سداسية و ي ل
الشاخص يلتوي أو يدور أو يحترق —
"علم آدم"
بقلم: علي موسى الزهراني
مدخل
في هذه السداسية نجد أن ثلاثة جذور هي
معتبرة عند القوم، وثلاثة لم يتطرقوا لها فهي مهملة كما يقولون، وقد وجدنا العلة
في موتها، بل استحالتها كما سوف نشرح في الخاتمة. أما الجذور المستعملة فهي: ولي،
وتعني القرب والدنو. ولوي، وتعني إمالة الشيء. أما ويل فهي كلمة عذاب ثم يعجزون عن
سبرها والتفاسير تقول وادٍ في جهنم. وسوف نكتشف أن كل هذا بعيد، وأنه من خلال علم
آدم سوف نسبر المعاني بدقة وسوف نصل إلى أول معنى أطلقه العربي على هذه الكلمات.
أما الكلمات المهملة فهي يول ويلو وليو، ولعلَّنا نستطيع أن نَسبر سبب
إهمالهم لها.
معاني الحروف الثلاثة
حين تجتمع هذه الحروف الثلاثة في جذر
واحد يصف الجذر مشهداً يجمع امتداداً وانطواءً يتفاعلان مع شاخص. وفي كل مرة نقوم
بترتيب هذه الحروف فنحن نصنع مشهداً مختلفاً تماماً، وإليك الشرح.
الواو (و): التمدد. الواو حرف إذا دخل على الكلمة مدَّ أثرها، مثل كرّ تصبح كور، وقرّ
تصبح قور، وفرّ تصبح فور.
الياء (ي): الانطواء. الياء إذا دخلت في الكلمة تُحدث انطواءً والتواءً، مثل ضقّ التي تصبح
ضيق وهو ضد السعة، أو بضّ التي تصبح بيض، فالبيض انطواء البضّ (رخاوة اللحم) في
قشرة جامعة.
اللام (ل): الجسم الشاخص. اختار العربي أن يكون حرف اللام للجسم الشاخص أمام عينيه مثل نخل
وجبل وسلَّم.
كتلة (وي): كتلة المصائب
الكائن البشري لا يستطيع نطق الحرف
الواحد منفرداً، لهذا فإن أول ما تكلم به هو الكتلة وهي حرفان معاً. ولا نعلم: هل
اختار هذه الكتل بعشوائية أم اختارها وفق قوانين صوتية مطابقة لعالم الطبيعة؟ وأياً
ما كان، صار عنده أن هذه الكتل تعني كذا مما يوافق الطبيعة.
والحرفان (و) و(ي) يعنيان تمدداً ثم
انطواءً. تصوَّر أن قطةً سارت إلى الأمام ثم انطوت عائدةً إلى مكانها الأول
مباشرة، هذا يدل على أن هناك مصيبة أو إشكالية.
فصار عند العربي أن كل (وي) تعني مصيبة
قادمة، اتفق هذا مع معاني الحروف تماماً. ثم أضاف إليها حروفاً أخرى لكي يزيد من
دقتها، فكلما زادت الحروف كلما تخصصت الكلمة أكثر، فتحولت الكتلة (وي) إلى جذور
هي: ويل، أو ويح، أو ويب، أو ويس أو ويك أو ويه. ولا وجود لغير هذه الجذور.
العربي عندما أراد أن يحذِّر صاحبه لم
يكن ليجد وقتاً ليحدِّثه برطانة وإطناب، كان لا يجد متَّسعاً من الوقت، وكانت (وي)
كافية جداً. فهو يقول له: مصيبة! مصيبة! والعجيب
أنّنا نَجد الكتلة (وي) موجودةً في الساميَّات، بل حتى في اللاتينية والإنجليزية.
وسوف نُفرد لها مقالاً خاصّاً لأَهميَّة هذه الكتلة.
المعاجم-
ومع الأسف- لم تنتبه لهذا وجعلت كل (وي) وجذورَها تعني صيحات وآهات وتعبيراً
عن الألم أو الترحُّم على الآخرين. ففي المعاجم: (وي) تعني تعجباً، و(ويل) تعني
هلاكاً، و(ويس) تعني رأفةً، و(ويه) تعني زجراً، و(ويح) تعني ترحُّماً، و(ويك) تعني
تنبيهاً، و(ويب) تعني توجُّعاً.
أما في علم آدم فالأمر مختلف:
في (ويه) وفق علم آدم، فهو يقول لصاحبه
إن المصيبة متلاشية قريباً. وفي (ويس) يخبره أن المصيبة متسلِّلة بهدوء، وهذا يشبه
المرض ونجد قريباً منه من الأمراض: وقس ووصب ووبأ. وفي (ويك) المصيبة تحاصرنا،
ونجد لها أقارب مثل كوي وهلك ونهك ودكك. وفي (ويح) المصيبة موغلة داخلنا، ولها
أقارب مثل جيح "استئصال" أو طيح "سقوط". وفي (ويل) المصيبة
شاخصة أمامنا، أما (ويب) فتعني أن المصيبة متراكمة فوقنا، ولها أقارب مثل: ريب
"نائبة" وخيب "خسران". وسوف نشرح كل هذا في مقال خاص بالكتلة
(وي) بإذن الله.
