ما وجهُ القرابةِ بين الجِنِّ والنجاة؟ سداسيةُ (ن ج و)
المشهدُ الحركيّ لسداسية (ن ج و)
نج يُظهِر الشيءَ صاعداً، وجن يُخفيه ويُدخِله
نجو
ظهورٌ صاعد ↑يَنفُذ الناجي من السَّيلِ صاعداً إلى نَجوة
نوج
ظهورٌ صاعد ↑زوبعةٌ تَصعد، وعملٌ يُرفَع ليُرى (الرِّياء)
جنو/جنى
إخفاءٌ ثم إبرازثمرٌ كان مُستجِنًّا في شجره فاجتُني
جون
إخفاءٌ في اللون ↓لونٌ غالبٌ يَبتلِع الشوائبَ فيَخلُص وحدَه
وجن
إخفاءٌ بارز ↓عظمٌ يَنتأ بارزاً وهو مستورٌ خلفَ الجلد
ونج
موضعٌ شاغرآلةُ طربٍ منقولة، لا جذرَ أعجميّ
حركةٌ توضيحية - الحكمُ النهائيُّ للنصِّ والمعاجم.
المدخل: رجلٌ يُحيطُ به السَّيل
تخيّلْ رجلاً أحاطَ به السَّيلُ من كلِّ جانب، فلم يَنجُ إلا أن يَنفُذ من بين الماءِ صاعداً إلى نَشَزٍ مرتفعٍ لا يَعلوه الغَرَق. هذا النَّشَزُ هو «النَّجوة»، وذلك الظهورُ الصاعدُ البارزُ هو «النَّجاة». فالناجي لم يَبقَ في مكانه فيُحسَب باقياً على قيدِ الحياةِ فحسب، بل ظَهَرَ بارزاً نافذاً عالياً فوق ما أحاطَ به. وهذا المشهدُ - شيءٌ يَظهَر ويَبرُز صاعداً - هو أحدُ وجهَي السداسية، وقلبُه إخفاءٌ وإدخال.
ولهذه السداسيةِ سؤالٌ حَيّرَ أهلَ اللغة: تقاليبُها الستةُ «نجو، نوج، جنو، جون، وجن، ونج» تَدور بين معنيَين يَبدوان متضادَّين؛ الكشفُ والظهورُ من جهة، والسَّترُ والإخفاءُ من جهةٍ أخرى. فهل الجذرُ إظهارٌ أم إخفاء؟ هذا المقالُ يُبيّن أنّه كتلةٌ وقلبُها: نج يُظهِر الشيءَ بارزاً صاعداً، وجن يُخفيه ويُدخِله؛ إظهارٌ وإخفاء، ضدّانِ لا معنىً ثالثٌ يجمعهما. والحرفُ هو من يُوجّه: النونُ وعاءٌ ساكنٌ يَحوي، والجيمُ جمعٌ يَتداخلُ ويَعصِر، والواوُ مدٌّ يُطيلُ أثرَ ما قبلَه ويُتِمُّه.
معنى الجذور في المعاجم
جعل ابنُ فارس جذرَ (نجو) أصلَين: أحدُهما الكشطُ والكشف، والآخَرُ السَّترُ والإخفاء(1). فمن الأوّل قولُهم: نَجَوْتُ الجِلدَ، أي كشَطْتُه عن اللحم؛ ونَجَا الإنسانُ نَجاةً ونَجاءً، وهو الذَّهابُ والانكشافُ من المكان(2). ومنه النَّجوةُ من الأرض، وهي المرتفعُ الذي لا يَعلوه السَّيل، سُمِّيت بذلك لأنّها كالشيءِ الذي نَجَا من الماءِ بذَهابٍ عنه وعُلوّ(3).
وأوضحُ من هذا ما قرّره محمد حسن جبل في معجمه الاشتقاقي؛ إذ جعل المعنى المحوريَّ للجذر: نفاذَ الجِرمِ مرتفعاً ظاهراً من بين ما يُحيطُ به أو يُجاوِره، كالأرضِ المرتفعة، وكالأغصانِ تَبرُزُ من ساقِ الشجرة(4). وهذا الحدُّ هو مفتاحُ السداسية: نفاذٌ وبروزٌ ظاهرٌ مرتفع.
وتَشهد لهذا الوجهِ أخواتُ (نج) في القرب المعجمي، وكلُّها بروزٌ وخروجٌ واعتلاء: نَجَمَ النَّجمُ والسِّنُّ والقَرنُ، أي طَلَعَ كلٌّ بارزاً من مَنبِته(5)؛ ونَجَشَ الصيدَ، أي أثارَه واستخرجَه من مَكمنِه(6)؛ والنَّجدُ ما اعتلى وأشرَفَ، ومنه النَّجدةُ والرجلُ النَّجدُ الشُّجاعُ الذي يَعلو على خوفه(7)؛ والنَّجلُ الرَّمي، ومنه الوَلَدُ نَجْلٌ لأنّه يُرمَى ويُخرَج(8). فالجامعُ في هذه كلِّها: شيءٌ كان كامناً في وعاءٍ ثم نَفَذَ خارجاً ظاهراً عالياً.
