سداسية (ك س ب): وعاءٌ وسائلٌ بين دخولٍ وخروج


سداسيةُ (ك س ب): وعاءٌ وسائلٌ بين دخولٍ وخروج

كَسبٌ يَجمَعُ في الإناء، وسَكبٌ يُفرِغُه - أربعةُ جذورٍ حيّةٍ، وجذران ماتا، وسؤالٌ: لماذا لا يُكسَرُ إلا الوعاء؟

مدخل

الكَسبُ عند الناس مالٌ وربح، والكاسبُ مَن يَطلب الرزق. فإذا تأمّلتَ القرآنَ وجدتَه يَنسب إلى النفس كَسبَها خيراً وشرًّا: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ﴾، و﴿كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡ رَهِينَةٌ﴾. فالكَسبُ ليس المالَ وحدَه، بل كلُّ ما تَجمعه النفسُ وتَحبِسه في وعائها فيَلزمها. ولن نَفهم هذا حتى نَعود بالجذور الستة إلى أصلها الحسّيِّ الأول: وعاءٌ وسائل.

تخيَّلْ إناءً وماءً جارياً. إمّا أن تَسوق الماءَ إلى الإناء فيَجتمع فيه ويَستقرّ، فذاك الكَسب؛ وإمّا أن تُميله فيَنصبَّ خارجاً، فذاك السَّكب. وحروفُ الجذر تَحكي المشهدَ: الكافُ وعاءٌ تفاعليٌّ يَحتوي ما يَرِد إليه، والسينُ انسيابٌ يَجري في رِفقٍ وبُطء، والباءُ تراكمٌ يَستقرّ به ما اجتمع. فالكاسبُ يَجمع في وعائه ما طلَب، كما يَجمع المرءُ ماءَه في إنائه؛ والسداسيةُ كلُّها وعاءٌ وسائلٌ بين دخولٍ وخروج.

وفي هذه السداسية حرفان إذا تقدَّم أحدُهما أو تأخَّر قلَب الدخولَ خروجاً، وجذرٌ مجاورٌ هو (كسر) يَكشف سرًّا يُفسِّر لِمَ لا يُكسَر في القرآن جبلٌ ولا صخرة، وإنما يُكسَر الإناءُ وحدَه. فلنبدأْ من المعاجم، ثم من الكتل، ثم من القرآن وهو الحاكم.

أولاً: ما تقولُه المعاجم

(كسب) أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على ابتغاءٍ وطلبٍ وإصابة((1))؛ يقال كسَب أهلَه خيراً، وكسَبتُ الرجلَ مالاً فكسَبه. وعند أهل الاشتقاق محورُه إثارةُ المُستكِنِّ الملتئمِ واستخراجُه((2))؛ فالكاسبُ يُثير ما طلَبه ثم يَجمعه في وعائه فيَحتبِس عنده. فالكَسبُ في أصله جَمعُ المطلوبِ واحتباسُه عند صاحبه.

(كبس) من الشيء يُعلى بالشيء الرَّزين؛ والكَبْسُ طَمُّك الحُفَيرةَ بالتراب، والترابُ كِبْسٌ((3))؛ ومنه كبَس رأسَه في الثوب أي أدخَله فيه وأخفاه((4)). فالكَبسُ ملءُ التجويفِ بثقيلٍ يَدخل فيه حتى يَمتلئ؛ وعاءٌ يُملأ لا يُفرَّغ، أخو الكَسبِ في الإدخال لا ضدُّه.

(سكب) أصلٌ يدلُّ على صبِّ الشيء؛ سكَب الماءَ يسكُبه، وفرسٌ سَكْبٌ كأنه يَسكُب عَدْوَه سَكباً((5))؛ فسكَب وانسكَب أي صبَّه فانصبَّ((6)). فالسَّكبُ خروجُ السائلِ من الوعاء وانصبابُه - عكسُ الكَسبِ تماماً.

(سبك) أُصَيلٌ يدلُّ على التناهي في إمهاء الشيء أي إذابته؛ سبَكتُ الفضةَ أسبِكها سَبكاً((7)). فالسَّبكُ إذابةُ المعدنِ حتى يَنساب صافياً ثم يُصبَّ في قالبه فيَجمُد - انسيابٌ يَنتهي إلى وعاءٍ يَحبِسه شكلاً.

