البروز في القرآن وعلاقة البرزخ به
بقلم: علي موسى الزهراني
مقدمة:
لولا النص القرآني المحكم، لضاعت البنية
الفيزيائية الدقيقة للسان العربي في دهاليز الشعر والمجاز. القرآن الكريم يحفظ
"الحالة الحركية والمادية" للكلمة كما نطقها الإنسان الأول حين راقب
الطبيعة. ومن أعجب الأسرار التي تكشفها المنهجية المادية أننا اعتدنا على تفسير
الكلمات وفق ما تراه أعيننا (النتيجة البصرية)، لا وفق ما يحدث للكتلة من حركة
مادية حقيقية. كلمة (البروز) تم تفسيرها لقرون على أنها (الظهور والانكشاف)، بينما
الحقيقة الكامنة في جذورها تروي قصة أخرى تماماً؛ قصة اندفاع، وضغط، وقوة طاردة
للكتلة.
البروز في المعاجم المعتمدة:
عند العودة إلى المادة الخام في المعاجم
الأصيلة التي ترصد الاستعمال المادي، نجد الإمام الرازي يقول: "ب ر ز: خرج
إلى البَراز وهو الفضاء"([1]) . بينما حاول ابن فارس التقاط الأثر فقال: "الباء والراء
والزاي أصلٌ واحدٌ، وهو ظُهور الشيء وبُدُوُّه"([2]) .
المعاجم هنا رصدت "النتيجة
النهائية" (الخروج إلى الفضاء)، لكنها لم تفسر المحرك الذي دفع هذه الكتلة
لتخرج من الأصل. فالذي نفهمه من الجذر مادياً أنها كتلة (ب) في حالة حركة متكررة
(ر) وبسبب وجود ممر ضيق جداً (ز) فهي تبرز؛ أي تندفع وتنفصل عن الحيز الذي كانت
به.
تحليل الكلمة بـ (فيزيائية الحروف):
لتفكيك المحرك المادي لجذر (ب ر ز)، نضعه
على طاولة البحث وفق المتجهات الحركية الثابتة:
- (ب): الجرم المادي (الكتلة المتمركزة).
- (ر): السريان والتدفق (الحركة المندفعة).
- (ز): الحركة والضغط
النتيجة لـ (ب ر ز): هي كتلة مادية (ب)
تتدفق وتندفع (ر) لتخرج عبر مسار ضيق (ز) تحت تأثير ضغط هائل. الضغط الهائل يجعل
المادة تندفع بقوة بعيداً كما يندفع الماء من أنبوب ضيق بسبب دفع داخلي وبسبب ضيق
المسار لكتلة من مكان محتقن، سواء كان هذا الضغط داخلياً (احتقان نفسي أو مادي) أو
خارجياً (قوة قاهرة تدفع الكتلة). الانكشاف والظهور هو أثر لاحق قد يحدث وقد لا
يحدث، وليس أصل الكلمة.
[الإسقاط الطبيعي]:
راقب الإنسان الأول حركة المادة في
الطبيعة، فرأى الماء المحتبس في تجويف الأرض يغلي ويحتقن، ثم يندفع (ر) ككتلة (ب)
ليُطرد عبر الشقوق والمضايق الصخرية (ز) كنافورة قوية، أو كخروج الحمم المحتقنة من
فوهة البركان. هذه الحركة المادية الصارمة للاندفاع من المضيق تحت الضغط هي التي
ألهمته لتسمية هذا الحدث الحركي بـ (البروز).
الشرح المادي للآيات القرآنية:
القرآن الكريم يطبق هذا القانون
الفيزيائي (الاندفاع من مستوعب عبر ممر ضيق جداً نتيجة ضغط داخلي) بصرامة بالغة في
كافة مواضعه، ويمكن تقسيمها إلى الحالات التالية:
أولاً: الاندفاع بالضغط النفسي والعسكري
(الطرد الذاتي)
- {وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ
وَجُنُودِهِۦ قَالُواْ رَبَّنَآ أَفۡرِغۡ عَلَيۡنَا صَبۡرٗا وَثَبِّتۡ أَقۡدَامَنَا وَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ} [البقرة: 250]
الشرح المادي: لا نعلم يقيناً ما الذي حدث قبل المعركة، لكن المؤكد مادياً أن
القوم كانوا في مكان ضيق وحالة احتقان شديدة (سواء ضيق مادي في التضاريس والتموضع،
أو ضيق نفسي). هذا الضغط المروع دفع الكتلة البشرية (ب) للتدفق (ر) والاندفاع من
هذا المضيق (ز) نحو قوة جالوت. الرعب والضغط الذي دفعهم للبروز هو ذاته الذي جعلهم
يتضرعون طالبين الإفراغ عليهم بالصبر.