فإذا انقلبتِ الكتلةُ إلى (جن) انقلب الاتجاهُ من الخروجِ إلى الاحتواء؛ قال ابنُ فارس: الجيمُ والنونُ أصلٌ واحدٌ هو السَّترُ والتستّر، ومنه الجَنّةُ - وهي البستانُ - لأنَّ الشجرَ بوَرَقه يَستُرها، ومنه ثوابُ الآخرةِ لأنّه مستورٌ عنّا اليوم(9). ومن البابِ المِجَنُّ، أي التُّرسُ، وكلُّ ما اسْتُتِر به فهو جُنّة(10)؛ ومنه الجِنُّ لاستتارهم عن الأبصار، والجنونُ لاستتارِ العقل، والجَنينُ لاستتاره في الرحم. وقد جمع جبلٌ البابَ كلَّه في الكنِّ والستر، حتى عدَّ الثمرَ المُجتنى ثمرًا «كان مستَجِنًّا في شجره ثم تولّد منه»(11). فالجَنى ثمرٌ كان مُستجِنًّا (مُخفىً) في شجره ثم بُرِز فاجتُني؛ فأصلُه الإخفاء (جن)، والاجتناءُ إبرازُه بعد خفائه.
ويَبقى وجهٌ ثالثٌ هو (جون)، يقع عند أهلِ اللغةِ على الأسودِ والأبيضِ معاً، وعدُّوه من الأضداد؛ فالجَوْنةُ الشمسُ، سمّاها قومٌ بذلك لبياضها وصفاءِ شعاعها الباهر، وقال آخرون: بل لأنّها إذا غابتِ اسوَدّت(12). وسيأتي أنّ هذا التضادَّ المزعومَ وجهٌ من وجوهِ السَّتر. وأمّا (وجن) فمن (جن) أيضاً، غير أنّ الواوَ مدَّتِ الاختفاءَ ومطَّلتْه حتى برزَ المستورُ وهو بَعدُ محجوب؛ فالوَجْنةُ عظمُ الخدِّ الناتئُ البارز، وهو مع نُتوئه مستورٌ خلفَ الجلدِ لا يُرى عَظماً عارياً. وعليه الوَجِينُ عارضٌ من الأرضِ صُلبٌ بارز، والناقةُ الوَجناءُ الشديدةُ، والمِيجَنةُ خشبةٌ يُدَقُّ بها(13). وزاد الخليلُ أنّ الوَجْنةَ ما ارتفعَ من الخدِّ بين الشِّدقِ والمَحجِر(14). فالوَجْنةُ بروزٌ مستور: عظمٌ يَظهر نُتوءُه ويَخفى جِرمُه خلفَ الجلد؛ سَترٌ مدَّته الواوُ حتى برزَ، ولم يَنفَكّ عن سَترِه.
ويَبقى وجهانِ ظُنَّ أنّهما ميتان، وليسا كذلك. أمّا (نوج) فحيٌّ على معنى (نج) نفسِه؛ قال ابنُ الأعرابي: ناجَ يَنُوجُ إذا راءى بعمله - أي أظهرَه ورفعَه ليُرى؛ والنَّوْجةُ: الزَّوْبعةُ من الرياح، وهي عمودُ غبارٍ يَصعد مُلتفًّا(15). فهذان شاهدانِ آخرانِ على (نج): غبارٌ يَصعد، وعملٌ يُرفَع ليُرى. وأمّا (ونج) فليس جذراً أعجمياً - ولا يكون جذرٌ أعجمياً قطّ - وإنّما الوَنَجُ اسمُ آلةِ طربٍ نُقِل لفظُه عن الفارسية(16). فالمنقولُ اسمُ الآلةِ لا غير؛ نزلَ موضعاً حركياً شاغراً، إذ كانتِ الواوُ مدًّا يُطيلُ أثرَ ما قبلَه، فإذا تصدّرتْ ولا سابقَ لها انحلَّ ترتيبُ (و+نج) إلى معنى (نجو) ولم يَتميّز بمعنىً جديد، فبقي المكانُ فارغاً فنزلَه الاسمُ المنقول. فالمنعُ حركيٌّ لاستحالةِ معنىً مستقلٍّ، لا لعُجمةٍ في الجذر؛ فالتقاليبُ الخمسةُ حيّةٌ، والسادسُ موضعٌ شاغرٌ نزلَه اسمٌ منقول.