(بكس) و(بسك) مهملان، لم تَبنِ العربُ عليهما كلاماً مقيساً((8))؛ وسيتبيّن من تحليل الكتل لِمَ سقَطا.

جدولُ التقاليب الستة

الجذرالمعنىالكتلة وموضعُهاالحالة
كسبجمعُ المطلوبِ في الوعاء واحتباسُه بالثِّقل(كس) استقطابٌ لَيِّن، والباءُ تُثبِّتهحيٌّ (المحور)
كبسملءُ التجويفِ بثقيلٍ يَدخل فيه (طمُّ الحفرة)(كب) إلقاءٌ ثقيلٌ من فوق، والسينُ تَنسابحيٌّ
سكبخروجُ السائلِ من الوعاء وانصبابُه (الصبّ)(سك) إفلاتُ السيولة، والباءُ تُهوِيهحيٌّ
سبكإذابةٌ تَنساب فتُصبُّ في قالبٍ فتَجمُد(سب) امتدادٌ مسترسل، والكافُ قالبُهحيٌّ
بكس-(بك) انتزاعٌ قسريٌّفُقد
بسك-(بس) قبضةٌ فارغةفُقد

ثانياً: تحليلُ الكتل - كيف يَقلِب الترتيبُ الدخولَ خروجاً

مدارُ السداسية حرفان: الكافُ وعاءٌ تفاعليٌّ يَحتوي ما فيه، والسينُ انسيابٌ يَجري في بُطءٍ ولِين. فإذا تقدَّمت الكافُ (كس) فالوعاءُ أوّلاً يَستقطب السائلَ إليه فيَجتمع فيه ثم يُحكِم عليه، وهو ما سمّاه أهلُ الكتل الاستقطابَ اللَّيِّن. وإذا تقدَّمت السينُ (سك) انقلب المشهد: السائلُ أوّلاً يُفلِت من وعائه فيَنصبّ حُرًّا، وهو معكوسُ (كس)((9)). فبحرفين تبادلا موضعَهما صار الجمعُ صبًّا، والدخولُ خروجاً.

ثم الباءُ الثقيلةُ تُقرِّر المصير. حيثما وقعت في العَجُز ثبَّتت ما اجتمع: في (كسب) ثبَت المكسوبُ في الوعاء، وفي (سكب) هوى المصبوبُ بثقله إلى أسفل. وحيثما تقدَّمت أعدَّت الثِّقلَ للحركة: في (كبس) ثِقلٌ يُلقى من فوقُ فيُطَمُّ به التجويف وهو الإلقاءُ الثقيل، وفي (سبك) ثِقلٌ يَنساب مُذاباً في امتدادٍ مسترسل((10)).

فاجتمعت الأربعةُ الحيّةُ على مشهدٍ واحدٍ بأربعة أوضاع: كسَب جمعٌ يَستقرّ، وسكَب صبٌّ يَهوي، وكبَس ملءٌ بثقيل، وسبَك صبٌّ يَجمُد في قالب. وأمّا (بك) و(بس) فضعيفتان: انتزاعٌ قسريٌّ وقبضةٌ على الهواء، ولذلك لم تَحمِلا جذراً مقيساً، فسقَط بكس وبسك((11)).

وانظر الفرقَ بين الجمعين: كسَب جمعٌ أفقيّ - كأنّ واقفاً يَمدّ يدَه فيَلتقط ما يَتّجه نحوه من الأرزاق فيَضمّه إلى وعائه، لم يَصنعِ المُلتقَطَ بل أصابه؛ وكبَس جمعٌ رأسيّ - يُلقي الثقيلَ من فوقُ فيَطُمّ به التجويف. وكلاهما جمعٌ لمادةٍ تَتراكم في وعاءٍ بانسياب، وإنما اختلفتِ الجهةُ: أفقيٌّ التقاطاً، ورأسيٌّ طمًّا.

وانظر إلى أسرة الكاف تَصدُق فيها القاعدة: حيثما تصدَّرت الكافُ بوعائها كان فعلٌ يَجمع أو يَحفِظ في حيِّز؛ فكسَح البيتَ نقّاه وجمَع كُناستَه، حتى قالوا اكتَسحوهم أي أخذوا مالَهم كلَّه فجمَعوه((12)). وبهذا يَسقُط زعمُ مَن جعَل (كس) الدقَّ الشديد؛ فلا دقَّ هناك، بل وعاءٌ يَستقطب سيولةً تَنساب إليه.

