الصيحة في القرآن المكرم
بقلم: علي موسى الزهراني
المقدمة:
ارتبط مفهوم "الصيحة" في
الأذهان والعقليات بالصوت العالي المزعج أو الصراخ، واكتفت الكثير من التفاسير
بهذا المعنى الظاهري لتفسير هلاك الأمم السابقة. ولكن، بتطبيق المنهجية اللفظية
الصارمة للقرآن المكرم، والتي تنفي وجود الترادف وتؤكد أن لكل كلمة أو جذر لغوي
معنىً مادياً حقيقياً يسبق المعاني المتداولة والمجازية، نجد أنفسنا أمام تساؤل
جوهري: هل يُهلك الله أمماً عاتية بمجرد "صوت مسموع"؟ أم أن الصيحة تحمل
في طياتها حدثاً مادياً وفيزيائياً قاهراً يمزق البنية العضوية والمادية للأشياء؟
في هذا البحث، نتتبع جذر (ص ي ح / ص و ح) معجمياً وقرآنياً لنكشف عن الحقيقة
المادية للصيحة، وكيف تعمل كقوة تدميرية في الماديات، وكيف تُستخدم معنوياً لتفكيك
المجتمعات.
جذر (صيح) في المعاجم:
أصل (صيح) وهو الصوت العالي. ومنه
الصِّياح، والواحدة منه صيحة. وصاحت الشجرة والنبت إذا طالا. أما التَّصيُّح فهو
تشقق الخشب، والأصل فيه الواو وهو التَّصوُّح. وانصاح البرق انصياحاً، أي تصدع
وانشق. والصُّوح هو وجه الجبال كأنه حائط. وصُوحا الوادي أي حائطاه. وصاح العنقود
أي استتم خروجه من أكمته وهو غض.
أصل الصُّوح هو الثنائي (صح) وهو الشيء
الأصلي بعد جفافه. فالصَّحْصَح هو ما استوى من الأرض وجُرد. وصُوح هو وجه الجبل
كأنه حائط. وصحب، ومنه الماء المُصْحَب الذي يعلوه ما يدل على بقائه على حاله.
وصحف، كما في الصحيفة وهو وجه الأرض الممتد المنبسط ([1])
الصيحة في اللغات السامية:
بتتبع الجذر السامي (ص ي ح / ص و ح) في
اللغات القديمة كالسريانية (ṣwaḥ)
والعبرية (ṣāwaḥ) والأوغاريتية (ṣ-ḥ)،
تُجمع المعاجم الأكاديمية المتخصصة على أن هذه المفردة لا تدل على مجرد الصوت
العادي المعتاد، بل تُشير حصراً إلى الانبعاث الصوتي الحاد، وإطلاق طاقة صوتية
مدوية ومفاجئة تقطع السكون وتصاحبها صدمة قاهرة (Sudden
outcry, piercing sound, shout loudly)، وهو ما ينسجم تماماً
مع حقيقتها الفيزيائية كتردد صوتي باغت يخترق المحيط ويُحدث فيه التصدع والانشقاق ([2])
الضبط الدلالي والصرفي للجذر (ص ي ح / ص
و ح):
باستقراء هذه الدلالات، وللإجابة عن أي
تحفظ أكاديمي حول الجمع بين أصول مثل (ص ي ح، ص و ح، ص ح ب، ص ح ف)، فإن هذا البحث
يعتمد منهجياً على نظرية "الاشتقاق الأكبر/الثنائي" التي ترد الكلمات
إلى حرفين أصليين (ص ح) لاستخراج الأصل المادي المشترك؛ وهو ما يؤكد أن المعنى
الجوهري والمحوري لهذا الجذر ليس الصوت العالي كما شاع ظاهرياً، بل حقيقته المادية
تكمن حصراً في (التشقق والتصدع أو التفتت الناتج عن الصوت الخفي).