المشهدُ الحركيّ لسداسية (ن ج و)
نج يُظهِر الشيءَ صاعداً، وجن يُخفيه ويُدخِله
نجو
ظهورٌ صاعد ↑يَنفُذ الناجي من السَّيلِ صاعداً إلى نَجوة
نوج
ظهورٌ صاعد ↑زوبعةٌ تَصعد، وعملٌ يُرفَع ليُرى (الرِّياء)
جنو/جنى
إخفاءٌ ثم إبرازثمرٌ كان مُستجِنًّا في شجره فاجتُني
جون
إخفاءٌ في اللون ↓لونٌ غالبٌ يَبتلِع الشوائبَ فيَخلُص وحدَه
وجن
إخفاءٌ بارز ↓عظمٌ يَنتأ بارزاً وهو مستورٌ خلفَ الجلد
ونج
موضعٌ شاغرآلةُ طربٍ منقولة، لا جذرَ أعجميّ
حركةٌ توضيحية - الحكمُ النهائيُّ للنصِّ والمعاجم.
| الجذر | المعنى المعجمي | المحرّك (السبر) | الحكم |
|---|---|---|---|
| نجو | النجاةُ والنَّجوةُ ونَجوُ الجِلدِ والسحاب | ظهورٌ وبروزٌ صاعد (نج) + مدّ | حيٌّ مستعمل |
| جنو/جنى | الاجتناءُ من الثمرِ المستجِنّ في شجره | إخفاءٌ بالإدخال (جن) + مدّ | حيٌّ مستعمل |
| جون | لونٌ غالبٌ سَتَرَ ما خالطَه: الأسودُ والأبيضُ الخالصان | سَترُ اللونِ لشوائبه (جن) + مدٌّ حشو | حيٌّ مستعمل |
| وجن | الوَجْنةُ البارزةُ المستورةُ خلفَ الجلد | سَترٌ مدَّته الواوُ فبرزَ محجوباً (جن) | حيٌّ مستعمل |
| نوج | النَّوْجةُ الزَّوْبعةُ، وناجَ راءى بعمله | ظهورٌ وارتفاع (نج) + مدّ | حيٌّ مستعمل |
| ونج | الوَنَجُ: اسمُ آلةِ طربٍ منقول | موضعٌ حركيٌّ شاغر؛ لا جذرَ أعجميّ | اسمٌ منقول |
الردُّ على المعاجم
صَنَعتِ المعاجمُ في هذه السداسيةِ ما تَصنعُه كثيراً: سجَّلتِ النتيجةَ وأهملتِ الحدث. فلمّا رأت في (نجو) كشفاً وستراً قالت «أصلان»، وجَعَلتِ اللفظَ الواحدَ معنيَين لا رابطَ بينهما، ولم تَصِلْ بينهما بحرف. ولمّا رأت في (جون) سواداً وبياضاً قالت «من الأضداد»، فأدرجتِ اللفظَ في بابٍ ومَضَت. وكلا الحُكمَين توقُّفٌ لا تفسير: التصنيفُ يُغلق السؤال، والبحثُ عن المحرّكِ يَفتحه.
وأظهرُ من ذلك أنّها فسّرتِ النجاةَ بـ«السلامةِ من الهلاك»، وهي ثمرةٌ لا حدث. فلو كانتِ النجاةُ مجردَ سلامةٍ على الحياةِ لَما قيلتْ في مَيت؛ وقد قالها القرآنُ في بدنِ فرعونَ الغريق - كما سيأتي - لأنّه رُفِع خالصاً على نَجوةٍ ظاهراً. فالنجاةُ ظهورٌ وبروزٌ صاعدٌ فوق المُحيط، والسلامةُ أثرُه. وكذلك النَّجوُ - وهو ما يَخرُج من البطن، ومنه الاستنجاءُ - حسٌّ محفوظٌ للإخراجِ والتفريغ، لم تَلتفتْ إليه المعاجمُ وهي تَشرَح النجاةَ بالسلامة.
والحقُّ أنّ المعنى واحد، والمادةَ واحدة، وإنّما يَختلف المشهدُ باختلافِ ترتيبِ الحروف. فليس في الجذرِ أصلانِ لا رابطَ بينهما، بل كتلةٌ وقلبُها: ظهورٌ بالبروزِ صاعداً (نج)، وإخفاءٌ بالإدخالِ والستر (جن)؛ ضدّانِ لا معنىً ثالثٌ يجمعهما. وليس في (جون) ضدٌّ، بل لونٌ غالبٌ سَتَرَ ما خالطَه فاستوى خالصاً، أسودَ أو أبيض.
الكتلةُ (نج) وقلبُها (جن)
في هذه السداسيةِ كتلةٌ واحدةٌ تَنعكس: (نج) وقلبُها (جن)؛ والواوُ مدٌّ يَتنقّل عليهما فيُطيلُ أثرَهما ولا يَعقِد كتلةً ثالثة. والكتلتانِ ضدّان: نج إظهارٌ، وجن إخفاء؛ والفرقُ كلُّه في موضعِ الوعاءِ من الجمع.
الكتلةُ (نج) - الظهورُ والبروزُ صاعداً: يَتصدّر الوعاءُ الساكنُ (ن)، فيَقتحمُه الجمعُ المتداخلُ (ج) فيَعصِرُه ويَكسِر سكونَه، فيَنفُذ المكنونُ خارجاً صاعداً. هذا هو الناجي يَنفُذ من بين السَّيلِ إلى النَّجوة، والنَّجمُ يَطلُع من الأفق، والسِّنُّ تَبرُز من اللثة، والنَّجدُ يَعلو ويُشرِف، والسحابُ يُريقُ ماءَه فيَخِفُّ ويَمضي. ظهورٌ وبروزٌ مرتفع.