وممّا يُجلّي أنّ الحرفَ الأوسطَ هو ناقلُ الحركة لا حِليةٌ فيه: أبدِلِ السينَ (الانسياب) راءً (الزخم) في الكتلتين تَنقلِبِ الصورة. فمن (كبس) إلى (كبر): لم يَعُدِ التجويفُ يَمتلئ فحسب، بل صار الوعاءُ نفسُه يَكبُر ويَزداد حجماً((13)). ومن (كسب) إلى (كرب): لم يَبقَ جمعاً هادئاً، بل تراكمٌ يَشتدّ حتى يَضيق فيَكاد يَفيض - ومنه الكَرْبُ، الغمُّ الذي يَملأ الصدرَ حتى يَكاد يَنفطر((14)). فالسينُ تَملأ في رِفقٍ، والراءُ تَشتدّ فتُنمّي (في كبر) أو تَعقِد وتُضيِّق (في كرب).

ثالثاً: لماذا لا يُكسَرُ إلا الوعاء؟

هنا تَظهر قوّةُ هذا الأصل في أوضح صورِه. خذِ الجذرَ المجاور (كسر): الكافُ وعاءٌ، والسينُ ما يَنساب أو يُحبَس في جوفه، والراءُ زخمٌ صادمٌ مرتدّ. فالكَسرُ في حِسِّه الأول صدمةٌ تُبطِل جدارَ المُحتوي فيَنفلِت أو يَتناثر مكنونُه. تقول المعاجمُ: الكَسرُ هَشمٌ وهَضم((15))، وهذا وصفٌ للنتيجة؛ واقرأْ ما تحته تَجِدْه أبلغَ: الكِسرةُ فِلقةٌ تَنفصل عن مكسور، والمَكسِرُ موضعٌ يُعرَف بكسْره جَوهرُ العود، والكِسْرُ هو العظمُ - وعاءُ نُخاعِه - وكسَر الطائرُ جناحَيه أي ضمَّهما كالوعاء على ما فيه. فأظهرُ صور الكسر: الجرّةُ والكوزُ يُصدَمان فيَنساب ماؤهما، والعظمُ يُكسَر فيَظهر نُخاعُه. لا يُكسَر إلا ما له جوفٌ أو غلافٌ يَحبِس وراءه شيئاً.

وفي مقابله (حطم): فسّرته المعاجمُ بالكسر أيضاً((16)) فأوهمَت الترادف؛ لكن انظر إلى ما يُحطَّم في كلامهم: الحُطَمةُ السنةُ الشديدةُ تَحطِم كلَّ شيء، والنارُ الحُطَمةُ تَحطِم ما تَلقى، والحطبُ هو اليابسُ يُجمَع للوَقود((17)). فالحَطمُ هَشمُ اليابسِ المصمتِ حتى يَصير فُتاتاً (الحُطام)، لا إبطالُ جدارِ وعاء. فبان الفرقُ ولا ترادف: الأوعيةُ تُكسَر، واليابساتُ المصمتةُ تُحطَّم.

والقرآنُ شاهدٌ قاطعٌ على هذا التفريق. تتبَّعِ المصحفَ كلَّه فلن تَجد فيه لفظَ (كسر) مرةً واحدة((18))؛ فحين أراد اللهُ هدمَ الجبال والمصمتات لم يَقل كسَرها، بل قال:

﴿جَعَلَهُۥ دَكًّا﴾ [الأعراف: ١٤٣]

﴿وَحُمِلَتِ ٱلۡأَرۡضُ وَٱلۡجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةٗ وَٰحِدَةٗ﴾ [الحاقة: ١٤]

﴿يَنسِفُهَا رَبِّي نَسۡفٗا﴾ [طه: ١٠٥]

فالجبالُ تُدَكُّ دكًّا وتُنسَف نَسفاً، لأنها مصمتةٌ لا جوفَ لها يُكسَر. بل حين حطَّم إبراهيمُ أصنامَهم لم يَقل كسَرها، بل قال:

﴿فَجَعَلَهُمۡ جُذَٰذًا﴾ [الأنبياء: ٥٨]