- {وَيَقُولُونَ طَاعَةٞ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنۡ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٞ مِّنۡهُمۡ غَيۡرَ ٱلَّذِي تَقُولُۖ...} [النساء: 81]
الشرح المادي: المنافقون داخل المجلس يعيشون حالة من الاحتقان والضغط النفسي
الخانق؛ فبيئة الوحي تلزمهم بالمشاركة المالية والعسكرية وتخنق نفاقهم. هذا الضغط
يولد قوة طاردة تجبرهم ككتلة (ب) على الاندفاع (ر) عبر مضيق الباب (ز) من هذا
الاحتجاز. البروز هنا هو تفريغ لضغط المجلس، ولهذا بمجرد خروجهم وانفصالهم، بيّتوا
عكس ما التزموا به تحت الضغط.
ثانياً: الطرد القسري تحت ضغط (القدر
الحتمي)
- {...قُل لَّوۡ كُنتُمۡ فِي
بُيُوتِكُمۡ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقَتۡلُ إِلَىٰ
مَضَاجِعِهِمۡۖ...} [آل عمران: 154]
الشرح المادي: لو قُدر الأجل في تلك الساعة وهم قابعون في مضاجعهم، فإن الموت
(القدر) يعمل كقوة ضاغطة هائلة. هذه القوة تدفع البشر لمحاولة الاندفاع من مضايق
بيوتها وحصونها الآمنة. ببساطة، ظهور علامات الموت فيهم، حتى لو كانوا في مضاجعهم
سيجعلهم يحاولون الخروج من مكانهم لطلب النجدة أو الاندفاع من خطر يقتلهم، لكن لن
ينفع فقد كُتب عليهم الموت.
ثالثاً: الطرد الكوني والانفجار العظيم
(يوم القيامة)
- {وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعٗا فَقَالَ ٱلضُّعَفَٰٓؤُاْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُوٓاْ...} [إبراهيم: 21]
- {يَوۡمَ تُبَدَّلُ ٱلۡأَرۡضُ غَيۡرَ
ٱلۡأَرۡضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُۖ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ ٱلۡوَٰحِدِ ٱلۡقَهَّارِ}
[إبراهيم: 48]
- {يَوۡمَ هُم بَٰرِزُونَۖ لَا
يَخۡفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنۡهُمۡ شَيۡءٞۚ...} [غافر: 16]
الشرح المادي: خروج البشر من القبور يسمى قرآنياً بالبعثرة (بُعثر ما في القبور)،
أما (البروز) هنا فهو يوثق المشهد التالي للبعثرة. تكون الكتل البشرية في مناطق
خطيرة ومضايق جغرافية (أودية، جبال متصدعة، كهوف). الغليان الكوني يدفع هذه
البشرية للاندفاع (ر) من هذه المضايق (ز) نحو ساحة المحشر الفسيحة. وحرف اللام في
(لله) يفيد الغاية؛ أي برزوا لأن الله أراد جمعهم وحشرهم، ولا يعني أبداً أنهم
كانوا غائبين عن بصر الله ثم ظهروا له. حاشا لله.
وأما قوله تعالى {لَا يَخۡفَىٰ عَلَى
ٱللَّهِ مِنۡهُمۡ شَيۡءٞ} فلا يقصد بها خفاء أجسادهم وظهورهم للعيان، ولو قصد ذلك لقال (لا يخفى منهم أحد)، بل إن كلمة (شيء) هنا تعني مكنوناتهم ونفسياتهم الداخلية.
- {وَيَوۡمَ نُسَيِّرُ ٱلۡجِبَالَ
وَتَرَى ٱلۡأَرۡضَ بَارِزَةٗ
وَحَشَرۡنَٰهُمۡ فَلَمۡ نُغَادِرۡ مِنۡهُمۡ أَحَدٗا} [الكهف: 47]
الشرح المادي: الجبال في حالة حركة وتسيير، وكلمة (ترى) تعني مشاهدة منظر متحرك لا
صورة ثابتة. الأرض ككتلة تقع تحت قوة قاهرة تجبرها على الحركة، فتندفع قشرتها من
تحت الطبقات التضاريسية التي كانت تخنقها وتغطيها. هي عملية طرد للقيود واندفاع
للمادة. الأرض ببساطة ستبرز حتى لو كان كل البشر ميتين، وجهنم ستبرز، حتى لو كان
البشر عمياناً. لا علاقة بين البروز والإبصار. وإذا حدث أن أبصر أحدهم هذا البروز
فهو صدفة أو نتيجة تابعة وليست انكشافاً بصرياً للمشاهد.
رابعاً: التفعيل المادي العنيف (المضاعفة
في المبنى)
- {وَبُرِّزَتِ ٱلۡجَحِيمُ
لِلۡغَاوِينَ} [الشعراء: 91]
- {وَبُرِّزَتِ ٱلۡجَحِيمُ لِمَن
يَرَىٰ} [النازعات: 36]
الشرح المادي: الجحيم (وهي من أقوى وأشد مناطق النار) هي كتلة نارية هائلة محتبسة
في قعر ومكان بالغ الضيق. القرآن هنا استخدم التضعيف (الشدة على الراء: بُـ رِّ زَ
ت). هذا يعني تشغيل قوة مضاعفة لدفع الجحيم. هناك ضغط شديد يُسلط عليها ليطردها
ويُخرج أجزاءً منها (كعمدان ضخمة أو سوق) للاندفاع عبر المضيق بقوة هائلة، ليراها
الكافر من بعيد قبل الحساب كنوع من الترهيب.
