عِفْرِيت في
القرآن المكرم
بقلم: علي
موسى الزهراني
❖ ❖ ❖
مدخل
لم تَرِد كلمة «عِفْرِيت» في القرآن إلا مرة
واحدة، في سياق قصة سليمان عليه السلام وملكة سبأ:
﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن
تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ [النمل: ٣٩]
والتَّعبير «عفريتٌ من الجن» يَكشف عن سرٍّ
صريح. منطق «من» التَّبعيضية في العربية يَستلزم وجود عفاريت من غير الجن،
وإلا لاكتفى السياق بـ«قال الجِنّي، أو قال العفريت». ودخول «من الجن» تَخصيصٌ
لصنف من جنس أَوسع. وهذا المقال يَكشف، بقراءة الحروف وفق نظرية علم آدم، أن
«العفريت» وصفٌ مكَثَّف لشدة قوة الإظهار والكشف، لا اسمٌ لكيان من عالم الغيب.
❖ ❖ ❖
ما تَنطق به
حروف (عفر)
تَتألَّف الكلمة من ثلاثة حروف، لكلٍّ منها
معنى ثابت في علم آدم:
ع: جسم
يَظهر بعد خفاء
ف: انعكاس
ر: حركة
والترتيب يَنتج معنى واحداً صريحاً: ظهور
جسم بقَلب الساتر الثابت وإبعاده. لا تراب، ولا بياض. ظهور فقط، بآلية
محدَّدة: قَلب وإبعاد.
|
دوره في الجذر |
معناه في علم آدم |
الحرف |
|
الجوهر الذي يَنكشف |
جسم يَظهر بعد خفاء |
ع |
|
قَلب الساتر الثابت |
انعكاس |
ف |
|
إبعاد الساتر |
حركة |
ر |
❖ ❖ ❖
ما رَصدته
المعاجم
رَصدت المعاجم الكبرى للجذر (عفر) معاني
متعددة تَدور حول محور واحد. ابن فارس يَجمعها في خمسة محاور (لون، نبت، شدة وقوة،
زمان، خلق)، والأنباري يُبَرز معنى القوة بقوله: «العِفْرُ المُوَثَّقُ الخَلْقِ
المُصَحَّحُ الشديدُ، أُخِذ من عَفَر الأرض وهو التراب». والهروي يَرصد دلالة
المبالغة في الصيغة، ويُؤَكِّد أن «العفريت الناقد القوي مع خبث ودهاء». وجبل
يُكَثِّف المحور: «انبعاثٌ بحدة وجفاف أو تَفَرُّق». ومعجم المصطلحات الفقهية
يُقَرِّر إطلاق اللفظ على المتمرد من الجن والإنس معاً.
وما تَدور عليه كل هذه النقول محور واحد: قوة
جبارة تَطرح ما تَلقاه على الأرض وتُخرج ما كان مستوراً.
|
المصدر |
خلاصة القول |
المعجم |
|
٤/٦٢ |
أصل صحيح له خمسة معانٍ: لون، نبت، شدة وقوة، زمان، خلق |
مقاييس اللغة لابن فارس |
|
٢/٧٥١ |
العَفَر التراب، وعَفَره مَرَّغه، واعتفره الأسد فَرَسَه |
الصحاح للجوهري |
|
٢/١٤٢ |
العفرة البياض غير الناصع، لون الأرض |
غريب الحديث لأبي عبيد |
|
١/١٩٣ |
حديث ولوغ الكلب: اغسلوه سبعاً وعَفِّروه الثامنة بالتراب |
غريب الحديث للحربي |
|
١/٢٠٩ |
العِفْر الموَثَّق الخَلْق الشديد، يَصرع كلَّ ما عَلِقَه
ويُعَفِّره بالأرض |
الزاهر للأنباري |
|
٣/٢٦١ |
المَعفور: المُتَرَّب المُعَفَّر. والعُفرة لون الأرض |
النهاية لابن الأثير |
|
٤/١٢٩٧ |
العفريت: الناقد القوي مع خبث ودهاء. الداهي الخبيث المنكر |
الغريبين للهروي |
|
٨/١٤٤ |
العَفَارة: الأَرَب والدَّهَاء والشَّيطَنَة |
مجمع الغرائب |
|
٣/١٤٩٢ |
المعنى المحوري: انبعاث بحدة وجفاف أو تَفَرُّق |
المعجم الاشتقاقي لجبل |
|
٢/٥١٣ |
وزن فِعْلِيت بزيادة التاء. يُطلق على المتمرد من الجن والإنس |
معجم المصطلحات الفقهية |
❖ ❖ ❖
أربع طبقات لا
تَختلط
المعاجم رَصدت كل هذه المعاني، لكنها خَلطت
بين الأصل والنتيجة والاستعارة. والتَّمييز بينها يَحمي الأصل من التَّلوُّث.