الكتلةُ (جن) - الإخفاءُ والإدخال: هنا يَتأخّر الوعاء، فيُجمَع المتداخلُ (ج) أوّلاً ثم يُغلَق عليه بالوعاءِ الساكن (ن)، فلا يَنفُذ بل يُحاطُ ويُستَر. لا يَرتفع الشيءُ ظاهراً، بل يُفصَل عمّا حولَه بساترٍ يَحويه: جَنَّ عليه الليلُ فستَرَه، والبستانُ يَستُره شجرُه، والجنينُ يَستُره الرحم، والمِجَنُّ يَستُر حامِلَه، والمجنونُ سُتِر عقلُه. إخفاءٌ مستورٌ محجوب. وإذا كان (نج) ظهوراً وخروجاً صاعداً إلى أعلى، فإنّ (جن) نقيضُه اتجاهاً: دخولٌ وغَوصٌ نازلٌ إلى أسفلَ وإلى العمق؛ فالليلُ يَنزِل ويَغمُر، والجنينُ يَغوص في عمقِ الرحم، والبستانُ يُغيِّب ما تحته، والعقلُ يَغيب في قعرِه. فالنونُ والجيمُ إن تَقدّمتِ النونُ فخروجٌ إلى فوق، وإن تأخّرتْ فدخولٌ إلى تحت.
فالكتلتانِ ضدّان والوِجهةُ هي الفارق: في (نج) يَظهَر الشيءُ بأن يَبرُزَ عالياً، وفي (جن) يَخفى بأن يُدخَل ويُحجَب. والواوُ لا تُنشئُ كتلةً، بل تَمُدُّ الكتلتَين حيث وَقَعتْ: في عَجُزِ (نجو) تُتِمُّ خروجَ النجاة، وفي صَدرِ (وجن) تَمُدُّ السَّترَ حتى يَبرُزَ المستورُ عظماً ناتئاً محجوباً بالجلد، وفي حَشوِ (جون) تُطيلُ سَترَ اللونِ الغالبِ لِما خالطَه حتى يُخفيَه فيبقى وحدَه.
فإن قيل: أليست (نج) ترادفاً مع الرَّفعِ والصُّعود؟ قلنا: لا ترادفَ في العربية. الرَّفعُ ارتفاعٌ هائلٌ كأنّه بلا رافع، والصُّعودُ مُضِيٌّ في دَرَجٍ صاعد؛ أمّا النجاةُ فظهورٌ وبروزٌ من إحاطةٍ بنفاذٍ مرتفع، لا بدَّ فيها من مُحيطٍ يُترَك ومُرتَفَعٍ يُقصَد. ولذلك لا يقال «نَجا» إلا لمن كان في إحاطةٍ مَخوفةٍ فبَرَزَ منها صاعداً عنها. لكلِّ بناءٍ حدثُه، ولكلِّ حدثٍ موضعُه.
الجَوْن: من الأضداد إلى الستر
وقفتِ المعاجمُ عند الانعكاسِ البصريِّ في (جون): رأتْه أسودَ حيناً وأبيضَ حيناً، فسمّتْه ضِدًّا، وذاك حكمٌ على المرئيِّ لا بحثٌ في سببه. والحقُّ أنّ (جون) ليس ضِدًّا، بل هو (جن) - السَّترُ والإخفاء - نَقَلتْه الجيمُ والنونُ إلى عالَمِ اللون. فاللونُ الجَوْنُ لونٌ غالبٌ ابتلَعَ الشوائبَ وأخفاها في جوفِه حتى لم يَبقَ إلا لونٌ واحدٌ خالص: إن غَلَبَ النورُ فأخفى كلَّ ظِلٍّ فأبيضُ باهر، وإن غَلَبَ الظلامُ فأخفى كلَّ ضوءٍ فأسودُ فاحم.
فالسوادُ والبياضُ في (جون) ليسا ضدَّين، بل غايتانِ لفعلٍ واحد: لونٌ رئيسٌ سَتَرَ ما خالطَه فاستوى خالصاً. ولهذا تَجِد كلَّ شاهدٍ لِـ(جون) لوناً غالباً لا تَشوبُه شائبة: الشمسُ الجَوْنةُ شعاعٌ غالبٌ أخفى كلَّ ما دونه حتى غَلَبَ صفاءَ الدِّرعِ المصقولة، والكبشُ الجَوْنيُّ سوادٌ أخفى كلَّ لمعةٍ فلا ثغرةَ فيه، والنباتُ الجَوْنُ خُضرةٌ غَلَبتْ حتى ابتلَعتْ كلَّ ما دونها فتُرى سوداء. فما كان بابَ أضدادٍ مُحيِّراً صار وجهاً من السَّتر: لونٌ أخفى سواه في جوفِه، كما يُخفي الليلُ ما تحته.
