أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

أين الكرسي، ولماذا لا نراه

 

أين الكرسي، ولماذا لا نراه

بقلم: علي موسى الزهراني



مقدمة:

لطالما أُخضع مصطلح "الكرسي" في التراث التفسيري لتأويلات مجازية وتجريدية أبعدته عن حقيقته المادية الصارمة؛ فبين من حصره في معنى "العلم" ومن جعله استعارة مجردة للـ"مُلك"، غابت البصمة الفيزيائية الدقيقة لهذا الجرم. في هذا المقال، نُخضع الكرسي القرآني لمبضع التشريح المادي، لنعيده إلى أصله كـ"وعاء احتواء راسي ومحكم". ومن خلال مطابقة هذه الخصائص اللغوية والحركية مع الحقائق الفلكية للغلاف المغناطيسي الأرضي، والتشريح الفيزيائي لحديث "الترس" النبوي، والأدلة الآثارية للأوعية القديمة؛ نثبت أن لغة القرآن هي حقيقة مادية ناطقة لا تقبل الاعتباط أو المجاز.

الكرسي في المعاجم:

كرس أصل صحيح يدل على تلبد شيء فوق شيء وتجمعه. والكرس ما تلبد من الأبعار والأبوال في الديار. والكراسة من هذا لأنها ورق بعضه فوق بعض. والكروس هو العظيم الرأس، كأنه تجمع جمعاً كثيفاً. والكركسة هو ترديد الشيء. والكِرس هو القلائد المضموم بعضها إلى بعض. وتكرس الشيء أي تراكب وتلازب. وتكرس أس البناء أي صلب واشتد. والكرسي سمي بذلك من كثرة الجلوس عليه([1])   

رأي أهل التراث والتفسير في آية الكرسي:

يرى أهل التراث والتفسير أن "يَئُودُهُ" تعني يثقل عليه، وقيل، بل لا يفوته شيء مما في السموات والأرض. وقيل، بل يشق عليه أو يصعب أو لا يعز عليه. ويرون أن الكرسي هو العلم، وقيل الكرسي هو ما دون العرش، والكرسي هو أوسع من السماوات والأرض، وأن السموات السبع كأنها حلقة ملقاة في فلاة بالنسبة للكرسي، والكرسي مثل ذلك بالنسبة للعرش. وقيل إن الكرسي هو موضع القدمين، وأن للكرسي أطيط كأطيط الرحل، أي صوتاً حين يُجلس عليه. وقيل إن السماوات والأرض في جوف الكرسي وأن الكرسي بين يدي العرش وهو موضع قدميه. وقيل الكرسي الذي يوضع تحت العرش الذي يجعل الملوك أقدامهم فوقه. ونسب للرسول حديث: "ما السماوات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس". وقيل الكرسي هو نفسه العرش([2])

ما أصل كرس؟

عندما نريد أن نفكك "كرس" الثلاثي، إلى الثنائي الأصلي، فلا ندري هل هو "ك ر" أضيف له حرف س، أم "رس" سبقه حرف الكاف. فإذا نظرنا للكرسي جيداً نجده مقاعد راسية على الأرض، وليس فيها كر وفر، فهو مادة ثابتة لا تتزعزع. ولهذا فإن الكتلة الثنائية الصحيحة هي (رس) ثم أضيف لها حرف الكاف لاحقاً.

هل المجال المغناطيسي هو الكرسي؟

هناك معلومات فلكية مؤكدة، تتماهى مع ما تشير إليه الآيات من أعمال الكرسي والعرش، فهل الكرسي هو المجال المغناطيسي للأرض والغلاف الجوي؟

يتولد الغلاف المغناطيسي (نظرية الدينامو) من حركة الحديد والنيكل المنصهرين، لأنهما موصلان للكهرباء، ومع الحركة والدوران يتولد تيار حمل حراري، فيتحرك الحديد بسرعة، فيصبح سائل الحديد كأنه دينامو فيولد تيارات كهربائية هائلة، وهذه التيارات تنتج مجالاً مغناطيسياً قوياً يحيط بالأرض وغلافها، وهو الغلاف المغناطيسي.