الأصل: ما
يُمارَس فيه فعل العَفْر مباشرة، كالعفّار والعفريت، وكالمُعافَرَة في المصارعة
التي ذَكرها الأنباري - تَآخذ المتصارعَين على أن يَقلب أَحدهما الآخر عن قائم
ويُبعِده.
نتائج بصرية:
ما يَنكشف بعد العَفْر فسُمِّي باسم الفعل. كالعَفَر (التراب) والعُفرة (اللون
الفاتح الذي يَظهر تحت ما كان مَستوراً). نَقل أبو عبيد هذا المعنى: «العفرة
البياض وليس بالبياض الناصع الشديد ولكنه لون الأرض» [غريب الحديث لأبي عبيد
٢/١٤٢].
نتائج بدنية:
ما يَلحق العامل أو الفريسة كأثر جانبي. كقولهم «عَفَّر خَدَّه» - العامل في قَلع
الحجر يَده مُتَّربة، فإذا لَمَس وجهه تَرَّبه، فصارت كناية عن الذُّل. وكقولهم
«اعتفر الأسد فريسته» - والأسد يَقصد القتل لا التَّتريب، لكن الفريسة تَنزل في
التراب، فالتقط اللفظ النتيجة لا الفعل. وكحديث ولوغ الكلب: «إذا ولغ الكلب في
الإناء فاغسلوه سبعاً وعفِّروه الثامنة بالتراب» [غريب الحديث للحربي ١/١٩٣] -
التراب أَداة طَهارة، فالتقط اللفظ الأداة.
استعارات متأخرة: نقولٌ ثقافية أَبعد عن الأصل. كالعفارة بمعنى الدهاء، التي قد تَكون
من إتقان العفّار للحيل في قَلع ما يَعجز عنه غيره. وكتَحوُّل «العفريت» في
الفلكلور من معنى مهني إلى نوع غيبي مَخيف.
|
علاقته بالأصل |
الاستعمال |
الطبقة |
|
الفعل في صورته
الخالصة: قَلب وإبعاد وإظهار |
العفّار، العفريت،
المُعافَرَة في المصارعة |
الأصل الحركي |
|
ما يَنكشف بعد العَفر
فسُمي باسم الفعل |
العَفَر (التراب)،
العُفرة (البياض الفاتح) |
نتيجة بصرية |
|
أثر جانبي للفعل،
التقطه الاسم |
عَفَّر خَدَّه، اعتفر
الأسد فريسته، تعفير الإناء |
نتيجة بدنية |
|
نقل ثقافي بعيد عن
الأصل |
العَفَارة (الدهاء)،
العفريت (الجن الخبيث في الفلكلور) |
استعارة متأخرة |
❖ ❖ ❖
وزن
«عِفْرِيت»: لا للوظيفة، بل للمبالغة القصوى
وزن «فِعْلِيت» ليس وزناً قياسياً للمهن
في العربية. الصرفيون يَعتبرونه نادراً، ولا يَدخل
ضمن أوزان فاعِل وفَعّال وفَعِيل القياسية. ووظيفته الصرفية هي المبالغة
والغاية؛ أي إيصال الموصوف إلى أَقصى درجات الجذر. ومعجم المصطلحات الفقهية
يَنُص على هذا بصراحة: «بزيادة التاء على وزن فعليت» [٢/٥١٣].
ولذلك يَفترق المعنيان:
عَفَّار:
المُحترف للعَفْر بوصفه مهنة يومية.
عِفْرِيت:
المُتَمَكِّن من العَفْر إلى أَقصى درجاته.