ولمنع أي شبهة للترادف مع جذر (ص د ع) أو
غيره، يجب التفريق الصرفي الدقيق داخل مباني هذا الجذر نفسه: فالعرب تستخدم
الفعلين (تصوّح) و(انصاح) لمطلق التشقق المادي لأسباب خفية؛ فالخشب (يتصوّح) أي
يجف وتتشقق أليافه، والبرق (ينصاح) أي ينشق الغلاف الجوي لتفريغ الطاقة. أما مفردة
(الصيحة) -على وزن فَعْلَة- فقد خُصصت للحدث الباغت المكتمل الذي يكون سببه
المباشر والوحيد هو (الصوت الخفي القاهر). فالصوت المسموع ليس هو الفعل، بل هو
مجرد أثر فيزيائي لحدث التشقق والتفتت الذي يضرب المادة.
الصيحة عند المفسرين:
يرون أن الصيحة هي الصاعقة، وكل عذاب
الله فهو صاعقة فاحترقوا جميعاً. ويقولون إن الصيحة هي صيحة جبريل، وأنهم بعد
الصيحة صاروا رماداً، فهمدوا جثوماً لا يتحركون، وخامدين. ويرى آخرون أن الصيحة
أدت إلى زلزلة بالأرض، فأنهت حياتهم خامدين لا يتحركون. ويرون أن الرجفة هي
الصيحة. وقالوا: بل الرجفة هي الزلزلة المحركة. وأن (جاثمين) تعني سقوطاً صرعى لا
يتحركون لأنهم لا أرواح فيهم. والعرب تقول للبارك على ركبته: جاثم. وأن دارهم تعني
بلدهم ([3])
الصيحة في القرآن:
لم يرد هذا الجذر إلا على هذه اللفظة
"الصيحة". والصيحة هي الطريقة التي تم بها إهلاك بعض الأمم، وأشهرها قوم
صالح "ثمود"، وأصحاب الأيكة، وقوم لوط، وكذلك قوم شعيب كما سنرى، كذلك
أقوام لم يسمهم المولى مثل:
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ
فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً﴾ [المؤمنون: 41].
أما قوم ثمود فقد وردت في عدة آيات:
﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا
الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [هود:67].
وقوم لوط:
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ
مُشْرِقِينَ﴾ [الحجر:73].
وأصحاب الحجر:
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ
مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر:83].
وأهل مدين قوم شعيب:
﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا
شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ
ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [هود:94].
ونلاحظ هنا أنه ذكر حالهم بعد الصيحة،
فمرة يقول جعلهم غثاءً، ومرة يقول كهشيم المحتظر، ومرة يبين أنهم جاثمون. والذي
نتصوره أن تلك كانت مراحل حالهم بعد الصيحة (أي بعد التشقق والتصدع أو التفتت
الناتج عن الصوت الخفي)، وذلك على حسب القوم؛ فأما القوم الذين جعلهم غثاءً، فإن
السيل بعد فترة جر هياكلهم العظمية. أما الجثوم وهو الوقوع على الركبتين أو السقوط
أرضاً، فربما هو المرحلة الأولى التي صاروا إليها لتهتك بنيتهم. وهناك من صاروا
كهشيم المحتظر، حيث كانت الصيحة قوية بحيث شققت وفتتت عظامهم.
أما القوم الذين جعلهم غثاءً فنرجح بقوة
أن السيول قد جرفت هياكلهم العظمية لأنه قال موضحاً "فبعداً"، أي أنهم
زيادة في الاحتقار أُبعدت جثثهم عن مكان دولتهم:
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ
فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون:41].
الرجفة والصيحة:
وفي مرة لم يقل الصيحة، بل قال الرجفة:
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ
فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [الأعراف: 91].
وقد ذُكرت الرجفة في قوم موسى وقوم شعيب
وثمود، ونحن نعلم أنه مرة ينعتها بأنها صاعقة ومرة ينعتها بأنها صيحة كما في قوم
شعيب وثمود. وبهذا نؤكد أنها ليست مترادفات، بل مراحل أو حالات؛ فهي أساساً صيحة
(تشقق وتصدع أو تفتت ناتج عن صوت خفي)، لكنها تسبب الرجفة، فرجفت أعضاء الجسم
الداخلية. وهي كما في قوم موسى سُميت بصاعقة، كما في قصة موسى وقومه السبعين، فلم
تكن صيحة هائلة، بل كانت أقل منها، وهي الصاعقة التي قد تقتل ﴿يَجْعَلُونَ
أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ وقد قتلتهم
جميعاً إلا موسى. فاستبدال الصيحة بالرجفة منطقي، فالرجفة من نتائج الصيحة.
