أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

جناية النحاة في "عَسَى" والتصحيح القرآني

جناية النحاة في "عَسَى" والتصحيح القرآني

بقلم: علي موسى الزهراني



مقدمة:

تخيل أنك تقف أمام حدث عظيم، تراه يتشكل أمام عينيك، وتشم رائحة اقترابه، وتدرك حتمية وقوعه.. ثم يأتيك من يصف حالتك هذه بأنك مجرد إنسان "يرجو ويتمنى"!

هذا هو التضليل الذي مارسه النحاة القدامى بكلمة (عَسَى)؛ لقد سلبوها حركتها المادية وحولوها إلى عاطفة شعورية مائعة. هذا المقال يعيد رصف "فيزياء الاقتراب" في اللسان العربي ويهدم أصنام التقسيم التراثي التي قامت على "المشاعر" لا على "حركة المادة".


أولاً: عسى  المعاجم

عند الغوص في أمهات المعاجم، نجد وصفاً لـ "الأثر المادي" الذي يصاحب نضج الشيء واقترابه من تمامه:

1. لسان العرب (ابن منظور): "عَسَا الشَّيْءُ يَعْسُو عَسْوًا: أَيْ غَلُظَ. وعَسَا النَّبَاتُ إِذَا غَلُظَ وَيَبِسَ... وعَسِيَتِ الْيَدُ: إِذَا غَلُظَ جِلْدُهَا مِنَ الْعَمَلِ". (مادة: ع س و).

2. مختار الصحاح (الرازي): "عَسَا الشَّيْءُ... أَيْ غَلُظَ". (مادة: ع س و).

3. مقاييس اللغة (ابن فارس): "العين والسين والحرف المعتل أصلٌ صحيح، وهو يدلُّ على مَضاءٍ في الشَّيء وقُوَّة". (ج4، مادة: ع س و).

النقد المادي: المعاجم رصدت الغصن أو اليد وهي "تقترب من كمالها وتمامها" (في النضج أو العمل) فلاحظت غلظها وقوتها. المحرك الأول للجذر ليس الصلابة بذاتها، بل هو: (الاقتراب من التمام والظهور النهائي).


ثانياً: الكتلة الثنائية (عَسْ) - فيزياء الوصول والهدف

الكتلة (عس) هي محرك (البروز الساري نحو غاية)، وتظهر في أبناء عمومتها بوضوح ميكانيكي:

  • عَسَسَ (لسان العرب): "عَسَّ يَعُسُّ عَسّاً: طاف بالليل يَبْحَثُ عن أَهل الريبة". (سعي نحو هدف محدد في العتمة).
  • عَسَرَ: حركة نحو الهدف اصطدمت بضيق المسار (انغلاق مادي).
  • عَسَلَ (لسان العرب): "عَسَلَ الرُّمْحُ يَعْسِلُ عَسَلاناً: إِذَا اضْطَرَبَ وَهَزَّ". (اضطراب المادة وسريانها البارز وهي تنطلق بسرعة قصوى نحو "هدف منشود" لتستقر فيه).
  • عَسَى: اقتراب ظهور الحدث ووصوله الحتمي إلى التمام.

ثالثاً: تشريح النواة (الانطواء الدخاني)

بتفكيك حروف (ع - س - ى)، نجد الهيئة الميكانيكية التالية:

  • العين (ع): متجه البروز، وانشقاق المادة في الواقع.
  • السين (س): متجه السيولة، والسريان، والاندفاع السلس.
  • الألف المقصورة (ى): الانطواء الدخاني. وهي تعني أن هذا (البروز) وذاك (السريان) قد ظهرا كـ "دخان" للحدث؛ أي أن بوادر النتيجة ظهرت واقتربت جداً، ولم تظهر "ناره" (الوقوع الكلي) بعد، لكن ظهور الدخان يقطع الشك باليقين في قرب النار.