والقرآن لم يَقل «عَفّار»، بل «عِفريت»، لأن
المهمة المعروضة لا يُنجزها عَفّار عادي، بل من بَلغ الذُّروة. ومثله في النمط: سِمْعِيت
للمبالغ في التَّسمُّع، وحِتْرِيت للشيء الصغير المُحكَم، وزِمِّيت
للشديد التَّماسك.
|
الدلالة |
الوزن |
اللفظ |
|
المُحترف للعَفر بوصفه مهنة يومية |
فَعَّال - مهنة قياسية |
عَفَّار |
|
المُتَمَكِّن من العَفر
إلى أَقصى درجاته، البالغ الذُّروة فيه |
فِعْلِيت - مبالغة
وغاية |
عِفْرِيت |
❖ ❖ ❖
كتلة «-يت»:
وعاء الإغلاق
ولكي نَفهم سرَّ هذا التَّكثيف، نَنظر في اللاحقة
(يت) نفسها. تَتركَّب من حرفَين:
ي: انطواء
ت: ارتداد
متكرر
والاجتماع يَنتج معنى مكثَّفاً: حركة
تَنطوي على نفسها وتَرتد داخل كيان مغلق، فتَتكدَّس وتَسكن فيه.
وشواهد هذا المعنى في كلام العرب كثيرة: بَيت
مأوى وتكتل، زَيت عصارة سائلة محتبسة، مَيت سكون مادي، لَيت
لوي وانطواء، قَيت قوت محبوس، كَيت تكدس وعائي. كل هذه كلمات تَختم
فيها (يت) الحدثَ بإغلاقه داخل كيان.
فإذا أُلحقت (يت) بأصل (عفر)، صار المعنى: قوة
العَفر تَنطوي وتَنحبس داخل كيان واحد، فتَتكدَّس فيه إلى أَقصى درجاتها.
العَفّار عملٌ يَخرج لينتشر. والعفريت كيانٌ
تَنطوي فيه قوة العَفر ذاتها وتَتجسَّد كاملةً.
|
ما تُغلقه (يت) في
كيان |
الجذر |
الكلمة |
|
مأوى وتكتل داخل جدار |
ب |
بَيت |
|
عصارة سائلة محتبسة في وعاء |
ز |
زَيت |
|
سكون مادي محبوس داخل الجسد |
م |
مَيت |
|
لوي وانطواء داخل تمنٍّ مغلق |
ل |
لَيت |
|
قوت محبوس مقدَّر |
ق |
قَيت |
|
تكدس وعائي مغلق |
ك |
كَيت |
|
قوة العَفر منطوية
محبوسة داخل كيان متكدِّس |
عفر |
عِفريت |
❖ ❖ ❖
نمط «-وت /
-يت» في العربية والساميات
ولاحظ أن هذه اللاحقة ليست خاصة بالعربية،
بل هي من أَقدم اللواحق المشتركة في اللُّغات السامية. تَستخدمها لتحويل الجذر إلى
حالة من التَّكتل والإحاطة والكثافة المطلقة.
في الأكدية: شَرُّوتو (شَرّو = ملك، شَرّوتو
= مَلَكُوت). وفي العبرية والآرامية والسريانية: نفس النمط.
وقد احتَفظت العربية بهذه اللاحقة في كلمات
سلطوية:
|
الدلالة المكثَّفة |
الجذر |
اللفظ |
|
شدة الإجبار |
جبر |
جَبَرُوت |
|
شدة الملك |
ملك |
مَلَكُوت |
|
شدة الكهانة |
كهن |
كَهَنُوت |
|
شدة الطغيان |
طغى |
طَاغُوت |
|
شدة الرهبة |
رهب |
رَهَبُوت |
|
شدة العَفر |
عفر |
عِفْرِيت |
ولاحظ السياق القرآني: الطالوت والجالوت
والهاروت والماروت في سياقات بني إسرائيل وبابل، والعفريت في قصة سليمان وسبأ. القرآن
استعمل النمط الصرفي السامي حين تَحدَّث عن السياق السامي.
❖ ❖ ❖
العفّار في
الحضارات القديمة
لم يكن العَفر فعلاً لغوياً مجرَّداً، بل
مهنةً مركزية في بناء الحضارات. وميكانيكا (عفر) - قَلب الساتر الثابت وإبعاده
ليَظهر المنكشف - هي بعينها ما كان يَفعله قَطّاع الحجارة وفاتح الطرق في العالم
القديم.
في مصر القديمة، اعتمد بناء المعابد والأهرام على طبقة من العمّال المتخصصين في
المحاجر، يَقلبون الكتل الصخرية ويُبعِدونها من مواضعها الثابتة في الجبل. ومحاجر
طُرة وأسوان ووادي الحمّامات معروفة بآثار هذا النشاط الذي كان من أَشق المهن.