وما يهمنا من كل هذه الجذور هو جذر (ويل)
القرآني.
جذر (ويل) وعائلته
قال الجوهري: "ويل: كلمة مثل ويح
إلا أنها كلمة عذاب". الصحاح، ج٥، ص١٨٤٦.
وقال ابن فارس عن العائلة كلِّها:
"ويح: كلمة رحمة لمن تنزل به بليَّة. قال الخليل: لم يُسمع على بنائه إلا ويح
وويس وويه وويل وويب". مقاييس اللغة، ج٦، ص٧٧.
ونقل الرازي:
ويب: "كلمة مثل ويل... ويبك وويب
زيد، معناه أَلزمك الله ويلاً". مختار الصحاح، ص٣٤٦.
ويح: "كلمة رحمة، وويل كلمة عذاب.
وقيل: هما بمعنىً واحد".
ويك: "كلمة مثل ويب وويح".
ويل: "كلمة مثل ويح إلا أنها كلمة
عذاب".
ويه: "إذا أَغراه بالشيء يقال:
ويهاً يا فلان، وهو تحريض".
وي: "كلمة تعجُّب".
وقال جبل: "الويل: حلول الشرّ.
الويل: الحزن والهلاك والمشقَّة من العذاب". المعجم الاشتقاقي المؤصل، ج٤،
ص٢٣٦٥.
والملاحَظ أن المعاجم اتَّفقت على كون
(ويل) كلمة عذاب لكنها لم تَصف طريقتها. وقول الرازي "وقيل هما بمعنى
واحد" يكشف أن التراث نفسه شكَّ في التمييز بين (ويح) و(ويل). وهذا يدل على
أن القوم فقدوا معنى الكتلة (وي)، فكانت تعني المصيبة وصارت تعني عندهم تعجُّباً.
عائلة (وي + حرف) تفصيل المصيبة
وي (لوحدها): مصيبة قادمة أو متوقَّعة. الكتلة خام بلا
حرف ثالث، تنطق بها في لحظة استشعار الكارثة قبل أن تلمسك. ولهذا اكتفى العربي بها
وحدها دون حرف ثالث، لأن الحرف الثالث يحدد شكل المصيبة بعد وقوعها، أما قبل
وقوعها فلا شكل لها بعد. وقول الرازي "كلمة تعجُّب" يتسق مع هذا
التفسير: التعجُّب نفسه استشعار لشيء غير مألوف، هو نتيجة وليس حقيقةً وأصلاً،
فالأصل هو توضيح الواقع (المصيبة) وحدوث التعجُّب هو نتيجة.
ويه: الهاء حرف فراغ وعلويَّة، فالمصيبة
تتلاشى وتنفرغ، أو تعلو فلا تطال صاحبها. ومن هنا جاء الاستعمال التحريضي
"ويهاً يا فلان"، ليس لأن الكلمة تحريض في ذاتها، بل لأن المصيبة
المتلاشية تفتح فرصةً للإقدام. كأن القائل يقول: العائق سيزول، فتقدَّم.
ويس: السين سيلان احتكاكي بطيء، فالمصيبة
تنساب بهدوء، لا تنفجر ولا تستقرّ، بل تستمر في الانسياب. ولهذا تستعمل في التذمر
المستمر من حال سيِّئ، ولعل هذا يُقال في الأمراض التي يطول أمدها، لأنها تنساب
بهدوء في الجسم.
ويح: الحاء تجويف احتكاكي، فالمصيبة تستقرّ في
باطن صاحبها وتحتكّ في تجويفه بدوام. ليست عابرة، بل ملازمة. وحين نقول "ويح
زيد" يحسبون أنها الترحُّم بينما هي النتيجة، فويح زيد تعني أن
المصيبة في داخله. ونجد قريباً منها كلمة قيح وقرح.
ويك: الكاف وعاء تفاعلي، فالمصيبة تحاصر
صاحبها في وعاء يتفاعل معه. لم تقع المصيبة بعد، ولكنها تحاصره، ولهذا قال
المقاتلون "ويك عنترُ أَقدِم"،
أي: المصيبة تحاصرنا، فعنترةُ هو المُحاصِر.
ويب: الباء تراكم بثقل، فالمصيبة تتراكم عليه
واحدةً فوق أخرى كصخور تُلقى عليه. ولهذا قال الرازي صراحةً إنها "مثل
ويل"، وهي ليست كذلك، بل هي المصيبة التي تزداد وتتراكم علينا.
ويل: اللام شاخص قائم، أي المصيبة قائمة أمام
أبصارنا، وهذا ما سيراه الكفار يوم القيامة.
والآن سوف ندرس (ويل) القرآنية لنرى.
ويل: مصيبة شاخصة
وفق علم آدم فإن (ويل) قسمان: قسم (وي) الذي
يعني مصيبة، وتنتهي بالقسم الثاني وهو حرف (ل) الذي يعني الشخوص، فهي مصيبة
شاخصة أمام الناظر. هذا ما تقوله اللغة وتفكيكها وفق علم آدم، وسوف نجد توافق
القرآن مع هذه النظرة تمام الاتفاق بإذن الله.