رابعاً: فيزياء الاقتراب (الفارق بين كاد وعسى)

1. كَادَ (الاقتراب الممانع): من (الكَوْد) وهو الجهد. اقتراب برغبة، يلامس الحافة ثم يتوقف أو يتراجع لسبب ما. أما الآية {وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} فهي تؤكد ذلك فنفيٌ لـ "إرادة الاقتراب"؛ أي أنهم لم يقتربوا من الفعل بطواعية نهائياً، بل سيقوا لفعل الذبح قسراً.

2. عَسَى (الاقتراب النافذ): اقتراب (دخاني) أي يراه المراقب الجيد، وهو يزحف ليعبر الحافة وسوف يتم تنفيذه قريباً.


خامساً: الشواهد القرآنية (تؤكد استحالة معنى الرجاء)

  • ﵟهَلۡ عَسَيۡتُمۡ إِن كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِتَالُ أَلَّا تُقَٰتِلُواْۖﵞ [البقرة: 246] أي هل لو قرر عليكم القتال ستقتربون بمماطلة لكي ترفضوا القتال.
  • ﵟعَسَىٰٓ أَن يَكُونُواْ خَيۡرٗا مِّنۡهُمۡ ﵞ [الحجرات: 11]  إن هؤلاء الذين تسخرون منهم عما قريب سيصبحون خيراً ممن يسخرون.
  • {فَعَسَىٰٓ أُوْلَٰٓئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُهۡتَدِينَ}: الهداية ليست أمنية، بل هي حدث برز دخانه واقترب من التمام في هؤلاء الذين حققوا شروط العمارة.
  • ﵟعَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوۡ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدٗاۚﵞ [يوسف: 21]  العزيز يعلم يقيناً أن يوسف سيكون مفيداً لهما، لقد لاحظ تصرفاته، وهو يقول لامرأته، لقد اقترب موعد الاستفادة من هذا الغلام، فقد استرد صحته وقد علمته ما يجعله أكثر نفعاً.
  • ﵟعَسَىٰٓ أَن يَبۡعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامٗا مَّحۡمُودٗا ﵞ [الإسراء: 79]  يخبر المولى الرسول أنه قد اقترب موعد رحيله عن مكة إلى المدينة المقام المحمود، حيث يحمده الناس فيها.
  • ﵟوَأَنۡ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقۡتَرَبَ أَجَلُهُمۡۖﵞ [الأعراف: 185] أي قد اقترب أن يبت في أمر حياتهم فيقترب أجلهم.
  • ﵟقُلۡ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ قَرِيبٗاﵞ [الإسراء: 51] يسألون متى يعودون للحياة، فيخبرهم الرسول أنه قريب في الحدوث، فقد انطلق "انطلاق الساعة" وهو قريب الحدوث.
  • ﵟفَصَبۡرٞ جَمِيلٌۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأۡتِيَنِي بِهِمۡ جَمِيعًاۚ ﵞ [يوسف: 83]  يعقوب يوقن ولا يتمنى هو شاهد العلامات التي تؤكد اقتراب موعد لقاء الأحبة، لهذا قال عسى وهو موقن، فهو لا يتمنى.

الخاتمة

(عَسَى) في القرآن ليست صرخة يأس أو أمنية معلقة؛ بل هي مؤشر قياس دقيق يرصد "نضج الخطط". هي الإعلان الحاسم عن أن الحدث قد انسلخ من العدم، وبدأ سريانه، وظهر دخانه، وأنه يزحف حثيثاً نحو نقطة التمام والوقوع. (عسى) هي الدخان الذي يسبق الحقيقة المادية بيقين مطلق.

وما بذله النحاة من جهود هي هائلة يشكرون عليها، ولكن ليس كل ما قالوه صحيحاً، فما ذهب إليه النحاة من أن عسى هي الترجي، هو باطل، وما ذهب اللغويون من أن عسى هو الشدة والغلظة، هو نتيجة وليس الأصل الأول، وأن عسى هو الاقتراب الشديد من تمام الفعل وظهور النتيجة، وفعل مؤكد ويقني وعكس كاد الذي هو يقترب جداً ولا يحدث أبداً.

هذا والله أعلم.

ali
ali
تعليقات
    جاري استحضار النفحات القرآنية...