النجاةُ ارتفاعٌ حادّ، والفوزُ صعودٌ متدرّج
ويَقرِن القرآنُ النجاةَ بالفوزِ والمفازة، فيَظنُّ كثيرٌ أنّهما بمعنى المكسب. وليس كذلك؛ المكسبُ ثمرة، وأمّا الجذرانِ فمشهدانِ حسيّان. وكلاهما ارتفاعٌ يَدفعُ إليه الخوفُ والخطر، يَرتفع فيه المرءُ بنفسِه. لكنّ الفارقَ في قُربِ الخطرِ وحِدّته: فالنجاةُ خطرٌ تحتَك مباشرةً، قريبٌ جدًّا حادٌّ جدًّا، فلا مَنجى إلا ارتفاعٌ مباشرٌ خاطفٌ صاعد. والفوزُ خطرٌ بعيدٌ أو على الجوانب، فالصعودُ فيه متدرّجٌ هيِّنٌ رويداً رويداً حتى يَبلُغَ المُنتهى(17). ولذلك كانتِ النجاةُ ارتفاعاً مباشراً لا تَردُّدَ فيه - خطرٌ قريبٌ لا يُمهِل - بينما المفازةُ صعودٌ متدرّجٌ قد يَهلِك فيه مَن يَنقطِع به السَّيرُ في الطريق. ومع اختلافِ القُربِ والحِدّةِ يَبقى الجامعُ واحداً: ارتفاعٌ بدافعِ الخوف.
المعنى المشترك
المادةُ المشتركةُ للتقاليبِ حرفان: نونٌ وعاءٌ، وجيمٌ جمعٌ؛ وترتيبُهما يَقلِب المعنى إلى ضدَّين. في جهةِ (نج) ظهورٌ وبروزٌ صاعد: نجاةٌ تَصعد، ونَجمٌ يَطلُع، ونَجدٌ يُشرِف، ونَجوةٌ تَرتفع. وفي جهةِ (جن) - قلبِها - إخفاءٌ وإدخالٌ نازلٌ إلى العمق: ليلٌ يَغمُر، وبستانٌ يُغيِّب ما تحته، وجنينٌ يَغوص في الرحم، وجِنٌّ يَستَتِر. وبينهما (جون) إخفاءُ الشوائبِ في لونٍ غالب، و(وجن) عظمٌ مُخفىً تحت الجلد. فليس بين الستةِ معنىً ثالثٌ يجمعها تحت لفظٍ واحد، ولا فيها مترادفان؛ بل هي كتلةٌ تُظهِر وقلبُها يُخفي - إظهارٌ وإخفاء. وبهذا يَنحلُّ سؤالُ المدخل: السداسيةُ ليست تردداً، بل إظهارٌ في (نج) وإخفاءٌ في (جن).
الجذورُ في القرآن - وهو السيّد
والقرآنُ هو الفَيصل؛ فلنَنظُر كيف استعملَ الوجهَين. أمّا (نجو) فلم يَجعلِ القرآنُ النجاةَ سلامةً مجرّدة، بل ظهوراً ونفاذاً صاعداً من مُحيطٍ خانقٍ يَضغط:
«الغمُّ» ما غَمَّ القلبَ، أي غطّاه وأحاطَ به؛ فالنجاةُ منه ظهورٌ ونفاذٌ صاعدٌ من تحتِ ذلك الغطاءِ المُحيط. قابلَ القرآنُ الغمَّ (التغطيةَ) بالنجاةِ (الظهورِ الصاعد) في المشهدِ الواحد. ومثلُه في نوحٍ عليه السلام:
«الكَربُ» ضِيقٌ شديدٌ يُحيط بالنفس؛ والنجاةُ منه خروجٌ من ذلك الضيق. وكذلك جعل الظلماتِ مُحيطاً يُنجَّى منه:
فالظلماتُ مُحيطٌ مَخوف، والنجاةُ نفاذٌ منه إلى ضِياءٍ وعُلوّ. وكلَّما اشتدَّ المُحيطُ كان الظهورُ منه أبيَنَ في معنى النجاة. وانظرْ مشهدَ البحرِ إذ يُحيطُ الموجُ بالراكبين:
«نَجَّاهم إلى البَرِّ» أي أخرجَهم خالصين من الماءِ المُحيطِ إلى يابسةٍ مرتفعةٍ ناجية. فالنجاةُ هنا انتقالٌ من قاعِ الخطرِ إلى نَشَزِ الأمان، لا مجردُ بقاء. ومثلُه في لقمان: ﴿فَلَمَّا نَجَّىٰهُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ فَمِنۡهُم مُّقۡتَصِدٞ﴾.