لكن قبل أن نوغل في (ويل) القرآنية يجب
أن نمر على جذر (شخص) في القرآن، لأنه يشير إلى نفس المعنى ويشير إلى نفس الجسم
الذي يشير إليه جذر (ويل).
ما تقوله المعاجم في (شخص)
قال ابن فارس: "الشين والخاء والصاد
أصل واحد يدل على ارتفاع في شيء. من ذلك الشخص، وهو سواد الإنسان إذا سما لك من
بُعد". مقاييس اللغة، ج٣، ص٢٥٤.
وقال الجوهري: "الشخص: سواد الإنسان
وغيره تراه من بعيد... وشَخَصَ بالفتح شُخوصاً أي ارتفع. ويقال شَخَصَ بصرُه فهو
شاخص إذا فتح عينيه وجعل لا يطرف. ويقال للرجل إذا ورد عليه أمر أَقلقه: شُخِص
به". الصحاح، ج٣، ص١٠٤٢-١٠٤٣.
وقال جبل: "المعنى المحوري: نتوء
الشيء جرماً جسيماً منتبراً (على هيئة ما)، كشخص الإنسان وغيره. ومن النتوء
والانتبار الارتفاع، شخص السهم علا الهدف. وشخص ببصره عند الموت رفعه فلم
يطرف". المعجم الاشتقاقي المؤصل، ج٢، ص١١١٣.
قراءة الجذر حركياً
جسم ينبثق طولاً (ش) + مثبَّت في أساسه
(خ) + صلد في بنيته (ص). وهذا هو الشاخص. ولماذا تُسمَّى هذه الظاهرة شاخصاً لا
طويلاً ولا مرتفعاً ولا ناتئاً؟ لأن (طويل) يفتقر إلى التثبيت، و(مرتفع) يفتقر إلى
المصدر الأرضي، و(ناتئ) يفتقر إلى الصلابة. أما (الشاخص) فيجمع الثلاثة في تركيب
واحد.
الرابط القرآني بين شخص وويل
والقرآن صرَّح بهذا الرابط في موضعين على
الأقل، وكلاهما يجمع بين المادتين في سياق واحد:
﴿إِنَّمَا
يُؤَخِّرُهُمۡ لِيَوۡمٖ تَشۡخَصُ فِيهِ ٱلۡأَبۡصَٰرُ﴾ [إبراهيم: ٤٢].
يومٌ تتشخَّص فيه الأبصار. ونجد في أول
السورة ذِكرَ الويل:
﴿وَوَيۡلٞ
لِّلۡكَٰفِرِينَ مِنۡ عَذَابٖ شَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ٢].
السورة تفتتح بالويل وتختم بشخوص
الأبصار. فالسورة تَعِد الكافرين بالويل، وهو ليس أيَّ ويل بل ويلٌ يخرج من عذاب
شديد من قيعان جهنم. ثم تُختتم بالشخوص، أي برؤية الويل وقد شخص أمامهم، أي وقف
منتصباً يراه الكافر دون المؤمن.
وفي سورة الأنبياء:
﴿وَٱقۡتَرَبَ ٱلۡوَعۡدُ
ٱلۡحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَٰخِصَةٌ أَبۡصَٰرُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَٰوَيۡلَنَا﴾
[الأنبياء: ٩٧].
انظر كيف ورد الشخوص مع الويل في نفس
الآية. فلما شاهدوا هذا الشاخص الذي شخصت أبصارهم له (أي نظروا إلى شاخص أمامهم)
قالوا: يا ويلنا، لأن ذلك الشاخص ليس أيَّ شاخص، إنه سيقان عظيمة من حمم جهنم
العظيمة المزلزلة المرعبة، فهو وفق علم آدم (وي + ل)، أي مصيبة شاخصة أمام
أبصارهم. فويل ليس مكان عذاب ولا وادياً في جهنم، إنه علامة ونذيرٌ للكفار بما سوف
يقابلهم من عذاب قادم.
ويل في القرآن:
استقراء آيات الويل في القرآن يكشف
أنماطاً متمايزة، كلٌّ يتسق مع كون الويل شاخصاً مرئياً.
المستحقُّون للويل
في القرآن تبيينٌ لمن سوف يشاهد هذا
الويل (الشاخص الناري) وذكرٌ لبعض أصنافهم:
﴿وَيۡلٞ
لِّلۡمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١].
﴿وَيۡلٞ
يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ﴾ [المطففين: ١٠].
﴿وَيۡلٞ لِّكُلِّ
هُمَزَةٖ لُّمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١].
﴿فَوَيۡلٞ
لِّلۡمُصَلِّينَ﴾ [الماعون: ٤].
﴿فَوَيۡلٞ لَّهُم
مِّمَّا كَتَبَتۡ أَيۡدِيهِمۡ وَوَيۡلٞ لَّهُم مِّمَّا يَكۡسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩].