والنصوص الفرعونية تُفَرِّق بين البنّاء وعامل المحجر، لأن قَلع الحجر صنعة قائمة
بذاتها تَحتاج إلى رجال ذوي بأس.
في حضارة سليمان وسبأ، التي تَدور فيها قصة العفريت، كان البناء الحجري الضخم محور العمارة
والقوة العسكرية. الجن في خدمة سليمان كانوا عُمَّاله المتخصصين في إزاحة الكتل
الصخرية الضخمة لبناء قواعده العسكرية (المحاريب) وحَفر الجفان كالجواب لتجميع
المياه ونَحت القدور الراسيات من الصخر. ومعابد مأرب وسدّها العظيم في سبأ اعتمدت
على قَلع الصخور الجبلية ونَقلها عبر مسافات شاقّة. ومن الطبيعي في بيئة كهذه أن
تَنشأ طبقة من العمال الأقوياء المتخصصين في اقتلاع الأحجار وتَحريكها، حتى تَصير
مهنتهم رمزاً للقوة الخارقة.
في حضارة الأنباط بالبتراء، تَحوَّل العَفر إلى فن. نَحتوا المدينة كلها من صخر وَردي واحد، فما
كان بناءً، بل كَشفاً: قَلب الواجهة الصخرية عن كتلتها، وإبعاد الردم،
ليَظهر معبد أو قبر.
عند الرومان،
كان فتح الطريق يَسبق المعركة. وفِرَق العمل المتخصصة في تَكسير الصخور وإزالة
العوائق الجبلية وتَمهيد الطرق العسكرية كانوا يُمارسون العَفر بمعناه
الحرفي: قَلب الساتر الترابي، إبعاده، إظهار الطبقة الصخرية الصالحة لسكَّة
الطريق.
في كل هذه الحضارات، كان «العَفّار» - مَن
قَلَع الحجر وقَلَب الجبل - رمز القوة المادية القصوى. ومن هذه المهنة وُلِد لقب
«العِفْريت»: من بَلغ الغاية في صنعة العَفر فصار يُضرب به المثل في القوة، حتى
انفصل اللقب عن المهنة في المخيال الشعبي، فصار في الفلكلور كائناً غيبياً مرعباً.
|
علاقتها بميكانيكا
الجذر |
صنعة العَفر |
الحضارة |
|
قَلب الكتل الصخرية الثابتة وإبعادها من مواضعها |
قَلع حجارة الأهرام والمعابد من محاجر طُرة وأسوان ووادي
الحمَّامات |
مصر القديمة |
|
البيئة التي تَدور فيها
قصة العفريت |
بناء الهيكل والمحاريب
وسد مأرب باقتلاع صخور جبلية ضخمة |
حضارة سليمان وسبأ |
|
البناء بالكَشف لا بالإضافة - عَفر بمعناه الحرفي |
نَحت المدينة من صخر وَردي بقَلب الواجهات وإبعاد الردم |
الأنباط في البتراء |
|
العَفر يَسبق المعركة والبناء |
فتح الطرق بتكسير الصخور وإزالة العوائق الجبلية |
الرومان |
❖ ❖ ❖
شاهد على
صعوبة الصنعة: صخرة الخندق
ولعل أَوضح شاهد على صعوبة صنعة العَفر ما
حَدث في غزوة الخندق. كان الصحابة يَحفرون، فاعترضتهم صخرة عظيمة فعَجزت معاولهم.
والقَرينة اللُّغوية هنا دقيقة: الحَفر إزالة التراب الرَّخو، والعَفر إزالة الصخر
الصلب. كلاهما إزالة وإبعاد، يَختلف ما يَعمل عليه الفعل. والحَفّار يَتَوَقَّف
حين يَصطدم بصخر لا تَنفع معه أَدوات التراب الرَّخو، ولا يَكتمل عمله حتى يَأتي
عَفّار يُزيل الصخر.
تَدَخَّل النبي ﷺ في تلك اللحظة، فأَزال ما
عَجز عنه عشرة من الصحابة بمعاولهم. ومُحتَمل أنه استَخدم معرفة بمادة قابلة
للاشتعال - كالبيتومين والقار المعروفَين في الجزيرة - أو فَحصاً دقيقاً لمواضع
الضَّعف في الصخرة، تماماً كما استَخدم ذو القرنين الحديد والنحاس وعين القطر
لبناء السد. والتقنية القديمة المعروفة - تَسخين الصخر بالنار ثم تَبريده فجأة
بالماء - كانت مَوجودة في الجزيرة وما جاورها من حضارات.