صيحات يوم القيامة:
الصيحة يوم القيامة تختلف عن النفخة،
فالنفخة تعيد الحياة، لكن الصيحة تضرب الجبال فتجعلها كلها دكاً. وتلك الصيحة لا
يشعر بها الإنسان في تلك الفترة، فهو لا يسمعها، فهي صوت مخفي خارج قدرات الأذن
البشرية، لهذا يقول الإنسان "ما لها":
﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ
زِلْزَالَهَا (1) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (2) وَقَالَ الْإِنسَانُ
مَا لَهَا﴾ [الزلزلة: 1-3].
وهنا يبرز تساؤل علمي دقيق: كيف لهذه
الصيحة أن تدمر الجبال الصلبة دون أن تمس جسد الإنسان الهش بسوء، ولا سيما أن عظام
الإنسان تشبه في صلابتها الصخور؟ التفسير الفيزيائي يكمن في ظاهرة
"الرنين" (Resonance)
والتردد الطبيعي للكتلة (Natural Frequency).
فالصيحة هنا هي موجة صوتية خفية تحمل تردداً موجهاً يتطابق حصراً مع التردد
الطبيعي للتركيب الجيولوجي للصخور، وتحديداً الكتل الهائلة بحجم الجبال. الجبال
كتل صخرية ومعدنية مصمتة وجافة، ما يجعلها قاسية، ولكنها هشة هندسياً (Brittle)، فتتصدع بسرعة عند
تعرضها للرنين. أما عظم الإنسان فهو ليس صخراً مجرداً، بل مادة مركبة من معادن
صلبة وألياف مرنة (الكولاجين)، كما أنه مغلف باللحم والسوائل والأوعية الدموية
التي تعمل كمخمدات للاهتزاز (Dampers / Shock Absorbers)
فتمتص أي طاقة اهتزاز وتُخمدها فوراً قبل تصدع العظم. إضافة إلى ذلك، فإن التردد
الموجي الضخم المصمم لدك كتل بحجم الجبال سيمر عبر الأجساد الصغيرة دون أن يتفاعل
معها فيزيائياً لتباين الكتلة والطول الموجي. فتتفاعل الجبال مع هذه الموجة وتمتص
طاقتها حتى تتصدع وتتفتت، وتُزلزل الأرض لأن الجبال التي كانت تقبض عليها لم تعد
موجودة. لهذا يقول الإنسان: ما لها؟ لأنه لم يسمع الصوت الخفي المسبب، ولم يتأثر
جسده به، لكنه يرى الأرض في فوضى دون أن يدرك السبب ([4])
أما آية:
﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ
بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ [ق:42].
فهي لا تعني سماع التردد الصوتي الخفي
المسبب للدمار، بل تعني أن القوم يسمعون "الصيحة بالحق"؛ أي يسمعون
أصوات الانهيار والتشقق والتفتت المادي عندما يتحقق ويصبح واقعاً يدمر الجبال.
فالتردد المسبب يبقى خفياً (وهو ما جعلهم يتساءلون في سورة الزلزلة بحيرة: ما
لها؟)، لكن النتيجة المادية القاصمة من تصدع وتدمير هي التي تقرع أسماعهم حين تقع
بالحق. وهذا اليوم هو يوم الخروج؛ يخرجون من الكهوف والمغاور والأجداث هرباً نحو
المحشر، وليس الخروج من القبور، فتلك يُسميها بعثاً وبعثرة.
الصيحة المعنوية:
﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ
أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ
مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ
فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون:4].