وقد يقول قائل: إن الأمر هينٌ إذاً، مجرد
رؤية شخوص نارية ليس بالعذاب الشديد، لكن تلك الشخوص تخلع القلوب خلعاً:
﴿يَوۡمَ تَرۡجُفُ
ٱلرَّاجِفَةُ ٦ تَتۡبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ ٧ قُلُوبٞ يَوۡمَئِذٖ وَاجِفَةٌ ٨
أَبۡصَٰرُهَا خَٰشِعَةٞ﴾ [النازعات: ٦-٩].
فمن شدتها ينظرون من طرفٍ خفي وهم في
خشوع، أي أبصارهم تنظر إلى الأرض لكيلا يروا تلك الشخوص (الويل):
﴿وَتَرَىٰهُمۡ
يُعۡرَضُونَ عَلَيۡهَا خَٰشِعِينَ مِنَ ٱلذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرۡفٍ خَفِيّٖۗ﴾ [الشورى: ٤٥].
﴿خُشَّعًا أَبۡصَٰرُهُمۡ
يَخۡرُجُونَ مِنَ ٱلۡأَجۡدَاثِ﴾ [القمر: ٧].
﴿خَٰشِعَةً
أَبۡصَٰرُهُمۡ تَرۡهَقُهُمۡ ذِلَّةٞۖ﴾ [القلم: ٤٣].
لكن المؤمن لا يرى شيئاً من هذا، بل حتى
صوتها لا يسمعونه ولا الحسيس:
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ
سَبَقَتۡ لَهُم مِّنَّا ٱلۡحُسۡنَىٰٓ أُوْلَٰٓئِكَ عَنۡهَا مُبۡعَدُونَ﴾
[الأنبياء: ١٠١].
﴿لَا يَسۡمَعُونَ
حَسِيسَهَاۖ وَهُمۡ فِي مَا ٱشۡتَهَتۡ أَنفُسُهُمۡ خَٰلِدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٢].
مصدر تلك الشخوص (الويل)
﴿فَوَيۡلٞ
لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشۡهَدِ يَوۡمٍ عَظِيمٍ﴾ [مريم: ٣٧].
﴿وَمَا خَلَقۡنَا
ٱلسَّمَآءَ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا بَٰطِلٗاۚ ذَٰلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ
كَفَرُواْۚ فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ ٱلنَّارِ﴾ [ص: ٢٧].
﴿فَوَيۡلٞ
لِّلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡ عَذَابِ يَوۡمٍ أَلِيمٍ﴾ [الزخرف: ٦٥].
﴿فَوَيۡلٞ
لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن يَوۡمِهِمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٦٠].
فتلك الشخوص (الويل) مصدرها عذاب يوم
أليم، ومصدرها النار نفسها.
ويسميها القرآن بلفظ آخر هو (الساق):
﴿يَوۡمَ يُكۡشَفُ
عَن سَاقٖ وَيُدۡعَوۡنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلَا يَسۡتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢].
بقي أن نقول إنه من المستحيل أن يكون
الويل هو العذاب نفسه أو مكاناً من أمكنة جهنم (وادياً)، فويل هو (من) عذاب وليس
عين العذاب كما تقول الآيات، إنه ببساطة يقدم نموذجاً للكفار بما سوف يعانونه في
جهنم.
الخلاصة المادية لويل
تبيَّن لنا أن (ويل) مصيبة شاخصة، ولولا
علم آدم لما اكتشفناه. وذلك لأن الكتلة (وي) استخدمها العربي ليسمي بها المصائب
المتوقَّعة، فإن أضاف لها حرفاً آخر بيَّن شكلها أو موقعها أو حركتها كما
في ويك وويح وويب وويس.
وهذه الكتلة (وي) أصلها الحرفان: (و)
وتعني الامتداد، و(ي) التي تعني الانطواء. وهي حركة غير طبيعية ناتجة عن خيفة،
فيتقدم الإنسان ثم ينطوي ويعود، وذلك بسبب وجود مصيبة أمامه. فصار يقول (وي) لأي
مصيبة.
فلما أضاف لها حرف (ل) في (ويل) فهو يقول
إن هذه المصيبة شاخصة منتصبة أمام الناظر، لها قوام ثابت لا يتزعزع.
جذر (و ل ي)
ولي جذر يحمل معنى مختلفاً عن (ويل)
و(لوي)، لأن اللام فيه جاءت في الوسط، فأصبح الشاخص هو المحور الذي يدور حوله
الفعل، لا النتيجة ولا المفعول. وستجد هذا واضحاً حين ننظر في معاني الحروف.
ما تقوله المعاجم
قال ابن فارس: "الواو واللام والياء
أصل صحيح يدلّ على قُرب. من ذلك الوَلْي: القُرب. يقال: تَباعَد بعد وَلْيٍ أي
قُرب. وجَلَس مما يَليني أي يُقاربني. والوَليُّ: المطر يجيء بعد الوسميِّ، سُمِّي
بذلك لأنه يَلي الوَسميَّ. ومن الباب: المَولى، المُعتِق والمُعتَق، والصاحب،
والحليف، وابن العمّ، والناصر، والجار. كلُّ هؤلاء من الوَلْي وهو القُرب".
مقاييس اللغة، ج٦، ص١٤١.