وحرف التاء في (بُرِّزَت) يعني أن هذه
الجحيم تعود إلى النقطة السابقة كما شرحنا في معنى حرف (ت). ذلك أن جهنم وجحيم
وحميم وغيرها من الأسماء ليست أماكن جغرافية، بل هي ذاتها الكتل النارية والحمم
الهائلة، فهي في الحميم بسيطة ثم في جهنم شديدة ثم في الجحيم أشد وهكذا.
خامساً: الاصطدام المادي المعطل للبروز
(بَرۡزَخ)
- {وَمِن وَرَآئِهِم بَرۡزَخٌ إِلَىٰ
يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ} [المؤمنون: 100]
- {بَيۡنَهُمَا بَرۡزَخٞ لَّا يَبۡغِيَانِ} [الرحمن: 20]
الشرح المادي: هنا نصل إلى ذروة التجسيد المادي في اللسان العربي. الكلمة أضافت
حرف (خ) في نهاية التفاعل لتعطيل الانفصال التام. حرف (خ) يحمل المتجه الفيزيائي
لـ (الضغط للأسفل)، كما تثبت نظريتنا "فيزيائية الحروف".
المحرك المادي لجذر (ب ر ز خ) هو: كتلة
(ب) تحاول الاندفاع (ر) للعبور من المضيق (ز) لتكتمل عملية (بَرَزَ)، لكنها تصطدم
فوراً بحرف (خ)؛ وهو قوة قاهرة تضغطها للأسفل وتمنعها من إتمام العبور.
[الإسقاط العلمي وفيزيائية اللسان]:
لقد أثبت العلم الحديث (وعلماء الإعجاز
العلمي) أن مياه البحر الأبيض المتوسط عندما تلتقي بمياه المحيط الأطلسي عبر مضيق
جبل طارق، لا تختلطان، بل ينشأ بينهما (برزخ)؛ وهو حاجز يعرف بـ (منحدر الكثافة).
لكن السبق اللغوي المذهل الذي نطرحه هنا هو في "هندسة حروف الكلمة"
ذاتها!
فمياه البحر المتوسط تمثل كتلة (ب) تندفع
(ر) عبر المضيق (ز) محاولةً (البروز) والانتشار في المحيط الأطلسي. ولكن لأن
مياهها أعلى ملوحة وكثافة، تتدخل قوة الجاذبية لتسلط عليها ضغطاً هائلاً يدفعها للأسفل.
هذا (الغطس والضغط للأسفل) هو التجسيد الفيزيائي الدقيق لحرف (خ). البرزخ المائي
إذن ليس جداراً صلباً، بل هو "قوة ضغط عامودية تتجه للأسفل" تكسر
الاندفاع الأفقي وتجبر الكتلة المندفعة على الغطس والاستقرار دون أن تبغي وتختلط.
وكذلك ينطبق هذا القانون الفيزيائي على
النفس البشرية: {لَعَلِّيٓ أَعۡمَلُ صَٰلِحٗا فِيمَا تَرَكۡتُۚ كَلَّآۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَاۖ وَمِن وَرَآئِهِم بَرۡزَخٌ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ} [المؤمنون: 100]. فكلما أرادت النفس الاندفاع (ب ر ز) للعودة إلى الدنيا، تدخل حرف (خ) كقوة قاهرة تمنع الخروج، وتعيد ضغط هذه النفس للأسفل لتبقى محبوسة داخل مستودعها؛ وهو ما يُسمى في آيات أخرى (كتاب)، كما في قوله تعالى: {لَقَدۡ لَبِثۡتُمۡ فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡبَعۡثِ} [الروم: 56]. وهذا يؤكد أن لكل حرف فعالية وعملاً فيزيائياً صارماً، كما سوف نثبت في مقالات قادمة.
الخاتمة:
يثبت اللسان العربي يوماً بعد يوم أنه
ليس مجموعة من المترادفات العشوائية التي ابتكرتها الصدفة. جذر (ب ر ز) يمثل
قانوناً فيزيائياً صارماً يصف حركة "الاندفاع من المضيق بسبب الضغط الداخلي
الذي في الحيز". وإدراكنا لهذا المحرك يعيد للقرآن الكريم دقته العلمية،
ويسقط طبقات المجاز التي حجبت عنا رؤية حركة المادة الحقيقية في أعظم كتاب عرفته
البشرية. ويحمينا من ضلال الشيطان؛ فعندما نقرأ "وبرزوا لله" ندرك أنهم
لم يكونوا سابقاً في خفاء عن الله، بل الأمر ببساطة أنهم كانوا في مناطق ضيقة
وكهوف ومسالك، فدفعتهم البراكين واللابات إلى المحشر، (ولله) أي لأن الله أراد ذلك
أو أنهم برزوا وغرضهم لقاء الله لأن المنادي ينادي.
هذا والله أعلم.
هل لديك نظرة أخرى
أطرحها هنا كي نستفيد من علمك