أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

المعنى المشترك في سداسية "ف، ل، ق" ودوره في فهم آيات القرآن المكرم

 


المعنى المشترك في سداسية "ف، ل، ق" ودوره في فهم آيات القرآن المكرم

بقلم: علي موسى الزهراني



أولاً: المقدمة

الكلمة ليست أصواتاً تُطلق اعتباطاً، ولا مجازاً يُتأول، بل هي محصلة تصادم قوى مادية بسيطة تتسلط على جسم واحد لتشكيله. وقبل الغوص في هذا التشريح المادي، نستعرض ما قالته المعاجم في جذور هذه السداسية.

ثانياً: معاني الجذور في المعاجم (المادة الخام)

1. ق ل ف:

  • مختار الصحاح (الرازي - ج1): (القُلْفَةُ) الغُرْلَةُ، و(قَلَفَ) الشجرة كشط لحاءها.
  • مقاييس اللغة (ابن فارس - ج5): (قلف) القاف واللام والفاء أصلٌ صحيح يدلُّ على تنحية قِشْرٍ عن شيء.

2. ق ف ل:

  • مختار الصحاح (الرازي - ج1): (القُفْلُ) معروف... و(أَقْفَلَ) الباب.
  • مقاييس اللغة (ابن فارس - ج5): (قفل) القاف والفاء واللام أصلٌ صحيح يدلُّ على ضَمِّ شيءٍ وجَمْعِه. من ذلك القُفْل، سُمِّي بذلك لجمعه ما يَشتمِل عليه.

3. ف ل ق:

  • مختار الصحاح (الرازي - ج1): (فَلَقَ) الشيء شقه.
  • مقاييس اللغة (ابن فارس - ج4): (فلق) الفاء واللام والقاف أصلٌ صحيح يدلُّ على شقِّ شيء وإبانة بعضِه من بعض.

4. ل ف ق:

  • مختار الصحاح (الرازي - ج1): (لَفَّقَ) الثوب ضم شُقَّتَهُ إلى الأخرى فخاطهما.
  • مقاييس اللغة (ابن فارس - ج5): (لفق) اللام والفاء والقاف أصلٌ يدلُّ على ضَمِّ شيءٍ إلى شيء. يقال: لَفَّقْتُ الثَّوْبَ.

5. ل ق ف:

  • مختار الصحاح (الرازي - ج1): (لَقِفَ) الشيء تناوله بسرعة.
  • مقاييس اللغة (ابن فارس - ج5): (لقف) اللام والقاف والفاء أصلٌ صحيح يدلُّ على أخذِ شيءٍ وتناوُلِه.

6. ف ق ل (مهمل):

  • لم يرد له ذكر في (مختار الصحاح) ولا (مقاييس اللغة)؛ لانعدام وجوده المادي في الاستعمال.

ثالثاً: القوى المؤسسة للجذور

في هذا العلم الذي ننعته بـ "علم آدم" يكون لكل حرف معنى وقوة، وفي هذه الجذور السداسية "ق، ف، ل" فإن حروفها هي:

  • (ق): قوة التقييد أو التثبيت.
  • (ل): قوة السقوط والصعود.
  • (ف): قوة انعكاس الفعل والارتداد.

رابعاً: هندسة الغطاء (تصادم القوى وتشكيل المادة)

عند دراسة هذه الجذور الستة، سنلاحظ أنها تتفق في تعاملها مع الغطاء، وذلك بناءً على مكان الحروف وتفاعلها مع بعضها، وهي كالتالي:

1. ق ل ف (يَبْني الغطاء): نقطة مثبتة بالأعلى (ق) يسقط منها الجسم للأسفل (ل) ثم يرتد بقوة (ف). هنا القوى تصنع المادة من بدايتها، وبهذا يُبنى الغطاء ويتغلف الشيء.

2. ق ف ل (يُغْلِق الغطاء): قوة التقييد (ق) تسبق الحركة وتمنع انعكاس الفعل (ف) والسقوط والصعود (ل). هنا القيد كتم الحركة تماماً، وبهذا يُغلق الغطاء ويسد المنافذ.

3. ف ل ق (يُمَزِّق الغطاء): قوة انعكاس الفعل (ف) تتحد مع السقوط (ل) لتصطدم بعنف وقوة بحاجز التقييد (ق). هذا التعارض بين قوى الحركة وقوة الثبات يُمزق الغطاء ويشق الجسم بضربة خارجية.

4. ل ف ق (يَطْوي الغطاء): قوة سقوط وصعود (ل) تتبعها قوة انعكاس الفعل (ف) للبحث عن استقرار، حتى تصل إلى قوة التقييد (ق). هنا يُطوى الغطاء وتُضم حوافه لتلتحم وتُخاط.

5. ل ق ف (يَحْتَجِز بالغطاء): سقوط للشيء نحو الأرض (ل)، فتغيرت حركته للأمام بسبب دفع الأرض وتصادمها مع القيد (ق) فانطلق للأمام وتناول ما أمامه، ثم عاد وانعكس (ف) لوجود قوة التقييد التي تربطه وتمنعه من الذهاب، فصار اللقف.

6. ف ق ل (لا يعمل): يستحيل مادياً أن يظهر هذا الفعل، وسوف نشرحه في فقرة مفصلة.