وقال الجوهري: "الوَلْيُ: القُربُ
والدنوُّ. والوَليُّ: المطرُ بعد الوَسميِّ، سُمِّي وَلِيّاً لأنه يَلي
الوَسميَّ". الصحاح، ج٦، ص٢٥٢٨.
وقال جبل: "المعنى المحوري: لزومُ
الشيء شيئاً آخر تَبَعاً له مع نحوٍ من الاشتمال... ومنه: وَلِيَ فلانٌ فلاناً
تَبِعه من غير فصل". المعجم الاشتقاقي المؤصل، ج٤، ص١٩٣٩.
ولي وفق علم آدم
الترتيب: و — ل — ي. وفي هذا الترتيب
يأتي الامتداد (و) أولاً، ثم يلتقي بالشاخص (ل) في الوسط، ثم ينطوي عليه (ي) في
الآخر. والمشهد كاملاً: شيء ممتدّ يتجه إلى قائم ثابت، فإذا بلغه التفَّ عليه
التفافاً يحيطه من جوانبه. وهذه الإحاطة، لا مجرد القرب، هي حقيقة الولاية.
وتأمَّل: لو كانت الولاية قُرباً من جهة
واحدة لكانت مجاورةً وحسب. لكن المعاجم نفسها جمعت تحت الجذر المُعتِق والمُعتَق
والصاحب والحليف وابن العم والجار والناصر. ولا يستقيم جمع هذا كله إلا إذا كانت
الكلمة تصف إحاطةً من جهات لا مجاورةً من جهة.
ولاحِظ كيف تتعاكس (ولي) مع (ويل)
و(لوي): في (ولي) اللام في الوسط، فالشاخص محور يلتفت حوله الفعل. وفي (ويل) اللام
في الآخر، فالشاخص نتيجة تنبثق. وفي (لوي) اللام في الأول، فالشاخص مادة يقع عليها
اللف والفتل. موضع اللام يغير دورها كاملاً.
وفي (ولي) لطيفةٌ أعمق: حين تتوسط اللام
بين الواو والياء، تفصل بينهما، فلا تلتقي الواو والياء متلاصقتين. وكتلة (وي) كما
عرفنا مصيبة. فإذا فُصلت الواو عن الياء بشاخص، انحلَّت كتلة المصيبة، وتحوَّلت
طاقتها من إهلاك إلى اهتمام ورعاية يتصل بهذا الشاخص. ولهذا كانت الولاية رعايةً
لا تدميراً، واهتماماً لا تنغيصاً.
وانظر شواهد اللسان: وليُّ الأمر همُّه
أمر الناس، ووليُّ اليتيم همُّه يتيم لا حول له، ومولى القوم يفرح لفرحهم ويحزن
لحزنهم، ووليُّ الدم همُّه دم قرابته، والوالي على البلد همُّه شأن بلده. في الكل،
الكلمة تصف انشغالاً متَّصلاً بشاخص تنحطّ حوله طاقة الاهتمام. ولو كانت كتلة (وي)
عاملةً بقوتها الكاملة لكان همّاً ساحقاً مدمِّراً، لكنها وقد فُصلت بالشاخص في
الوسط تحوَّلت إلى همٍّ راعٍ.
ولي في القرآن
(ولي) ومشتقاتها في
القرآن من أكثر الكلمات ترددًا، فاقت المئتين، وتدور كلها على هذا الالتفاف الذي
بيَّناه.
أولاً، الله وليُّ الذين آمنوا. وهذا هو الالتفاف الأعظم، فالله يلتفّ بعبده المؤمن إحاطةً تامةً من
جهاته كلها:
﴿ٱللَّهُ وَلِيُّ
ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ﴾ [البقرة:
٢٥٧].
ولاحِظ كيف اقترن الالتفاف بالإخراج. لو
كانت ولاية الله مجرد قرب من جهة، لما تحرَّك العبد من ظلمته. لكن الإحاطة من
جهاته كلها هي التي تدفعه نحو النور، لأن ما حول العبد كله صار موجَّهاً في اتجاه
واحد.
﴿وَكَفَىٰ
بِٱللَّهِ وَلِيّٗا وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ نَصِيرٗا﴾ [النساء: ٤٥].
والقرآن قَرَن الوليَّ بالنصير تفريقاً
لا تطابقاً. النصرة معونة عند الحاجة وخاصة في المعارك، والولاية إحاطة دائمة.
وكلاهما من الله للمؤمن.
ثانياً، تولِّي المؤمن لله ورسوله. والعبد هنا هو من يلفّ نفسه على تعظيم ربه:
﴿وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ
وَرَسُولَهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَإِنَّ حِزۡبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلۡغَٰلِبُونَ﴾
[المائدة: ٥٦].
ولاحِظ، وهذا موضع دقيق، أن تولِّي العبد
لربه لا يعني أن يدور حول الرب، بل أن يجعل العبدُ ربَّه مركز قلبه فيدور حوله.
الكتلة (وي) في "تولَّى" حين أتت بعدها اللام أنتجت معنىً غاية في
الدقة: العبد يدور حول قائم ثابت، ولا يدور القائم حوله. وهذا أدب التولِّي.