وهذه القصة تَكشف لماذا أَطلق العرب وَزن
المبالغة على من يَبلغ الغاية في هذه الصنعة: الصخر العنيد يَستسلم لمن يَملك
المعرفة، حتى وإن عَجزت عنه السواعد بالحديد.
❖ ❖ ❖
ما تَلزم به
«من» التَّبعيضية
لو قال القرآن «قال عِفريتٌ» مُطلقاً،
لاحتمل أن يَكون من أي صنف. ولو قال «قال الجِنّيّ»، لكان وصفاً عاماً لكل الجن.
لكن السياق دَقَّق: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الْجِنِّ﴾.
التَّخصيص بـ«من» يَدل على أن العفريت
جنس أَوسع، والجِنُّ صنف منه. كما تَقول «رجلٌ من العرب» - فالرجال جنس،
والعرب صنف. وكلام العرب يَستعمل «رجل عِفِرٌّ» و«رجال عِفِرُّون» للأقوياء من بني
آدم. والقرآن نَزل بلغة قومٍ يَعرفون هذا التَّمييز، فاحتاج أن يُحدِّد الصنف الذي
تَحدَّى بنقل العرش.
❖ ❖ ❖
الاسم على
مسماه
تَأمَّل المهمة الموكولة للعفريت: نقل عرش
بلقيس. والعرش بناءٌ ضخم. ونقله يَستدعي ثلاث خطوات بالضبط:
١. قَلْعه من موضعه الثابت في سبأ.
٢. إبعاده عبر مسافة طويلة.
٣. إظهاره في موضع جديد في فلسطين.
هذه هي ميكانيكا (عفر) كاملةً. ولاحظ وَصف
العفريت لنفسه: ﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ - القوة لقَلب العرش
وإبعاده، والأمانة لئلا يَتلف في الطريق. واللفظ لم يُختر اعتباطاً، بل لأن المهمة
تَستدعي صنعته بدقَّة. والجن في خدمة سليمان كانوا متخصصين في هذه الصنعة بالذات -
نَحت الصخر وإزاحته لبناء المحاريب والقدور الراسيات - فالعفريت منهم هو نخبة
هذه النخبة.
❖ ❖ ❖
مقابلة كاشفة
بين البدن والعلم
السياق لا يَنتهي عند العفريت. بل يُتبَع
مباشرة:
﴿قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ
قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل: ٤٠]
والفارق الزمني هائل: العفريت يُحضر العرش
قبل أن يَقوم سليمان من مقامه. وصاحب علم الكتاب يُحضره قبل أن يَرتد طرف العين.
والدرس واضح: قوة العلم تَتفوَّق على قوة
البدن بفارق منطق الزمن نفسه. ما يُنجزه العفريت بقَلع وإبعاد، يُنجزه العالم
بسبب آخر لا نَعرف كنهه، لكنه أَسرع بمراحل لا تُقاس. كأن القرآن يُومئ إلى انتقال
حضاري عظيم: عصر العَفّارين قد جاوزه عصر العلم.
وهنا نُلَمِّح إلى أنه من الراجح جداً أن «الذي عنده علم
من الكتاب» هو أَحد الملائكة الذين يَطَّلِعون على الكتب السماوية، فكان لديه علم
يَستطيع به نقل العرش أسرع من الجني. ونحن نَعلم أن الجن والإنس والطير في خدمة
سليمان، وقد أَثبتنا في مقال سابق أن الطير هم الملائكة.
|
نوع القوة |
الزمن المعروض |
المتحدي |
|
قوة بدنية - قَلع وإبعاد وإظهار |
قبل أن يقوم سليمان من مقامه |
عفريت من الجن |
|
قوة علم - أسرع بمراحل لا تُقاس |
قبل أن يَرتد إليه طرفه |
الذي عنده علم من الكتاب |
❖ ❖ ❖
عَفّار
وعَطّار وعَصّار: نمط المِهَن في جذور (ع _ ر)
العربية احتفظت بنمط واسع من المهن على وزن
فَعَّال من جذور تَفتتح بالعين وتَختتم بالراء:
عَمَّار من
عمر: الباني المُعَمِّر.