أحزمة فان ألن هي درع طاقي طبيعي يحيط بالأرض، يعمل كوعاء يحفظ الغلاف الجوي والأرض من التبعثر. يثبت هذا الدرع قاعدته في نواة الحديد بمركز الأرض، مما يجعله بناءً راسخاً يحمي الكوكب من الإشعاعات الكونية والرياح الشمسية، ويمنع مادة السماء والأرض من الضياع في الفراغ الكوني ([3]) .

ما هي وظائف المجال المغناطيسي الأرضي؟

  • حماية الأرض من الأشعة (الرياح الشمسية) أو الأشعة الكونية الأخرى.
  • صد معظم الجسيمات من دخول الأرض.
  • حماية الغلاف الجوي (السماء): يحمي الغلاف المغناطيسي الأرض ويحمي الغلاف الجوي الذي يسميه القرآن السماء، فيمنع تآكل غازات الطبقات العليا من الغلاف الجوي (السماء) وتسمى هذه العملية "تآكل الغلاف الجوي". كما يحافظ الغلاف المغناطيسي على توازن الغلاف الجوي وذلك باستمرار طبقة الأوزون التي تحمي الأرض من الأشعة فوق البنفسجية. ولولا الغلاف المغناطيسي لتآكل الغلاف الجوي ولصار كوكب الأرض مثل كوكب المريخ الذي كان به غلاف جوي تآكل لعدم وجود غلاف مغناطيسي.

لماذا لا نرى الكرسي؟

من خلال هذه المعلومات عن هذا المغناطيس العظيم الذي يستوعب الأرض والسماء (الغلاف الجوي) أي أنه لا يحيط بالأرض والغلاف الجوي فقط، بل يستوعبهما أي يسعهما كما تقول آية الكرسي، فهما مجرد قطعة صغيرة داخل مساحة عظيمة، فلماذا لا نرى الكرسي؟

الذي يدعم قولنا هذا أن الكرسي والعرش كما يظهر من الآيات ليسا كواكب أو نجوماً أو جرماً ظاهراً من الأجرام السماوية، بل هو من الأشياء التي لا تُرى، رغم أن الكرسي يحتوي الأرض والسماء وكان من المفروض أن يكون مرئياً فوقنا، ولهذا نرجح بقوة أن الكرسي هو هذا المغناطيس الهائل.

ولفظة كرسي مناسبة، فإن أصروا على أن كرسي من التكرس أي التكتل والتجمع فهذا الكرسي العملاق قد تكدس في القاع بحديده ونيكله. وإن كان كما نجزم وعاءً تم إرساؤه "ك + رس" فإن هذا المجال المغناطيسي الهائل هو وعاء مُرسىً بقوة بكتل الحديد والنيكل. يحمي الأرض والغلاف الجوي من كل المخاطر.

الكرسي والكراسة على شكل وعاء في الحضارات القديمة

1. مصر القديمة – كرسي الولادة الحجري

الشكل: وعاء حجري مفتوح بلا ظهر، فيه تجويف أمامي على هيئة حدوة حصان. تجلس المرأة داخله وكأنها داخل سلّة حجرية.

التاريخ: منذ الدولة الحديثة حوالي 1550 ق.م. المصريون أول من صممه.

الأدلة: نقش في معبد كوم أمبو يصوّر امرأة على كرسي ولادة حجري، ونقش في معبد دندرة، وخمسة نماذج في متحف جاير أندرسون بالقاهرة تعود للعصر العثماني.

إعادة بناء لكرسي الولادة الفرعوني – شكل الوعاء المفتوح

كرسي توت عنخ آمون الأصلي – المتحف المصري بالقاهرة

4. آسيا – كرسي الباباسان السلة-الوعاء

Papasan chair: يُعرّف بأنه "كرسي كبير على شكل وعاء". أصله من كراسي الخيزران في الفلبين واليابان، حيث يُنسج المقعد كنصف كرة يحتضن الجالس – نفس رمزية الاحتواء الفرعونية.