ثالثاً، الولاية مع غير الله. والقرآن نهى عنها نهياً شديداً:
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ
ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلنَّصَٰرَىٰٓ أَوۡلِيَآءَ﴾ [المائدة:
٥١].
﴿لَّا يَتَّخِذِ
ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [آل عمران:
٢٨].
ولاحِظ أن القرآن لم يقل "لا
تحبُّوهم" ولا "لا تصاحبوهم"، بل "لا تتَّخذوا أولياء".
المصاحبة مجاورة من جهة، أما الولاية فإحاطة من جهات. والإنسان لا يستطيع أن يلتفّ
بالكافرين والمؤمنين معاً، لأن الالتفاف إحاطة، والإحاطتان لا تحدثان معاً في
مكانين مختلفين. ولأن الولاية اهتمام يُنتج الهمّ، فإن القلب لا يتسع لهمَّين
متضادَّين: همٍّ لله وهمٍّ لمن يحارب شرع الله.
رابعاً، تولِّي بمعنى الانصراف نحو وليٍّ
آخر. وهذا أكثر صور الجذر توظيفاً في القرآن. ومن أوضحها:
﴿فَإِن
تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡكَ ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ﴾ [النحل: ٨٢].
﴿فَتَوَلَّ
عَنۡهُمۡۘ يَوۡمَ يَدۡعُ ٱلدَّاعِ إِلَىٰ شَيۡءٖ نُّكُرٍ﴾ [القمر: ٦].
والقوم لم يتولَّوا حول أنفسهم، إنما
تولَّوا نحو ذاتٍ أخرى غير الله ورسوله والمؤمنين. اتَّخذوا وليَّاً ثانياً
(كافراً أو هوىً أو طاغوتاً) فالتفُّوا بهذا الوليِّ الجديد التفاف مريد. الفعل ما
زال "التفافاً حول وليّ"، لكن الوليَّ هنا غير المؤمَّل به.
وفي "فتولَّ عنهم" الأمر للنبي
بسحب اهتمامه عنهم وتوجيهه إلى ما هو أولى: لا تجعلهم مركز التفافك، فقد جعلوا
غيرك مركز التفافهم.
خامساً، تولية الأدبار:
﴿ثُمَّ
وَلَّيۡتُم مُّدۡبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥].
﴿وَإِذَا
ذَكَرۡتَ رَبَّكَ فِي ٱلۡقُرۡءَانِ وَحۡدَهُۥ وَلَّوۡاْ عَلَىٰٓ أَدۡبَٰرِهِمۡ
نُفُورٗا﴾ [الإسراء: ٤٦].
الالتفاف هنا التفاف كامل بزاوية تامة.
والقرآن لم يقل "ولَّوا" وحدها، بل أضاف "الأدبار"، لماذا؟
لأن الالتفاف وحده مبهم، لكن إضافة الأدبار حدَّدت الجهة بدقة. والأدبار ضد الوجه.
والوجه في القرآن، كما بيَّنَّا في مقال (وجه الله)، نقاط الاتصال (السمع والبصر
والكلام). فالقوم حين ولَّوا الأدبار وضعوا وجوههم في الجهة المعاكسة لمن يدعوهم،
فانقطع الاتصال. الجسم تَبَع، والوجه هو الأصل في القطع.
والعجيب أن القرآن قَرَن "ولَّوا
على أدبارهم" بـ"نفوراً"، والنفور انصراف القلب قبل انصراف الجسم.
فالقرآن لا يصف حركة عضلات، بل انصراف قلوب. والجسم تبع، يدور لأن القلب دار قبله.
سادساً، التدبُّر في مقابل الإدبار. وفي سورة محمد آيتان متلاصقتان، تجد فيهما عجباً:
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ
ٱلۡقُرۡءَانَ أَمۡ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقۡفَالُهَآ﴾ [محمد: ٢٤].
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ
ٱرۡتَدُّواْ عَلَىٰٓ أَدۡبَٰرِهِم مِّنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلۡهُدَىٰ﴾
[محمد: ٢٥].
كلتا الكلمتين من جذر (دبر). والمتدبِّر
هو الذي يسير خلف القرآن، تابعاً لخطاه، موافقاً صراطه الذي يسير عليه. والمرتدُّ
على عقبيه على عكس ذلك تماماً: قَلَب الوضع، فجعل القرآن خلفه وولَّى وجهه عنه.
السؤال في الآية الأولى عن المتدبِّرين، والجواب في الثانية عن المدبرين.
سابعاً، المولى وأَولى:
﴿وَٱعۡتَصِمُواْ
بِٱللَّهِ هُوَ مَوۡلَىٰكُمۡۖ فَنِعۡمَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَنِعۡمَ ٱلنَّصِيرُ﴾ [الحج:
٧٨].
﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ
مَوۡلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَأَنَّ ٱلۡكَٰفِرِينَ لَا مَوۡلَىٰ لَهُمۡ﴾ [محمد:
١١].
وأما (أَولى) فهي اسم تفضيل من ولي، أي
الأجدر بأن يُلتفَّ به ويُجعَل مركزاً:
﴿ٱلنَّبِيُّ أَوۡلَىٰ
بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ مِنۡ أَنفُسِهِمۡ﴾ [الأحزاب: ٦].
