرة الكلام عن الجنة والنار في
القرآن المكرم، فجاءت "تحت" لتشرح جغرافية ذلك المكان.
أما "فوق" في القرآن فلم تحمل
إلا معنى واحداً فقط وهو الارتفاع والتصاعد، فهي تعني الارتفاع، وهو أمر نسبي،
فالثمرة مثلاً فوق الأرض، لكنها تحت فروع الشجرة الباقية. ونحن نرى أن
"فوق" قريب من الفعل أو الحركة، على عكس العلو والسفل فهما مكانان
جغرافيان، فـ "فوق" كأنه فعل اتجه ارتفاعاً وصعوداً. لهذا عندما قالوا:
"فاق السكران"، فهم يقصدون أنه كان في حالة استلقاء ثم ارتفع بجسمه فصار
"فوقياً" بعد أن كان تحتياً على الأرض، ثم بعد ذلك صارت الفوقية (أفاق)
كناية عن زوال السكر والإغماء.
وقد جاء القرآن ليؤكد البعد المادي للفظة
فوق، فجبل الطور صار فوق بني إسرائيل، بينما هناك أيضاً بعد معنوي أو دلالة
معنوية.
آيات الفوقية المادية:
هناك فوقية يلاحظها الحس، مثل الأرزاق
التي تنمو في الأشجار {لَأَكَلُواْ مِن فَوۡقِهِمۡ وَمِن تَحۡتِ أَرۡجُلِهِمۚ} [المائدة: 66]. ومثل جبل الطور الذي صار فوق رؤوس بني إسرائيل {وَرَفَعۡنَا
فَوۡقَكُمُ ٱلطُّورَ} [البقرة: 63].
آيات الفوقية المعنوية:
وقد اقتبس البشر من الفوقية المادية
فوقيات عقلية، كفوقية بعضهم في الدرجات {وَرَفَعَ
بَعۡضَكُمۡ فَوۡقَ بَعۡضٖ دَرَجَٰتٖ} [الأنعام: 165]، أو فوقية العدد {فَإِن كُنَّ نِسَآءٗ فَوۡقَ ٱثۡنَتَيۡنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَۖ} [النساء: 11]، أو فوقية القهر {وَهُوَ ٱلۡقَاهِرُ فَوۡقَ عِبَادِهِۦۚ وَهُوَ ٱلۡحَكِيمُ ٱلۡخَبِيرُ} [الأنعام: 18].
الإفاقة:
{وَخَرَّ مُوسَىٰ
صَعِقٗاۚ فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبۡحَٰنَكَ} [الأعراف: 143].
وردت الإفاقة مرة واحدة عندما تعرض موسى
لنتائج التجلي الذي حدث في الجبل، فقد حدث أمر مادي مهول وقوة ضاربة تعرض بسببها
موسى للصعق، فخرّ على الأرض أي سقط. ثم بعد ذلك (أفاق)، أي قام على رجليه واقفاً
فصار رأسه إلى (فوق) بعد أن كان على الأرض. فالإفاقة هنا هي حركة الارتفاع المادية
من السقوط، ومنها استُعيرت الكلمة لاحقاً كناية عن زوال الغيبوبة أو السكر.
الفواق:
{وَمَا يَنظُرُ
هَٰٓؤُلَآءِ إِلَّا صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ مَّا لَهَا مِن فَوَاقٖ} [ص: 15].
كما رأينا بالأعلى، فإن أهل التفسير يرون
أن الصيحة ما لها من رجوع، وقيل: بل ما لها من فتور وانقطاع، وذهب بعضهم إلى أن
الصيحة ما لها من ارتداد.
وسبب اختلاط الأمر عند بعض المفسرين أنهم
حسبوا الآية تشير حصراً إلى صيحة يوم القيامة التي تُدمر فيها الجبال، ولذلك
اضطروا لتفسير الفواق بـ (المهلة والرجوع). بينما السياق القرآني في سورة (ص) يحمل
طابع التهديد المباشر للمكذبين المعاصرين للرسالة (قريش)، متوعداً إياهم بصيحة
استئصال دنيوية حاسمة، كصيحات الأمم السابقة (عاد وثمود) التي لا قيام ولا ارتفاع
بعدها. الآية تهدد قريشاً بضربة قاضية تنفي عنهم جنس الارتفاع تماماً.
فما هو الفواق؟
الفواق والإفاقة هما اشتقاقان لحركة
مادية واحدة تنتمي للجذر (فوق) الذي يعني الارتفاع. وعندما قال النص {مَا لَهَا مِن
فَوَاقٖ}، فقد جاءت كلمة (فواق) نكرة مسبوقة بنفي وبحرف الجر الزائد (مِن) الذي يفيد التنصيص على استغراق الجنس. والقاعدة النحوية القطعية تنص على أن النكرة في سياق النفي تفيد العموم والاستغراق التام.
بمعنى أن هذه الصيحة النازلة تعدم
"جنس الارتفاع" (الفواق) إعداماً تاماً من جذوره ولا تمتلكه. وبما أن
الصيحة تعدم الفواق، فلن تحدث أي "إفاقة" (قيام وارتفاع) لمن تقع عليه.
إن الآية تهدد الكفار بضربة قاضية تقضي عليهم في نفس اللحظة، ولن يفوق ويرتفع أحدٌ
منهم مطلقاً كما حدث مع قوم شعيب وثمود وغيرهم، وليس للآية علاقة بالرجوع أو
الارتداد كما يُشاع، فماذا يستفيدون لو كانت مرتدة أو راجعة وقد هلكوا؟
الخلاصة:
لا يوجد لجذر "فوق" -والذي
يعتبرونه حرفاً- إلا معنى واحد فقط، وهو الارتفاع والصعود، أو الجهة التي تعلوك
مباشرة، فجارك الذي يسكن بالأعلى هو فوقك مباشرة، وعكسها هو جارك الذي يسكن في
الدور الذي يسبقك، وهو تحتك.
وهناك فوق حسية مادية، مثل جبل الطور أو
السموات السبع، وهناك فوق معنوية مثل سلطة الله أو مكانة الناس ودرجاتهم بعضهم فوق
بعض.
وهناك الإفاقة، وهي تعني قيام الإنسان من
الأرض بعد أن كان عليها مستلقياً إما لمرض أو إغماء أو نومٍ، ثم أفاق أي رفع رأسه
للأعلى فصار فوقياً، ثم صارت كناية عن زوال الإغماء أو السكر.
أما الفواق فهو جنس حركة الارتفاع، وقد
جاء في الآية نكرة في سياق النفي تفيد الاستغراق، لينفي وقوع أي إفاقة أو قيام.
ولم ترد الكلمة إلا مرة واحدة كتهديد لقريش بأنه قد يسلط الله عليهم عذاباً
"صيحة" تصيبهم جميعاً بالصعق فلا يقومون بعدها ولا يرتفعون.
هذا والله أعلم.
هل لديك نظرة أخرى
أطرحها هنا كي نستفيد من علمك