كرسي باباسان على شكل وعاء

خلاصة

الحضارة

شكل الكرسي-الوعاء

الوظيفة الرمزية

مصرية فرعونية

حجر مفتوح بحدوة حصان

احتواء المرأة = رحم حجري

رافدينية/إسلامية

وعاء خزفي مرسوم عليه عرش

الملك محمول داخل الوعاء

رومانية

كرسي بفتحة فوق جرة

احتواء الجسد وفضلاته

آسيوية

سلة خيزران نصف كروية

احتواء مريح للجسد

 

 

أوعية حفظ الكتب والأوراق في العصور القديمة

الكتاب في العصور القديمة لم يُحفظ على رف، بل داخل وعاء يحميه من الرطوبة والحشرات والضوء. كل حضارة اخترعت الوعاء المناسب لمادة الكتابة لديها.

1. مصر والشرق الأدنى – الجرة الفخارية

أقدم لفافة هي يوميات مرر (2568 ق.م). لفائف البحر الميت وُجدت داخل جرار أسطوانية في قمران. تحليل بقايا بردٍ على غطاء جرة أثبت الاستخدام للحفظ.

2. بلاد الرافدين – السلة والمغلف الطيني

الألواح المسمارية حُفظت في سلال قصب، جرار فخارية، ونيشات طينية. كما استُخدم "مغلف طيني" يغلف اللوح ويُختم.

3. اليونان وروما – الكبسولة والصندوق

Capsa: علبة جلدية أسطوانية محمولة. Scrinium: صندوق خشبي وُجد في هركولانيوم وفيه 18 لفافة. Cista: سلة خوص.

4. الصين القديمة – صندوق اللك

شرائح الخيزران حُفظت في صناديق خشبية مطلية باللك من عهد أسرة هان.

خلاصة

الحضارة

وعاء الحفظ

المادة

مصرية

جرة فخار

بردية

رافدينية

سلة/جرة + مغلف طين

لوح طين

رومانية

capsa / scrinium

لفافة

صينية

صندوق لك

خيزران

 

معجزة حديث الرسول:

روي عن الرسول عليه السلام قوله: "ما السمواتُ السبعُ في الكرسيِّ إلا كدراهمَ سبعةٍ أُلقيت في ترسٍ"([4]) واستخدام الرسول لهذا المصطلح "ترس" هو أعظم تقريب لحقيقة الكرسي.

فبداية نجد أن كرس وترس وغرس ودرس وفرس وخرس وضرس، كلها أبناء عمومة يربطها الكتلة (رس)، والرس هو قاعدة الثبات والرسو، فعندما تضيف حرفاً واحداً لهذه الكتلة فأنت تتعامل مع الرس "الرسو" تعاملاً خاصاً حسب أثر الحرف. ففي غرس، يعني غيبت قاعدة الثبات أسفل التراب لأن (غ) هو التغييب. وفي درس فأنت محوت قاعدة الرسو، وفي ضرس فإن القاعدة تتعرض للضغط الجانبي كما في ضرس الأسنان. وفي خرس فإن هناك ضغطاً على قاعدة النطق تمنع الكلام، وهكذا بقية الجذور.

وهذا واضح في ترس، فحرف التاء هو تكرار وترداد للفعل على الرس، وهذا مُلاحَظ فالترس هو الدرع الذي يقبضه المقاتل فهو راسٍ بقوة يده، ولكن يتعرض للضربات المتكررة والمترددة.

ونلاحظ أن الترس "الدرع" ذو شكل متقوس مثل الكرسي السماوي تماماً، لهذا استخدم الرسول شكل الترس ليقرّب الصورة من السامعين، بل بيّن حجم الأرض والسماوات التي تساوي حجم الدراهم، بحجم الترس الذي يساوي حجم الكرسي السماوي.