والآية لا تقول "أقرب" ولا
"أحبّ" بل "أولى"، أي أحقّ بأن يكون مدارَ التفافهم من
نفوسهم. وهذا أدقّ مما عداه، لأن النفس تلتفّ على هواها، فإذا تعارض هواها مع أمر
النبي كان أمر النبي هو الذي يستحق الالتفاف لا هوى النفس.
جذر (ل و ي)
ولوي معكوس (ويل) بترتيب الحروف، فيُنتظر
منه معنى معاكس. ففي (ويل) تأتي الكتلة (وي) أولاً ثم تنتهي بشاخص، فهي مصيبة
تنبثق فتقف. وفي (لوي) يأتي الشاخص أولاً ثم تفعل به الكتلةُ فعلَها العنيف، فهو
شاخص ينفتل وينطوي. الكتلة (وي) ثابتة، والذي تغيَّر هو موضع الشاخص.
ما تقوله المعاجم
قال ابن فارس: "اللام والواو والياء
أصل صحيح يدل على إمالة للشيء. يقال: لَوى يدَه يَلويها... ولِوى الرمل:
مُنقطَعُه". مقاييس اللغة، ج٥، ص٢١٨.
وقال الرازي: "لَوى الحبلَ فَتَله
يَلويه لَيّاً. ولَوى رأسه وألوى برأسه: أَماله وأَعرض... ولَوى عليه أي عَطَف.
ولِوى الرمل مقصور مُنقطَعه وهو الجَدَد بعد الرَّملة". مختار الصحاح، ص٢٨٧.
وقال جبل: "المعنى المحوري: لفتُ
الجِرم وعطفُه بعضه حول بعض... ولِوى الرمل: توقُّفٌ عن الامتداد، كأنه ارتداد
والتواء إلى الخلف". المعجم الاشتقاقي المؤصل، ج٤، ص١٩٣٨.
لوي وفق علم آدم
الترتيب: ل — و — ي. الشاخص (ل) في
الأول، فهو المادة التي يقع عليها الفعل. ثم يأتي الامتداد (و) فيمدّ هذا الشاخص
ليهيِّئه للفتل. ثم يأتي الانطواء (ي) فيلوي هذا الممدود حول نفسه. والناتج فتل
لولبي كفتل الحبل من خيوطه. أي أن الشاخص هنا هو الذي تعرَّض لمصيبة فلوت الشاخص.
ومن دقة هذا الترتيب أن الفعل (لَوى)
متعدٍّ بطبيعته. لا تقول "لَوى" بمعنى التواء مجرد بلا فاعل ومفعول، بل
لا بد من شيء يُلوى: تلوي اليد، تلوي الرأس، تلوي اللسان، تلوي الحبل، تلوي العنق،
تلوي القرن. وكل ما يُلوى لا بد أن يكون شاخصاً (ذا قوام طولي)، لأن المنبسط لا
يُلوى وإنما يُطوى. ولهذا لا تقول "لوى الماءُ" ولا "لوى الحجرُ".
لوي في القرآن
استعمل القرآن الفعل (لوى) في ثلاثة
مواضع، وكلها بدقة مذهلة:
﴿وَإِذَا قِيلَ
لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ يَسۡتَغۡفِرۡ لَكُمۡ رَسُولُ ٱللَّهِ لَوَّوۡاْ رُءُوسَهُمۡ
وَرَأَيۡتَهُمۡ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسۡتَكۡبِرُونَ﴾ [المنافقون: ٥].
الرأس عمود شاخص على العنق. والمنافق لا
يلوي وجهه فقط، بل يلوي رأسه كله فتلاً يعبِّر به عن استكباره. ولاحِظ أن القرآن
لم يقل "أدار رؤوسهم" ولا "صرفها"، بل "لوَّوا".
والفعل بالتشديد أشد من المخفَّف، فهو يفيد الفتل القوي المتعمَّد. والمنافق يفتل
رأسه فتلاً مكروهاً، كنايةً عن حالته النفسية التي ترفض التوبة.
﴿وَإِنَّ
مِنۡهُمۡ لَفَرِيقٗا يَلۡوُۥنَ أَلۡسِنَتَهُم بِٱلۡكِتَٰبِ لِتَحۡسَبُوهُ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ
وَمَا هُوَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ وَمَا هُوَ مِنۡ
عِندِ ٱللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٨].
والكتاب هنا التوراة لا القرآن. واليهود،
الذين تحدَّثت الآية عنهم، كانوا يفتلون ألسنتهم بكلام يشبه ألفاظ التوراة،
يلبِّسون به على من آمن من قومهم بالتوراة والقرآن معاً، حتى يحسبوا هذا الكلامَ
المحرَّفَ من كتاب الله. واللسان عضو شاخص في الفم، ينبسط وينطوي. وفتله فتلٌ في
الكلام نفسه قبل أن يكون فتلاً في العضلة. هم يلوون اللسان فيتحرَّف معه الكلام،
فيتحول من نقل أمين إلى تلبيس يشبه الأصل ولا ينتمي إليه.