والنجاةُ في القرآنِ سُنّةٌ مطّردة: ظهورُ المؤمنِ وبروزُه فوق المُحيطِ المُهلِك، وبقاءُ المُكذِّبِ فيه؛ فما نَجا قومٌ إلا ظَهَروا صاعدين، وما أُهلِكَ قومٌ إلا بَقُوا في قَعرِ ما أحاطَ بهم:
فقابلَ الإنجاءَ - وهو الظهورُ الصاعد - بالإهلاك، وهو البقاءُ في المُحيط؛ نَجا نوحٌ وهودٌ وصالحٌ ولوطٌ وموسى، وأُغرِقَ آلُ فرعونَ فبَقُوا في قاعِ البحر. ومنه:
فالنجاةُ ظهورٌ صاعدٌ يَختصُّ به مَن رُفِع عن المُحيطِ المُهلِك، لا تُبذَل لمن غَرِقَ فيه؛ وهذا يؤكِّد أنّها حركةٌ صاعدةٌ تُفارِق القاعَ، لا مجردُ بقاءٍ بالحياة.
وأصرحُ آيةٍ في أنّ النجاةَ رفعٌ خالصٌ عالٍ لا مجردُ حياة، قولُه في فرعون:
ففرعونُ غَرِقَ ومات، ثم رُفِع بدنُه خالصاً على نَجوةٍ مرتفعةٍ من الأرضِ ظاهراً للعيونِ آيةً. فلو كانتِ النجاةُ بقاءً على الحياةِ لَما قيلتْ في مَيت؛ وإنّما هي الظهورُ والبروزُ بالعُلوّ، حتى في حقِّ الغريق. وهذا يُثبِت أنّ النجاةَ علويةٌ رأسيةٌ في أصلها. ولذلك جعلها القرآنُ مقابلَ النار - والنارُ هُوِيٌّ وسُفول:
فالنجاةُ صعودٌ خالصٌ إلى نَشَز، والنارُ سقوطٌ إلى قَعر؛ وهما ضدّانِ في الجهة. وقَرَنَ القرآنُ النجاةَ بالمفازةِ في موضعٍ واحد:
فالنجاةُ ظهورٌ صاعدٌ من الخطر، والمفازةُ عبورٌ ممتدٌّ إلى المستقَرّ؛ فالأولى تُبرِزك صاعداً، والثانيةُ تَختبِر عبورَك بعد الخروج، ولذلك قُرِنا.
ثم انظرْ كيف حَمَلَ الجذرُ نفسُه وجهَه الثاني (الستر) في «النجوى»؛ فهي مسارّةٌ خالصةٌ عن سمعِ الناس، خُلِّصت وحُبِست بين المتناجِيَين:
«خَلَصوا نَجيًّا» أي انفردوا وتنحَّوا عن جماعةِ الناسِ إلى حيِّزٍ مستورٍ يَتسارُّون فيه وحدَهم؛ فهو الوجهُ الساتر (الإخفاء)(18). وأوضحُ منه:
فالنجوى في الآيتَين كلامٌ مستورٌ مَحجوبٌ عن غيرِ أهلِه؛ فهي الوجهُ الساتِرُ من (نجو)، كما كانتِ النجاةُ وجهَه الكاشف. كتلةٌ وقلبُها في جذرٍ واحد: إظهارٌ في «النجاة»، وإخفاءٌ في «النجوى».
فإذا انقلبتِ الكتلةُ إلى قلبِها (جن) صار المعنى كلُّه إخفاءً وحَجباً، وهو أكثرُ ما جاء في القرآن:
«جَنَّ عليه الليلُ» أي ستَرَه وأحاطَه بظلامه حتى أخفاه عن العيون. فهذا (جن) على أصله الصريح: لا ظهورٌ صاعد، بل إخفاءٌ وإدخال. ومنه الجنينُ في البطن:
«أجِنّةٌ» أي مستورون محتوَون في الأرحام، أُخفُوا في سِترها عن العالَم. ومنه البستانُ المستورُ بشجره:
فالجَنّتانِ بستانانِ حَفَّهما النخلُ والكَرمُ فستَرَهما وأحاطَ بهما؛ فمن هذا المستورِ الحاوي يُجتنى الجَنى. ومنه الجِنُّ، سُمُّوا بذلك لاستتارهم:
«الجِنّةُ» هم الجِنُّ، أُخفُوا عن عالَمِ الإنسِ بسِترٍ يَحجُبهم عن الأبصار. فجاء (جن) في الليلِ والرحمِ والبستانِ والجِنِّ على معنىً واحد: إخفاءٌ وإدخال، وهو قلبُ (نج) في الحروفِ والمعنى: تلك تُظهِر وتَرفع، وهذا يُخفي ويُدخِل.