العجيب أن الترس والكرس السماوي يقومان بنفس الوظيفة وهي حماية من خلفهما، فالترس يحمي المقاتل، والكرسي يحمي السماوات "الغلاف الجوي" والأرض.

تفسير آية الكرسي:

{وَسِعَ كُرۡسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۖ وَلَا يَـُٔودُهُۥ حِفۡظُهُمَاۚ وَهُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡعَظِيمُ }  [البقرة: 255].

بعد كل هذه الأدلة العلمية التي تؤكد حقيقة الكرسي السماوي، وأنه وعاء يحمي الأرض والسماء، فإن آية الكرسي تتضح بكل سهولة ويسر، بل نجد أن الفهم التقليدي لها قد ابتعد كثيراً في بعض الجوانب، وإليك الشرح:

الآية تقول إن الله جل جلاله جعل الكرسي لكي يحمي الأرض، بالإحاطة كوعاء حولهما، ولا يَئُودُهُ أي لا يتعرض للانبعاج والانعواج أثناء هذا الحفظ فهو يحفظهما من الشر، دون أن يتعرض للضرر، وهذا الكرسي هو العلي العظيم -كما نرجح- والعلو ليس الارتفاع، بل العلو هو القدرة القتالية والتسلح الهائل فلديه من الأسلحة ما يجعله قادراً على الحماية. وهو العظيم فهو كرسي عظيم مثل العرش العظيم والفوز العظيم.

كرسي سليمان:

{ وَلَقَدۡ فَتَنَّا سُلَيۡمَٰنَ وَأَلۡقَيۡنَا عَلَىٰ كُرۡسِيِّهِۦ جَسَدٗا ثُمَّ أَنَابَ }  [ص: 34].

شرحنا هذه الآية سابقاً وقلنا إن الجسد هو مادة الملائكة التي تتكون منها وأن البشر أجسام لا أجساد، فقد ألقى المولى هذا المَلَكَ على كرسيه فصار في حماية عظيمة من خطر الجن والإنس، بل صار لا يمرض مطلقاً لموت الجراثيم قبل الوصول إليه، انظر الشرح هناك.

والكرسي هو كرسي الملك من خلاله يمتد ذراعه إلى كل مكان فيده تبطش أو تُنعم على الرعية، لهذا نرجح أن كرسي سليمان هو كرسي الملك يجلس عليه ليدير البلاد والعباد.

الخلاصة:

من خلال هذه الأدلة اللغوية والعلمية والآثارية يتبين لنا بشكل جازم أن جذر (كرس) هو الوعاء الراسي، فقد كان الكرسي قديماً يُصنع على شكل وعاء يجلس فيه الحاكم ويحيط به من كل جانب. بينما وجدنا الكراسة –بالصور– هي الوعاء الطولي الذي تُحفظ فيه أوراق العلم والمعرفة، وأن هذا الكرس تحول إلى (كرسي) دخلت عليه الياء المنطوية لتؤكد أن من يدخل في الكرسي يطوي ويثني جسمه أثناء جلوسه، بينما في أوعية العلم (الكراسة) فقد دخلت الألف الممدودة لتؤكد أن ذلك الوعاء على شكل طولي حتى يستوعب اللفائف والأوراق قديماً.

هذا والله أعلم


([1]) «معجم مقاييس اللغة» (5/ 169): «المعجم الاشتقاقي المؤصل» (4/ 1885):

([2]) «تفسير الطبري» (4/ 537):«موسوعة التفسير المأثور» (4/ 458): «تفسير القرآن الثري الجامع» (1/ 511):

([3])  (Kallenrode, M. B. 2004).

([4]) الراوي: زيد بن أسلم • ابن كثير، البداية والنهاية (١/١١) • مرسل • أخرجه الطبري في ((التفسير)) (٤/٥٣٩)، وأبو الشيخ الأصبهاني في ((العظمة)) (٢/٥٨٧) بلفظه

ali
ali
تعليقات
    جاري استحضار النفحات القرآنية...