أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

تفسير آية كهشيم ٱلۡمُحۡتَظِرِ

 


تفسير آية كهشيم ٱلۡمُحۡتَظِرِ

{ إِنَّآ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ فَكَانُواْ كَهَشِيمِ ٱلۡمُحۡتَظِرِ }  [القمر: 31].

بقلم: علي موسى الزهراني

مقدمة:

يقف المتأمل في المفردة القرآنية أمام دقة الوصف الفيزيائي والحيوي للأحداث التاريخية التي ألمت بالأمم السابقة. تتناول هذه الورقة بالتحليل اللغوي والعلمي قوله تعالى:

{ إِنَّآ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ فَكَانُواْ كَهَشِيمِ ٱلۡمُحۡتَظِرِ }  [القمر: 31].

مع إضاءة ضرورية على قوله تعالى في موضع آخر يصف مآل الحدث ذاته:

{ وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيۡحَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دِيَٰرِهِمۡ جَٰثِمِينَ }  [هود: 67].

تهدف هذه القراءة إلى استقراء الكيفية التي أحدثت بها هذه الموجة الصوتية دماراً بنيوياً في أجساد قوم ثمود، محولة إياهم إلى "هشيم" بالاستناد إلى قوانين الميكانيكا الحيوية وتأثير الموجات الصدمية، مع التأسيس الدقيق على الدلالات اللغوية في التراث.

الهشيم والمحتظر في المعاجم:

شرحنا معنى الحظر في المعجم القرآني وتبين لنا أنه المنع لفئة دون فئة. وتطرقنا إلى لفظة محتظر وقلنا إنه قد يعني صاحب الحظيرة، وقد يقصد به الحظيرة ذاتها، ورجحنا أن المقصد هو الحظيرة ذاتها كما ذهب إلىه الحسن وقتادة.

ما الهشيم؟

يرى أهل التفسير أن الهشيم المحتظر هو العظام المحترقة. وقيل بل هو الرماد المحترق. وقال آخرون بل هو كالحشيش تأكله الغنم. وقيل بل هو التراب الذي يسقط من الحائط.

 ويرى الزجاج أن الهشيم هو ما يبس من الورق وتكسر وتحطم. والمعنى: كان الكفار كالهشيم الذي يجمعه صاحب الحظيرة بعد أن بلغ الغاية في الجفاف ([1])

 الموجة الصوتية وأثرها الفيزيائي على أجسامهم:

بينا في مقال الصيحة، أن الصيحة كانت محدودة التأثير المكاني؛ إذ وقعت على ديار الظلمة منهم فقط وليس على كل الشعب، فأبادتهم وحدهم دون البقية، وكما تقول المرويات إن الصيحة مصدرها جبريل، فهي محدودة وليست مثل التجلي الذي نسف الجبل كاملاً. ونرجح أن النظام قد تشرد فلم يعد هناك سراة يديرون المدينة.

يقدم لنا التطور في علم الميكانيكا الحيوية مقاربة علمية تقرب فهمنا للأثر المادي للصوت الهائل؛ إذ تشير المعطيات إلى أن الموجة الصوتية إذا تجاوزت حاجز 190 إلى 200 ديسيبل، تتحول إلى موجة صدمية تمثل جداراً فيزيائياً من الضغط الجوي يتحرك بسرعة تفوق سرعة الصوت.

فإذا صادف هذا الضغط الصدمي جسماً بشرياً، يُحدث له ما يسمى بالرضخ الضغطي  هذا الرضخ يمزق طبلة الأذن، والرئتين، والأمعاء (الأعضاء المجوفة التي تحتوي على غازات، فتنفجر لعدم قدرتها على التمدد). وعند وصول الضغط إلى العظام، تحدث لها شروخ وكسور جسيمة قد تصل في الحالات القصوى إلى التهشيم الداخلي. وكما أن الأعواد والنباتات اليابسة في الحظيرة (الهشيم) تتحطم بنيتها وتتكسر بمجرد الضغط عليها، كذلك تحطمت البنية الصلبة في أجسامهم تحت تأثير هذه الموجة.

العجيب أن الجلد، لكونه نسيجاً مرناً ولزجاً يحتوي على "الكولاجين والإيلاستين"، يمتلك قدرة على استيعاب وتمرير الموجة الصوتية الضاغطة كالمطاط، مما يجعله أقل عرضة للتمزق الهيكلي المباشر مقارنة بالعظام والأعضاء المجوفة.

بناءً على ذلك، نفهم الوصف القرآني لسقوطهم {جَٰثِمِينَ}، والذي يُفيد لغةً اللزوم والالتصاق بالأرض مع انعدام القدرة على الحركة. فالجلد الخارجي المرن احتفظ بالهيكل العام ومنع تناثر الأشلاء، ومع تحطم البنية العظمية الداعمة والتوقف اللحظي للجهازين العضلي والعصبي، حدث سقوط حر بفعل الجاذبية الأرضية، ليصبحوا جثثاً هامدة ملتصقة بالأرض كالهشيم الجاف المتكسر. هذه الصيحة لم تضرب كل ثمود، بل ضربت الظالمين منهم، وهي صيحة مصدرها جبريل كما تقول المصادر، صيحة ليست مسموعة لأنها أعلى بدرجات من قدرة الأذن على سماعها. ([2])

الخلاصة:

تقدم لنا قوانين الميكانيكا الحيوية والفيزياء الصوتية نافذة علمية مشروعة للتدبر في الكيفية التي أهلك بها قوم ثمود. لقد تعرضوا لموجة صدمية عالية الضغط، دمرت أعضاءهم المجوفة وهشمت عظامهم من الداخل، بينما حافظ الغلاف الجلدي المرن على المظهر الخارجي من التبعثر. هذا الأثر الفيزيائي ينسجم تماماً مع الوصف القرآني لحالتهم؛ إذ سقطوا ملتصقين بالأرض {جَٰثِمِينَ}، وفقدوا صلابتهم وقوتهم فصاروا من الداخل محطمين كحطام النبات {كَهَشِيمِ ٱلۡمُحۡتَظِرِ}. إنها قراءة تؤكد دقة المفردة القرآنية وبلاغتها في نقل الأثر المادي والميكانيكي للحدث، لتصبح الفرضية العلمية خادمة للفهم اللغوي وليست بديلاً عنه. 

هذا والله أعلم.

 



([1]) «تفسير الطبري» (22/ 145):«زاد المسير في علم التفسير» (4/ 201):«موسوعة التفسير المأثور» (21/ 40):

([2]) لخصائص الجلد والميكانيكا الحيوية: (Biomechanics: Mechanical Properties of Living Tissues, Y.C. Fung, 2nd Edition, Springer, p. 277).

للتأثير الميكانيكي للموجات الصدمية (Blast Waves) على العظام والأنسجة: (Blast Injury Science and Engineering: A Guide for Clinicians and Researchers, A.M. Jaffee et al., Springer, 2016, Section: Physics of Blast Waves).

ali
ali
تعليقات
    جاري استحضار النفحات القرآنية...