حرف الألف: لماذا هو الامتداد؟
مدخل: ما الذي يَجعل الشيءَ حرفاً؟
الحرفُ في علم آدمَ ما له متجهٌ فاعلٌ يَزرع أثراً في المعنى؛ فالعبرةُ بالأثرِ والفعاليّةِ لا بالأصلِ والمنشأ. وعلى هذا المعيارِ نَزِن الألف: هل له أثرٌ في المعنى؟ فإن كان له أثرٌ فهو حرفٌ قائمٌ - الحرفُ التاسعُ والعشرون - وإن كان منشؤه الصرفيُّ تحوُّراً عن غيرِه. وسنَجمع في هذا كلامَ اللغويِّين والنحويِّين والصرفيِّين، ونَقرأ تحته محرّكَ علم آدم(٦).
أوّلاً - شهادةُ اللغويين: الألفُ حرفٌ معدودٌ، وهو أوسعُها امتداداً
عدَّ سيبويهِ الألفَ حرفاً قائماً برأسِه، قال: «فأصلُ حروفِ العربيةِ تسعةٌ وعشرون حرفاً: الهمزةُ، والألفُ، والهاءُ، والعينُ...»(١) - فجعل الهمزةَ والألفَ حرفين متمايزين معدودين. ثمّ وصفَ الألفَ بأوسعِ مخرجٍ، فسمّاها «الهاوي»: «حرفٌ اتّسع لهواءِ الصوتِ مخرجُه أشدّ من اتساعِ مخرجِ الياءِ والواو»(٢). وجعلها مع الواوِ والياءِ «ثلاثةً أخفى الحروفِ لاتساعِ مخرجها»، وقرّر أنّ «الحركاتِ من الألفِ والياءِ والواو» و«الفتحةَ من الألف»(٣). ووافقه الخليلُ في العين، فجعل «الألفَ اللينةَ والواوَ والياءَ» من الجوفيّةِ الهوائيّة، «سُمّيت جوفاً لأنّها تخرج من الجوفِ... هوائيةٌ، أي في الهواء»(٤). فهؤلاء أئمةُ اللغةِ يعدّون الألفَ حرفاً، ويصفونها بأوسعِ امتدادٍ هوائيٍّ - وهو عينُ «الامتداد» الذي يقرؤه علم آدم.
ثانياً - فعاليّةُ الألفِ في علم آدم: الأثرُ الفارق
وهنا قراءةُ علم آدم - وهي تأويلٌ منه، لا نصٌّ عن سيبويه ولا عن أحدٍ من المتقدّمين: متجهُها الامتدادُ، وله أثرٌ يَقلِب المعاني. ففي الأجوفِ يَفترق المعلومُ من المجهول؛ فـ«قَالَ» امتدادُه ظاهر، و«قِيلَ» انطوى أصلُه ياءً مستترةً(٨) - والقاعدةُ الصرفيّةُ معروفةٌ، وإنّما التأويلُ بالامتدادِ والانطواءِ من علم آدم. وفيه أيضاً يَفترق الفاعلُ من المفعولِ في الأسماء: «عِبَاد» بالألفِ فاعلون أحرار، و«عَبِيد» بالياءِ مفعولون مقهورون؛ وبه يُصاغ اسمُ الفاعلِ «فاعِل»؛ وبه يكون المدُّ في التلاوة. فالألفُ تَعمل وتُؤثّر وتُفرّق - وهذه هي الفعاليّة. فبمعيارِ الأثرِ هي حرفٌ تاسعٌ وعشرون فاعلٌ بلا ريب.
ثالثاً - المنشأ (التحوُّر) لا يَقدح في الحرفيّة
وقد يُقال: الألفُ لا تكون أصلاً في جذر، بل منقلبةٌ عن واوٍ أو ياء. وهذا حقٌّ صرفيّاً: قرّر الصرفيّون أنّ «كلَّ واوٍ أو ياءٍ تحرّكت وانفتح ما قبلها تُقلب ألفاً» (عصا أصلُها عصو، وقال أصلُها قول، وباع أصلُها بيع)(٧)، وقال ابن جنّي: «الألفُ لا تكون أصلاً في الأسماء ولا الأفعال، وإنّما هي بدلٌ... وليست كذلك الواوُ والياء، لأنّ كلَّ واحدةٍ منهما قد تكون أصلاً كما تكون بدلاً»(٥). لكنّ هذا يصفُ منشأَها الصرفيَّ لا فعاليّتَها؛ والعبرةُ - كما تقرّر - بالأثرِ لا بالأصل. فالألفُ كالبخارِ: أصلُه الماءُ، وهو كائنٌ فاعلٌ له خصائصُه. فالتحوُّرُ في المنشأ لا يُسقِط الحرفيّةَ ما دامتِ الفعاليّةُ قائمة.