في مرآةِ السداسيات الأخرى
وتَزداد السداسيةُ وضوحاً إذا نُظِر إليها في مرآةِ أخواتها. فالنجاةُ والفوزُ كلاهما ارتفاعٌ بدافعِ الخطر، يَرتفع فيه المرءُ بنفسِه؛ غير أنّ النجاةَ خطرٌ تحتَه قريبٌ حادّ فارتفاعُها مباشرٌ خاطف، والفوزَ خطرٌ بعيدٌ أو جانبيٌّ فصعودُه متدرّجٌ هيِّن. فهما أُختانِ في الدافعِ والوِجهة، تَفترقانِ في قُربِ الخطرِ وحِدّته. وأمّا قلبُها (جن) - وهو السَّترُ الحاوي - فيُجاور بابَ التغطيةِ في (غلف)؛ فالغِلافُ يَستُر ما تحته، و(جن) يَستُر ما فيه ويَكُنُّه، غير أنّ الغطاءَ في (غلف) يَحجُب عن الإدراك، والسَّترَ في (جن) يَحوي ويُميّز. فالإخفاءُ بالستر بابٌ تَحته أنواعٌ تَفترق بحركةِ الحرفِ الثالث.
الخلاصة
تألّفتِ السداسيةُ من ثلاثةِ أحرف: نونٍ هي الوعاءُ الساكنُ الحاوي، وجيمٍ هي الجمعُ المتداخلُ الذي يَعصِر ما يَدخُله، وواوٍ هي المدُّ الذي يُطيلُ أثرَ ما قبلَه ويُتِمُّه. فإذا تَصدّر الوعاءُ ثم اقتحمَه الجمعُ كسَر سكونَه فنَفَذ المكنونُ خارجاً صاعداً: تلك الكتلةُ (نج) - نجاةٌ تَصعد، ونَجمٌ يَطلُع، ونَجدٌ يُشرِف، ونَجوةٌ تَرتفع. وإذا تأخّر الوعاءُ فأُغلِق على الجمعِ بعد تَداخُله: تلك (جن) قلبُها - ليلٌ يَحجُب، وبستانٌ يَستُر، وجنينٌ يُحاط، وجِنٌّ يَستَتِر.
والواوُ لا تَعقِد كتلةً ثالثة، بل تَمُدُّ الكتلتَين حيث وَقَعتْ. والتقاليبُ الخمسةُ حيّةٌ - نجو ونوج وجنو وجون ووجن - والسادسُ (ونج) موضعٌ حركيٌّ شاغرٌ نزلَه اسمُ آلةٍ منقول؛ فلا جذرَ أعجمياً، وإنّما يُمنَع المعنى لاستحالةٍ حركيةٍ لا لعُجمة. والقرآنُ على هذا المشهدِ يَركَب الوجهَين: ﴿فَٱلْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ رفعٌ خالصٌ ظاهرٌ على نَجوة، و﴿أَجِنَّةٞ فِي بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡ﴾ سِترٌ حاوٍ في الأرحام. فبَطَلَ أن تكون السداسيةُ ترددًا؛ بل هي كتلةٌ وقلبُها: إظهارٌ بالبروزِ صاعداً (نج)، وإخفاءٌ بالإدخال (جن)؛ ضدّانِ لا يجمعهما لفظٌ ثالث. والجذرُ الواحدُ (نجو) حَمَلَهما: نجاةٌ تَظهَر عاليةً، ونجوى تُخفى. كتلةٌ تُظهِر وقلبُها يُخفي، وهذا والله أعلم.
- [1] معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، ج٥ ص٣٩٧: «النون والجيم والحرف المعتلّ أصلانِ، يدلُّ أحدُهما على كَشْطٍ وكشف، والآخَر على سَترٍ وإخفاء».
- [2] المصدر نفسه، ج٥ ص٣٩٧: «نَجَوْتُ الجِلدَ أنْجُوه - والجِلدُ نَجًا - إذا كشَطْتَه»، و«نَجَا الإنسانُ ينجو نَجاةً، ونَجاءً في السُّرعة؛ وهو معنى الذَّهاب والانكشاف من المكان».
- [3] المصدر نفسه، ج٥ ص٣٩٨: «النَّجاةُ والنَّجْوةُ من الأرض، وهي التي لا يَعْلُوها سَيل»، وعلّله بأنّه «لمَّا نَجَا من السَّيل فكأنَّه الشيءُ الذي يَنجو من شيءٍ بذَهابٍ عنه».
- [4] المعجم الاشتقاقي المؤصّل، محمد حسن جبل، ج٤ ص٢١٥٧: «المعنى المحوري: خُلوصُ الجِرم - أو نفاذُه مرتفعًا - من بين ما يحيط به أو يجاوره؛ كالأرض المرتفعة وسَنَدَي الوادي، وكالأغصان تمتدّ من ساق الشجرة». ومنه «النَّجْوُ: السحابُ الذي قد هَراق ماءَه ومَضى» - فقد نَفَذ الماءُ منه فخَفَّ وعَلا.
- [5] مقاييس اللغة، ج٥ ص٣٩٦: «ونَجَمَ النَّجمُ: طَلَعَ. ونَجَمَ السِّنُّ والقَرنُ: طَلَعَا. والنَّجمُ: الثُّرَيّا».
- [6] مقاييس اللغة، ج٥ ص٣٩٤: «نَجَش: أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على إثارةِ شيء»؛ ومنه النهيُ «لا تَناجَشُوا»، أي لا تُثيروا السِّلعةَ بزيادةٍ كاذبة.