أي قِطَعاً مُجذَّذةً، لأنّ مقصودَه تَفتيتُها لا إسالةُ ما فيها. واليابساتُ تُحطَّم لا تُكسَر:

﴿لَوۡ نَشَآءُ لَجَعَلۡنَٰهُ حُطَٰمٗا﴾ [الواقعة: ٦٥]

﴿ثُمَّ يَكُونُ حُطَٰمٗا﴾ [الحديد: ٢٠]

﴿لَا يَحۡطِمَنَّكُمۡ سُلَيۡمَٰنُ وَجُنُودُهُۥ﴾ [النمل: ١٨]

فالنباتُ الهائجُ يَصير حُطاماً، والنملُ يُداس فيُحطَّم. فاطّرد قانونُ الحروف على لسان القرآن: لا يُكسَر إلا ذو الجوف، ولا يُحطَّم إلا اليابسُ المصمت؛ ولذلك خلا الكتابُ من (كسر) إذ لم يكن مقامُه مقامَ أوعية. وأمّا قولُ الناس بعدُ كسَر العصا وهي مصمتةٌ، فتوسُّعٌ لاحقٌ في الاستعمال لا يَنقُض الحسَّ الأول.

رابعاً: صيغتان لا واحدة - كَسَبَ واكْتَسَبَ

ويُفرِّق القرآنُ بين الكَسبِ والاكتساب، والفرقُ من صميم الحروف. فـ(كَسَبَ) على بنائه المجرَّد جمعٌ هادئٌ مباشر: سائلٌ يَنساب إلى الوعاء فيَستقرّ. وأمّا (اكْتَسَبَ) على وزن افتعل فقد زِيدت فيه التاءُ، والتاءُ ارتدادٌ متكرِّر؛ فصار الجمعُ متكلَّفاً مردَّداً، كأنّ الكاسبَ يَغرِف ما انفلَت مرّةً بعد مرّة((19)). ولذلك جاءا في آيةٍ واحدةٍ مفترقَين:

﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]

فجعَل الخيرَ كَسباً يَنساب إلى الفطرة فيَجتمع بلا تكلّف، وجعَل الشرَّ اكتساباً لا يُجمَع إلا بمعالجةٍ وتكرارٍ واختراقٍ للحدّ. حرفٌ واحدٌ زِيد فأبان أنّ الإثمَ صَنعةٌ تُتكلَّف، والخيرَ فطرةٌ تُجتنى عفواً. على أنّ الكَسبَ في ذاته إصابةٌ وجمعٌ لما هو كائنٌ، لا صُنعٌ له ولا خَلق - كمن يَرِد مزرعةً فيَلتقط من خيراتها ما يَبتغي، نالها ولم يَصنعها؛ ولذلك سمّى المتكلّمون فِعلَ العبد كَسباً: يَكتسبه ولا يَخلقه. صيغتان من بابٍ واحد، بلا ترادف.

خامساً: المعنى المشترك

المعنى الجامعُ للتقاليب الستة: انسيابٌ بين وعاءٍ وخارجِه. في (كسب) و(كبس) دخولٌ وجمع: مطلوبٌ يُحبَس في الوعاء، وثقيلٌ يُطَمُّ به التجويف. وفي (سكب) و(سبك) خروجٌ وصبّ: ماءٌ يَنصبّ، ومعدنٌ يُذاب فيُصبّ في قالب. وما خرج عن هذا المشهد فُقِد (بكس، بسك). فليس في الستة معنىً غريبٌ عن أخواته، وليس فيها مترادفان؛ والكافُ والسينُ تَحكُمانها: وعاءٌ وسائل.

فإن قيل: أليس الكَسبُ هو الجَمعَ والطلبَ؟ قلنا: لا ترادفَ في العربية. جمَع يَضُمُّ شيئاً إلى شيءٍ من غير وعاءٍ ولا احتباس؛ وطلَب يَسعى وراء الشيء ولمّا يُصِبه بعد؛ أمّا كسَب فخاصّتُه أن يُصيب المطلوبَ ويَحبِسه في وعائه فيَلزمه. ولذلك حسُن أن يكون عليه الجزاء: ﴿كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡ رَهِينَةٌ﴾؛ فلكلِّ بناءٍ حدثُه.