عَصَّار من
عصر: عاصر الزيت والعنب.
عَطَّار من
عطر: بائع العطور والأدوية.
عَشَّار من
عشر: جابي العُشر.
عَذَّار من
عذر: الخاتن.
عَقَّار من
عقر: تاجر الدواء.
عَفّار من
عفر: قَطّاع الحجارة وكاشف ما تحتها.
كل هذه المهن تَدور حول استخراج وإظهار
شيء كان مستوراً. والحرف الأوسط يُحَدِّد نوع المُظهَر: الميم تَجمع المُظهَر
في كتلة كالبناء، الصاد تَضغط فيَخرج السائل، الطاء تَنشر الرائحة، الشين تُفَرِّق
الإحصاء بنسبة، الذال تُفَكِّك الغلاف، الفاء تَقلب الساتر.
العين في البداية والراء في النهاية هما مَدار
مهنة الإظهار في العربية. والعفريت ليس جذراً منعزلاً، بل عضوٌ في هذه
العائلة، لكنه على وزن المبالغة لا الاحتراف اليومي. عَفّار يَعمل، وعِفريت يَبلغ
الغاية.
|
ما يُظهره |
صفة الفاعل |
الجذر |
|
البناء الظاهر من الأرض الخالية |
عَمَّار |
ع م ر |
|
السائل المستخرج من الفاكهة |
عَصَّار |
ع ص ر |
|
المواد المستخرجة من الأوراق المسطحة |
عَطَّار |
ع ط ر |
|
المال المستحَق من الأموال |
عَشَّار |
ع ش ر |
|
الجلد الظاهر بعد قطع الغُلفة |
عَذَّار |
ع ذ ر |
|
التراب الظاهر بعد قَلع
الحجر |
عَفَّار |
ع ف ر |
|
الأثر الطبي المستخرَج من المواد |
عَقَّار |
ع ق ر |
❖ ❖ ❖
خاتمة
ثلاث نتائج راسخة:
أولاً،
(عفر) في حروفها تَنطق بـ«ظهور جسم مستور بقَلب الساتر وإبعاده». والتراب والبياض
نتائج بصرية، والذُّل والدهاء نتائج بدنية واستعارات.
ثانياً،
«عِفْريت» وزن مبالغة لا وزن وظيفة، تَدخل عليه كتلة (يت) كوعاء إغلاق يَحبس قوة
الجذر داخل الموصوف لتَتضخم. لقبٌ لمن بَلغ الغاية في صنعة العَفر، يُطلق على الجن
والإنس وغيرهم. وصيغته الصرفية تَنتمي إلى ميراث سامي مشترك، والقرآن استعملها في
سياقها التاريخي الطبيعي حين تَحدَّث عن سليمان وسبأ، حيث كانت مهنة قَلع الصخر
وتمهيد الطرق هي أساس بناء المعابد ونقل العروش.
ثالثاً،
القرآن يُومئ في القصة إلى أَبعد من نقل عرش: انتقال زمام القوة من البدن إلى
العلم. والذكاء الاصطناعي اليوم خير شاهد على ما أَومأ إليه القرآن قبل خمسة عشر
قرناً.
هذا والله أعلم.
❖ ❖ ❖
المصادر
ابن فارس، أحمد: معجم مقاييس اللغة (٤/٦٢).
الجوهري، إسماعيل: الصحاح تاج اللغة
(٢/٧٥١).
أبو عبيد، القاسم بن سلام: غريب الحديث، ط
الهندية (٢/١٤٢)، (٣/١٧٧).
الحربي، إبراهيم: غريب الحديث (١/١٩٣).
الأنباري، أبو بكر: الزاهر في معاني كلمات
الناس (١/٢٠٩)، (٢/١٤٢).
الهروي، أبو عبيد: الغريبين في القرآن
والحديث (٤/١٢٩٧).
ابن الأثير: النهاية في غريب الحديث والأثر
(٣/٢٦١).
مجمع الغرائب ومنبع الرغائب (٨/١٤٤).
مجمع بحار الأنوار (٣/٦٢٣).
شمس العلوم ودواء كلام العرب (٧/٤٦٣٣).
جبل، محمد حسن: المعجم الاشتقاقي المؤصل
(٣/١٤٩٢).
معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية (٢/٥١٣).
هل لديك نظرة أخرى
أطرحها هنا كي نستفيد من علمك