- [7] مقاييس اللغة، ج٥ ص٣٩١: «النون والجيم والدال أصلٌ واحدٌ يدلُّ على اعتلاءٍ وقوّةٍ وإشراف. منه النَّجدُ: الرجُلُ الشُّجاع، ونَجُدَ الرَّجُلُ ... إذا صار شُجاعاً»؛ وبه سُمِّيت نَجدٌ لارتفاعها.
- [8] مقاييس اللغة، ج٥ ص٣٩٦: «النون والجيم واللام أصلانِ صحيحان: أحدُهما يدلُّ على رَمْيِ الشيء ... فالأوّلُ النَّجْلُ: رَمْيُكَ الشيءَ»؛ ومنه النَّجلُ: الوَلَد.
- [9] مقاييس اللغة، ج١ ص٤٢١: «الجيم والنون أصلٌ واحد، وهو السَّترُ والتستّر. فالجَنّةُ ما يصير إليه المسلمون في الآخرة، وهو ثوابٌ مستورٌ عنهم اليوم. والجَنّةُ البستان، وهو ذاك لأنَّ الشجرَ بِوَرَقه يَستُر».
- [10] المصدر نفسه، ج١ ص٤٢٢: «المِجَنُّ: الترسُ. وكلُّ ما اسْتُتِر به من السِّلاح فهو جُنّة».
- [11] المعجم الاشتقاقي المؤصّل، ج١ ص٣٤٥: يَردُّ البابَ إلى الستر والكنّ؛ ومنه الستر في (جنن)، و«الثمرُ الذي كان مستَجِنًّا في شجره وتولّد منه» في (جنى)، و«تركُّزُ الكثافةِ إلى درجةِ الصلابة».
- [12] مقاييس اللغة، ج١ ص٤٩٦: «الجَوْنُ عند أهل اللغة قاطبةً اسمٌ يقع على الأسود والأبيض ... والجَوْنةُ: الشمسُ. فقال قومٌ: سُمِّيت لبياضها ... صافيةٌ ذاتُ شعاعٍ باهر ... وقال قومٌ: بل سُمِّيت جَوْنةً لأنها إذا غابت اسوَدّت».
- [13] مقاييس اللغة، ج٦ ص٨٨: «الواو والجيم والنون يدلُّ على صلابةٍ في الشيء. ومنه الوَجِينُ: العارضُ من الأرض ... صُلبٌ ... وبه سُمِّيت الناقةُ وَجْناء ... وقياسُ وَجْنةِ الإنسان منه، لأنَّ فيها صلابةً وشِدّة ... والمِيجَنة: الخشبةُ يُدَقُّ بها».
- [14] كتاب العين، الخليل بن أحمد، ج٦ ص١٨٧: «الوَجْنةُ: ما ارتفع من الخدِّ بين الشِّدقِ والمَحجِر ... والوَجناءُ من النُّوق: ذاتُ الوَجنةِ الضَّخمة».
- [15] لسان العرب، ابن منظور، ج٢ ص٣٨٤: «ناجَ يَنُوجُ إذا راءى بعمله. والنَّوْجةُ: الزَّوْبعةُ من الرياح»، عن ابن الأعرابي؛ وذكره الزَّبيديُّ في تاج العروس ج٦ ص٢٥٠. فالنَّوْجةُ صعودٌ ظاهر، والرِّياءُ رفعُ العملِ ليُرى - كلاهما من باب (نج): الظهورُ والارتفاع.
- [16] لسان العرب ج٢ ص٤٠١: «الوَنَجُ: المِعْزَفُ ... فارسيٌّ معرَّبٌ أصله وَنَهْ»؛ وكذا تاج العروس ج٦ ص٢٦٥ وكتاب العين ج٨ ص٤٠٣. والمنقولُ اسمُ عَينٍ بذاتِها (الآلة) لا الجذرُ؛ فالجذورُ لا تُوصَف بالعُجمة، وإنّما تُنقَل أسماءُ أعيانٍ بأعيانها.
- [17] النجاةُ والفوزُ كلاهما ارتفاعٌ بدافعِ الخطر؛ والفرقُ في قُربِ الخطرِ وحِدّته: النجاةُ خطرٌ أسفلَ قريبٌ حادٌّ فارتفاعُها مباشرٌ خاطف، والفوزُ خطرٌ بعيدٌ أو جانبيٌّ فصعودُه متدرّجٌ هيِّن يَرتقي رويداً رويداً. وتُفصَّل المفازةُ في سداسية (ف و ز).
- [18] الستر هو الأصلُ الثاني لجذر (نجو) عند ابن فارس في مقاييس اللغة، ج٥ ص٣٩٧ («والآخَر على سَترٍ وإخفاء»)؛ ومنه النَّجوى والمناجاةُ: إخفاءُ الكلامِ عمّن سواهما. فالجذرُ الواحدُ يَحمل الوجهَين: ظهوراً عالياً في «النجاة»، وإخفاءً ساتراً في «النجوى».
التعليقات (0)