سادساً: في القرآن

جاء (كسب) في القرآن في نحو أربعةٍ وستين موضعاً((20))، كلُّها على هذا الأصل: ما تَجمعه النفسُ في وعائها فيَلزمها، خيراً كان أو شرًّا. وجاء (سكب) مرةً واحدةً على أصله: الصبّ. وهذه وقفاتٌ تُبيِّن أنّ الوعاءَ حاضرٌ في كل موضع:

﴿كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨]

رهينةٌ أي محبوسةٌ بما جمَعت؛ والرهنُ حبسٌ. وهنا ينقلب المشهد: النفسُ التي كانت الوعاءَ الذي يَجمع، صارت يومَ الحساب هي المحبوسةَ بما جمَعت، فالقابضُ صار مقبوضاً عليه بقبضته. وهذا أوضحُ ما يكون في أنّ الكَسبَ جمعٌ يَلزم ولا يُفارق.

﴿بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَـٰطَتْ بِهِۦ خَطِيٓـَٔتُهُۥ﴾ [البقرة: ٨١]

جعَل السيئةَ مكسوبةً كما يُكسَب المال، ثم قال ﴿وَأَحَـٰطَتْ بِهِۦ خَطِيٓـَٔتُهُۥ﴾؛ فالمكسوبُ صار وعاءً يُحيط بصاحبه كما يُحيط الإناءُ بما فيه. صورةُ الوعاء حاضرةٌ في الجزاء.

﴿وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]

فالقلبُ وعاءُ الكَسب؛ والمؤاخذةُ على ما استقرَّ فيه من قصدٍ فاحتبَس، لا على لغوِ اللسان العابر. فما دخَل الوعاءَ ولزِم هو المكسوب.

﴿وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُۥ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ﴾ [النساء: ١١١]

يَكسِبه على نفسه أي يَجمعه في وعاء نفسه فيَستقرّ عليها وحدَها لا يَتعدّاها. فالكَسبُ احتباسٌ في وعاء الكاسبِ، لا يَنتقل عنه.

﴿ظَهَرَ ٱلۡفَسَادُ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ بِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِي ٱلنَّاسِ﴾ [الروم: ٤١]

فما جمَعته الأيدي واحتبسَته من الأعمال لم يَبقَ خفيًّا في وعائه، بل فاض أثرُه فظهَر فساداً في البرّ والبحر. فالمكسوبُ يَلزم، وأثرُه يَفيض.

﴿لَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَىْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا۟﴾ [البقرة: ٢٦٤]

ضرَب للمُنفِق رئاءً مثلَ صَفوانٍ عليه ترابٌ أصابه وابلٌ فترَكه صَلداً؛ فما ظنُّوه مكسوباً لم يَستقرّ، إذ لا وعاءَ يَحبِسه - صَفوانٌ لا تُربةَ فيه. فبان أنّ الكَسبَ بلا وعاءٍ يَحبِس لا يَثبُت.

﴿وَمَآءٖ مَّسۡكُوبٖ﴾ [الواقعة: ٣١]

هذا (سكب) على أصله: ماءٌ مصبوبٌ يَنصبّ انصباباً دائماً لا يَنقطع. جاء في نعيم الجنة عطاءً مُفرَغاً لا يُخزَن؛ ماءٌ يُسكَب لا ماءٌ يُكسَب. فبيَّن الفرقَ بين الجمع والإفراغ في لفظين من بابٍ واحد.

الخلاصة

السداسيةُ كلُّها وعاءٌ وسائل: كافٌ تَحتوي، وسينٌ تَنساب، وباءٌ تَستقرّ بثقلها. فإذا سبَقت الكافُ كان الدخولُ والجمع: كسَب جمَع المطلوبَ، وكبَس مَلأ التجويفَ بثقيل. وإذا سبَقت السينُ كان الخروجُ والصبّ: سكَب أفرَغ الماءَ، وسبَك أذاب المعدنَ فصبَّه في قالب. والباءُ تُقرِّر: تُثبِّت أو تُعِدّ. وحرفٌ واحدٌ إذا تقدَّم قلَب المعنى، حتى صار في الجذر المجاور (كسر) سرٌّ: لا يُكسَر إلا ذو الجوف، فخلا منه القرآنُ حيث كان الكلامُ في هدم المصمتات. والقرآنُ على هذا المشهد كلِّه: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ جمعٌ يَلزم، و﴿مَآءٖ مَّسۡكُوبٖ﴾ إفراغٌ دائم. وعاءٌ يُملأ أو يُفرَّغ؛ هذا مدارُ الجذور الستة، وهذه قراءةٌ لسانيةٌ تَستقرئ وتَصِف، والله أعلم.