﴿إِذۡ
تُصۡعِدُونَ وَلَا تَلۡوُۥنَ عَلَىٰٓ أَحَدٖ وَٱلرَّسُولُ يَدۡعُوكُمۡ فِيٓ أُخۡرَىٰكُمۡ﴾ [آل عمران: ١٥٣].
والفارُّ من المعركة لا يلتفت إلى من
خلفه، لأن لَيَّ القَوام يتطلب توقُّفاً، والفارُّ لا يملك أن يقف. ولهذا قال
القرآن "لا تلوون على أحد"، أي لا تفتلون قواماتكم لتنظروا لمن وراءكم،
حتى ولو كان الرسول هو الذي يدعوكم. والصورة قاسية: المسلمون يجرون مستقيمي القوام
لا يلوون أجسامهم، والرسول يناديهم من خلفهم، وهم لا يلتفتون.
لماذا ماتت الجذور الثلاثة: يول ويلو
وليو؟
رفض العرب والمعاجم استخدام هذه الجذور،
وفي علم آدم هذا منطقي تماماً، فهذه الجذور تتكون أساساً من الكتلة "يو"
على عكس الجذور الثلاثة المقبولة التي كتلتها "وي" والتي تعني
المصيبة. فكتلة (يو) تعني العدم، وكتلة (وي) تعني المصيبة. لكن لماذا تعني (يو)
العدم؟ لأن الياء هي الانطواء، فكيف ينطوي الشيء فيخرج من المكان، ويصبح في
اللامكان؟ الكون كله ثلاثة أبعاد، فإذا انطوى خرج من هذه الأبعاد، فأين يكون؟
العربي — والإنسان — لم يشاهد اللامكان،
حاسة البصر لديه لا تعمل إلا في المكان، ولهذا فكلُّ جذور كتلة
"يو" مرفوضة، باستثناء جذر واحد هو "يوم". تخيَّل ذلك! فما
السبب؟ لأنه ببساطة لا يتكلم عن المكان، إنه يتكلم عن الزمان، واليوم هو زمن
مستقطَع قد يكون في الماضي أو الحاضر أو المستقبل. فلهذا يمكن لهذا الكائن أن
ينطوي فنشاهد الماضي، ويمكن أن يمتدّ فنشاهد المستقبل أو نستبصره.
الخاتمة
السداسية، كما تكشَّفت لنا، هي الشاخص
المنفعل.
في (لوي): الشاخص يستقبل المصيبة، فتنطلق الكتلة
بكامل قوتها فتلويه وتعوجه. الشاخص ضحية، والمصيبة تعمل. ولهذا نجد أن هناك أشياء
شاخصة قابلة للَّي مثل الحبل والعنق واللسان.
في (ويل): الشاخص يأتي بعد المصيبة، فيكون صورتها
وتجسيدها الظاهر. الشاخص منظر، والمصيبة تستقر في هيئة، فويل هو المصيبة الشاخصة
أمام أبصارنا.
في (ولي): الشاخص يتوسط الواو والياء فيفصل بينهما،
فتنحلّ كتلة المصيبة، وتنقلب طاقتها من إهلاك إلى اهتمام يتصل بهذا الشاخص.
المصيبة تزول، والاهتمام يحل محلها. وهذا حال المؤمنين الذين وَلِيُّهم اللهُ.
إن هذه السداسية تقول إن هناك مصيبة
تقابل شاخصاً، فإما أن تسحقه (لوي) أو يسحقها(ولي) أو يتَّحدان معاً فيصبحان شيئاً واحداً (ويل)
هذا في ثلاثة جذور منها، أما الجذور
الباقية فهي ميتة ومستحيلة، ابتدأت بالياء، والياء حرف مستحيل أن يُبدأ به، فلا
يمكن للمكان أن ينطوي ويصبح سالباً.
هذا والله أعلم.
المصادر والمراجع
المعاجم التراثية:
الجوهري، إسماعيل بن حماد: الصحاح تاج
اللغة وصحاح العربية، دار العلم للملايين. [ويل ج٥/١٨٤٦، ولى ج٦/٢٥٢٨، شخص
ج٣/١٠٤٢-١٠٤٣].
ابن فارس، أحمد: معجم مقاييس اللغة،
تحقيق عبد السلام محمد هارون، دار الفكر. [ويح ج٦/٧٧، لوي ج٥/٢١٨، ولي ج٦/١٤١، شخص
ج٣/٢٥٤].
الرازي، محمد بن أبي بكر: مختار الصحاح،
مكتبة لبنان. [لوى ص٢٨٧، ويب/ويح/ويك/ويل/ويه/وي ص٣٤٦-٣٤٧].
المرجع المحوري:
جبل، محمد حسن: المعجم الاشتقاقي المؤصل
لألفاظ القرآن الكريم، مكتبة الآداب، القاهرة. [لوى ج٤/١٩٣٨، ولي ج٤/١٩٣٩، ويل
ج٤/٢٣٦٥، شخص ج٢/١١١٣].
المرجع النظري:
الزهراني، علي موسى: الجدول الدوري
لمتجهات اللسان العربي — علم آدم (مخطوط).
هل لديك نظرة أخرى
أطرحها هنا كي نستفيد من علمك