إذا كانت الصيحة هي التشقق والتصدع أو
التفتت الناتج عن الصوت الخفي في الماديات، فإن القرآن قد استخدمها معنوياً. فهناك
صيحة اجتماعية سياسية، كادت أن تمزق مجتمع المدينة. وقد كتبنا مقالاً تاريخياً
قرآنياً في تفسير هذه الآية، ملخصه أن المنافقين يدعمون أي صيحة تفتت المجتمع
المسلم الطري، بل هم أنفسهم صيحة تحاول إحداث تشققات وتصدعات في صفوف المسلمين.
والتاريخ يؤكد ذلك، فقد نزلت الآية في المنافقين في غزوة المريسيع وكان ابن سلول
هو بؤرة هذا النشاط.
يقول: لئن رجعنا المدينة ليخرجن الأعز
منها الأذل.
ويقول: سمّن كلبك يأكلك.
ويقول: قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا.
وبهذا تكون الصيحة المعنوية هي محاولة
إحداث التشقق والتصدع في بنية المجتمع بصوت الباطل الخفي والمستتر، وهي خفية ماكرة
لا يراها الإنسان البسيط ولا يدرك مغزاها.
الخلاصة:
الصيحة في حقيقتها القرآنية واللغوية هي:
(التشقق والتصدع أو التفتت الناتج عن الصوت الخفي)، وليست صوتاً مسموعاً يقف عند
حدود الإزعاج. فإذا وقعت هذه الصيحة على المستوى المادي (كما حدث مع أقوام ثمود
ولوط وشعيب)، فهي صوت هائل مادي ذو تردد مخفي يفتت أجساد الكفار أو يصدع الصخور،
ويُحدث تشققاً وتفتتاً مباشراً في هياكلهم العضوية ومحيطهم المادي، فخروا جاثمين،
وتحولت أجسادهم إلى غثاء أو هشيم محتظر، كنتيجة حتمية لتهتك بنيتهم كلياً. أما إذا
استُخدمت في السياق المعنوي والسياسي (كما في وصف المنافقين)، فهي تعبر عن صوت
الباطل الخفي والمستتر الذي يكاد يشقق ويصدع مجتمع المسلمين لتمزيق وحدته.
فالصيحة، مادية كانت أو معنوية، هي الانهيار الناشئ عن التشقق والتصدع أو التفتت
(الناتج عن الصوت الخفي) والذي لا يُبقي للكيان تماسكاً ولا قواماً.
هذا والله أعلم.
([1]) «معجم مقاييس اللغة» (3/ 324): «المعجم
الاشتقاقي المؤصل» (3/ 1196): «المعجم الاشتقاقي المؤصل» (3/ 1199):
([2]) اللغة السريانية: (Payne Smith, J., A Compendious Syriac
Dictionary, Oxford University Press, 1903, p. 476). اللغة العبرية: (Koehler, L., & Baumgartner, W., The Hebrew and
Aramaic Lexicon of the Old Testament, Brill, Vol. 3, p. 1010).
اللغة الأوغاريتية: (del Olmo Lete,
G., & Sanmartín, J., A Dictionary of the Ugaritic Language in the
Alphabetic Tradition, Brill, 3rd ed., Vol. 2, p. 981).
([3]) «تفسير الطبري» (10/ 302): «موسوعة التفسير
المأثور» (11/ 332): «تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي» (4/ 54): «تفسير ابن كمال باشا»
(4/ 93): «التفسير الوسيط - مجمع البحوث» (3/ 1461): «التفسير الوسيط - مجمع البحوث»
(4/ 220):
([4]) انظر في
فيزياء الصوت وظاهرة الرنين: (Kinsler et al., Fundamentals of
Acoustics, 4th ed., 2000, Ch. 1 & 10). وفي ميكانيكا الصخور وهشاشتها الهندسية: (Jaeger
et al., Fundamentals of Rock Mechanics, 4th ed., 2007). وفي الميكانيكا الحيوية للعظام ومخمدات الاهتزاز:
(Nordin
& Frankel, Basic Biomechanics of the Musculoskeletal System, 4th ed., 2012,
Ch. 2).
هل لديك نظرة أخرى
أطرحها هنا كي نستفيد من علمك