الهوامش

  1. معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، ج٥ ص١٧٩: «الكاف والسين والباء أصلٌ صحيحٌ، يدلُّ على ابتغاءٍ وطلبٍ وإصابة؛ يقال كسَب أهلَه خيراً، وكسَبتُ الرجلَ مالاً فكسَبه».
  2. المعجم الاشتقاقي المؤصَّل، محمد حسن جبل، ج١ ص٤٠٥: المعنى المحوري في (كسب): «إثارةُ المُستكِنِّ الملتئمِ واستخراجُه».
  3. معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، ج٥ ص١٥٤: «الكاف والباء والسين أصلٌ صحيح، من الشيء يُعلى بالشيء الرَّزين؛ ومنه الكَبْس: طَمُّك الحُفَيرةَ بالتراب، والترابُ كِبْسٌ؛ ثم يتَّسعون فيقولون: كبَس رأسَه في ثوبه إذا أدخَله فيه».
  4. لسان العرب، ابن منظور، ج٦ ص١٩٠: «كبَسَ الحُفرةَ يكبِسُها كَبساً: طواها بالتراب وغيره؛ واسمُ ذلك الترابِ: الكِبْس».
  5. معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، ج٣ ص٨٨: «السين والكاف والباء أصلٌ يدلُّ على صبِّ الشيء؛ تقول سكَب الماءَ يسكُبه، وفرسٌ سَكْبٌ أي ذريعٌ كأنه يسكُب عَدْوَه سَكباً».
  6. لسان العرب، ابن منظور، ج١ ص٤٦٩: «سكَب الماءَ ونحوَه يسكُبه سَكباً وتَسكاباً، فسكَب وانسكَب: صبَّه فانصبَّ؛ وسكَب الماءُ بنفسه سُكوباً».
  7. معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، ج٣ ص١٢٩: «السين والباء والكاف أُصَيلٌ يدلُّ على التناهي في إمهاء الشيء» (والإمهاءُ: الإسالةُ والإذابة)؛ «من ذلك سبَكتُ الفضةَ وغيرَها أسبِكها سَبكاً».
  8. لم تَبنِ العربُ على (بكس) و(بسك) كلاماً مقيساً؛ فلم يَعقِد لهما ابنُ فارس باباً في المقاييس، وليسا في رؤوس جذوره، وهما من المتروك.
  9. معاني الكتل العربية، علي موسى الزهراني، مادتا (كس) و(سك): (كس) «الاستقطابُ اللَّيِّن: وعاءٌ يَستقطب سيولةً تَنساب إليه ثم يُحكِم عليها» (كَسَب: جمَع بهدوءٍ ما يأتيه)؛ و(سك) «إفلاتُ السيولة: سيولةٌ تَنطلق من وعائها فتَنصبّ حُرّةً - معكوسُ (كس)» (سكَب الماءَ: أفرَغه).
  10. معاني الكتل العربية، علي موسى الزهراني، مادتا (كب) و(سب): (كب) «الإلقاءُ الثقيل: وعاءٌ يُسقط ثقلَه من فوقُ فيَحشِر ما تحته» (كبَس الحفيرةَ: طمَّها بالتراب من فوق)؛ و(سب) «الامتدادُ المسترسل: سريانٌ من نقطةِ تراكمٍ مادّيٍّ فيَنشأ امتدادٌ متّصل».
  11. معاني الكتل العربية، علي موسى الزهراني، مادتا (بك) و(بس): (بك) «الانتزاعُ القسري: صلابةٌ تَنتزع ما تَجد بقوّةٍ مفاجئة» وهي قليلةُ الاستعمال؛ و(بس) «القبضةُ الفارغة: صلابةٌ تَقبض على ما لا يُمسَك - قبضةٌ على الهواء» وهي كتلةٌ نادرة؛ ولضعفهما سقَط بكس وبسك.