خامساً: زلل المعاجم في قلف

رأينا أن السداسيات في "ق ل ف" تتفق على معنى التغطية في كل جذورها. لكن المعاجم تقول إن قلف يعني تقشير لحاء الشجرة، أي العكس؛ ليس التغطية، بل نزع الغطاء. ثم يقولون إن هناك القلف وهو لحاء الشجرة الذي يغطي السيقان، بل يقولون إن قلفة هي الجلدة التي تغطي عضو الذكر، وأن الأقلف هو الذي لم ينزع غلافه الذكري. وبهذا هم في "القلفة" و"الأقلف" يتناقضون مع التقشير، ويؤكدون صحة السداسيات في أن الأصل هو التغطية وليس النزع، كما ورد في كل السداسيات (ق، ل، ف).

سادساً: الاستحالة المادية (الجذر المهمل: ف ق ل)

  • المعادلة المرفوضة: قوة انعكاس الفعل (ف) تتقيد وتثبت (ق) قبل أن تسقط أو تصعد (ل).
  • التفسير: غلاف ارتد على نفسه وتقيد في نقطة واحدة قبل أن يبدأ حركته وسقوطه. في هذه الحالة، يتحول الغطاء إلى العدم؛ فقد ابتلع نفسه وانعدمت أبعاده، ولذلك أسقطه لسان آدم لأنه مستحيل الوجود ماديًا.

سابعاً: المحصلة والسبب النهائي

المحصلة هي: التفاعل مع الغطاء.

السبب: يكمن السبب في ظهور الغطاء في حرف القاف الذي هو المقيد والمثبت، ومن ثباته يتكون الغطاء وينشأ أو يُعدم. فوجدنا أنه قد يبني الغطاء في "قلف"، أو يغلق الغطاء في "قفل"، أو يطويه في "لفق"، أو يفكه في "فلق"، أو يحتجز به في "لقف"، أو يعدمه من الوجود في "فقل". والعربي لم يدرك هذا فيحلل، بل هذا مغروس في فطرته من نفخة آدم أو ربما في الأسماء التي تعلمها بعد ذلك، فتوارثها بعض أحفاده.

ثامناً: الشواهد القرآنية على سداسية الغطاء

وردت ثلاثة جذور من هذه السداسية في النص القرآني، وجاءت مطابقة تماماً لتسلسل القوى وتشكيل الأغطية:

1. الجذر (ف ل ق) - تمزيق الغطاء بضربة من الخارج: الفلق هو ضربة قادمة من الخارج؛ تبدأ بارتداد وانعكاس (ف)، ثم سقوط (ل)، لتهوي على غطاء مقيد (ق) فتمزقه:

  • انفلاق البحر: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾ [سورة الشعراء: 63]. علمياً، سطح الماء له غطاء متماسك يسمى (التوتر السطحي). ارتدت يد موسى بالعصا للخلف (ف)، ثم سقطت وهوت من الخارج (ل)، لتضرب نقطة القيد (الغطاء المائي المتماسك) وتكسره (ق)، فانفلق البحر.
  • فلق الإصباح: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾ [سورة الأنعام: 96]. تبدأ العملية بارتداد وانعكاس ضوء الشمس (ف)، ثم سقوطه نحو الأرض (ل)، ليصطدم بغطاء الليل المظلم (الغلاف الجوي) فيمزقه ويكسره (ق). نتيجة تمزق هذا الغطاء هي ظهور المادة التي نراها ونسميها "الإصباح".

2. الجذر (ق ف ل) - بناء غرفة الإغلاق المحكمة:

القفل بناء هندسي محكم ومغلق من الداخل. يبدأ الأمر بالتقييد (ق)، فيحاول الارتداد (ف) أن يعمل، ولكنه يفشل، وينتج عن فشل الارتداد حركات صاعدة وهابطة (ل) تتخبط بالداخل، فتتكون غرفة محيطة بالقيد محكمة الإغلاق.

  • ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [سورة محمد: 24]. ولأن القفل "غرفة محكمة من الداخل" ابتلعت الارتداد والسقوط، فلا تستطيع أي قوة خارجية أن تفلقه لأنها ليست قشرة فلقية يسهل تمزيقها.

3. الجذر (ل ق ف) - الاحتجاز الأفقي بالغطاء:

ترتيب القوى يصف السقوط الذي يتحول إلى احتجاز سريع لمنع الارتداد:

  • ﴿فَأَلْقَىٰ مُوسَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ [سورة الشعراء: 45]. المشهد أفقي؛ سقطت العصا (ل) على الأرض، فتغيرت حركتها للأمام بسبب دفع الأرض وتصادمها مع القيد (ق) فتناولت ما أمامها، ثم عادت وانعكست (ف) لوجود قوة التقييد التي تربطها وتمنعها من الذهاب، لتغلق الغطاء تماماً وتحتجز السحر بداخلها.

وبهذا يتبين أن هذه الجذور هي الأكثر انسجاماً وتعبيراً عما حدث لبحر موسى، وحبال السحرة، وظهور ضوء الصبح، وانشقاق غلاف الثمرة، ولهذا استخدم القرآن هذه الجذور الثلاثة من سداسيات "ق، ل، ف".

الخلاصة:

إن هذه السداسية تثبت مدى الانسجام الهائل في الحروف العربية، وأنها آلات تصور عالم الطبيعة كما هو. وأن آدم لم يتفوق بمعرفة أسماء اعتباطية، بل كان ينعت أي سلوك أمامه بثلاثة أحرف فقط، وتوارثها بعض البشر من ذريته، وكل من تعلم العربية صار ابن آدم البار والأكثر ذكاءً.

هذا والله أعلم.

 

ali
ali
تعليقات
    جاري استحضار النفحات القرآنية...