  12. معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، ج٥ ص١٧٩: «كسح» له معنى تنقيةِ الشيء؛ «كسَحتُ البيتَ، وكسَحت الريحُ الأرضَ: قشَرت عنها الترابَ، والكُساحةُ ما يُكسَح؛ وأغاروا على بني فلانٍ فاكتَسحوهم أي أخذوا ما لهم كلَّه».
  13. معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، ج٥ ص١٥٣: «الكاف والباء والراء أصلٌ صحيح يدلُّ على خِلاف الصِّغَر»؛ فالكِبَرُ نماءٌ وازديادُ حجمٍ، لا مجرّدُ امتلاءِ تجويف.
  14. معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، ج٥ ص١٧٤: «الكاف والراء والباء أصلٌ صحيح يدلُّ على شِدّةٍ وقوّة؛ وأصلُه الكَرَبُ: عَقدٌ غليظٌ وثيقٌ في رِشاء الدلو يُشدّ رباطاً وثيقاً؛ والكَرْبُ: الغمُّ الشديد».
  15. معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، ج٥ ص١٨٠: «الكاف والسين والراء أصلٌ صحيح يدلُّ على هَشْم الشيء وهَضْمه؛ والكِسرةُ القطعةُ من المكسور؛ عُودٌ صُلْبُ المَكْسِر إذا عُرفت جوْدتُه بكسْرِه؛ وكسَر الطائرُ جناحَيه إذا ضمَّهما؛ والكِسْرُ العظمُ ليس عليه كبيرُ لحم».
  16. معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، ج٢ ص٧٨: «الحاء والطاء والميم أصلٌ واحد، وهو كَسْرُ الشيء؛ والحُطَمةُ السنةُ الشديدةُ لأنها تَحطِم كلَّ شيء؛ وسُمّيت النارُ الحُطَمةَ لحَطْمِها ما تَلقى». فظاهرُه الترادفُ مع الكسر، والتفريقُ بالحسِّ لا باللفظ.
  17. معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، ج٢ ص٧٩: «الحاء والطاء والباء أصلٌ واحد، وهو الوَقودُ، فالحطبُ معروف» - وهو اليابسُ يُجمَع للإيقاد، فمن جنس ما يُحطَّم لا ما يُكسَر.
  18. تتبُّعٌ للمصحف كلِّه: لا يَرِد الجذرُ (ك س ر) في القرآن قطّ. والموضعُ الوحيدُ الذي تَتوالى فيه حروفُه هو ﴿كَسَرَابٍۭ بِقِيعَةٖ﴾ [النور: ٣٩]، وهو كافُ التشبيه دخلت على (سراب)، لا الجذرُ (كسر). وهدمُ المصمتات في القرآن جاء بـ: الدَّكِّ والنَّسفِ والجَذِّ والحَطمِ والقَصمِ والتدمير.
  19. قاعدةٌ صرفيةٌ معروفة: زيادةُ المبنى زيادةٌ في المعنى. وفي علم آدم: التاءُ ارتدادٌ متكرِّر؛ فزيادتُها في (اكتسب) على وزن افتعل جعلت الجمعَ متكلَّفاً مردَّداً، بخلاف (كسب) المجرَّد.
  20. إحصاءٌ من المصحف: وقع الجذرُ (ك س ب) في نحو أربعةٍ وستين موضعاً بصيغ: كسَب، يكسِب، تكسِب، اكتسَب، كسَبوا، وبما كسبت.

التفاعلُ الحركيّ للجذور الستة

ك وعاء تفاعليس انسيابب تراكم

كَسَبَ

كس · أفقيّ

يدٌ تَلتقط ما يَرِد من الأرزاق فتَجمعه.

كَبَسَ

كب · رأسيّ

ثقلٌ يُلقى من فوقُ فيَطُمّ التجويف.

سَكَبَ

سك · صبٌّ

السائلُ يُفلِت فيَنصبّ خارجاً.

سَبَكَ

سب · قالب

مُذابٌ يُصبّ في قالبٍ فيَجمُد.

بَكَسَ

بك · انتزاع

يُبدِّد ما يُمسكه.
فُقد

بَسَكَ

بس · فراغ

قبضةٌ على الهواء.
فُقد

التعليقات (0)