رابعاً - الألفُ والهمزةُ والواوُ والياء: نسبٌ واحدٌ ووظائفُ متمايزة
والجوفيّةُ (الألفُ والواوُ والياءُ والهمزة) - وقد عدَّها الخليلُ جوفيّةً هوائيّة - متمايزةُ الوظائفِ في قراءةِ علم آدم: الألفُ الامتدادُ الباسط، والواوُ تمدُّدُ أثرِ السابق، والياءُ الانطواء، والهمزةُ الإيجادُ من العدم. والهمزةُ تشارك الألفَ كرسيَّ الرسمِ (ا) فيقع اللبس، لكنّهما متغايرتان جوهراً: امتدادٌ ساكنٌ مقابلَ إيجادٍ متحرّكٍ قاطع. وبينهما علاقةٌ حقيقيّةٌ لا رسميّةٌ فقط: الواوُ والياءُ تنقلبان ألفاً إذا انفتح ما قبلهما، وهمزةً إذا تطرّفتا بعد ألفٍ - وهو قياسٌ مطّردٌ لا سماع: «كساء» أصلُه كساو، و«أسماء» وقعت لامُه بعد الألفِ فقُلبت همزة(٩). وعلّتُه أنّ «الألفَ لا يصحّ تحريكُها، فإن حُرّكت انقلبت همزة»(١٠). فهنّ من أصلٍ واحدٍ (و/ي)، لكلِّ واحدةٍ فعاليّتُها.
خامساً - الألفُ في القرآن
وفعاليّةُ الامتدادِ ظاهرةٌ في التنزيل: المدُّ بَسطُ الصوتِ بالألف، ويَرسُمه المصحفُ ألفاً خنجريّةً في ﴿ٱلرَّحۡمَٰن﴾ و﴿ٱلۡكِتَٰب﴾ و﴿ٱلۡعَٰلَمِين﴾ - أنقى صورةِ المدّ(١١). وأمّا فواتحُ ﴿الٓمٓ﴾ فمبدوءةٌ بهمزةِ اسمِ «أَلِف» لا بالألفِ المدّية. فالألفُ امتدادٌ موجودٌ مسموعٌ فاعل.
الخلاصة
بمعيارِ علم آدمَ - الأثرُ والفعاليّةُ لا الأصل - الألفُ حرفٌ تاسعٌ وعشرون فاعلٌ قائم: فعاليّتُه الامتدادُ، وأثرُه يَقلِب المعاني (قال/قيل، عِباد/عبيد، فاعِل، المدّ). وقد عدَّه سيبويهِ حرفاً، وسمّاه «الهاوي» أوسعَ الحروفِ مخرجاً، وجعله الخليلُ من الجوفيّةِ الهوائيّة - وكلُّه وصفُ الامتداد. وأمّا كونُه منقلباً عن الواوِ والياءِ في أصلِه الصرفيِّ فحقٌّ، لكنّه يصفُ المنشأَ لا يَقدح في الحرفيّةِ ولا الفعاليّة - كالبخارِ كائنٌ فاعلٌ وأصلُه الماء. هكذا يلتقي كلامُ اللغويِّين والنحويِّين والصرفيِّين مع علم آدم: حرفٌ موجودٌ فاعلٌ، امتدادُه أثرُه.
الهوامش
- سيبويه، الكتاب جـ٤ ص٤٣١: «فأصلُ حروفِ العربيةِ تسعةٌ وعشرون حرفاً: الهمزةُ، والألفُ، والهاءُ، والعينُ...» - فعدَّ الهمزةَ والألفَ حرفين متمايزين. ↩
- سيبويه، الكتاب جـ٤ ص٤٣٥-٤٣٦: «ومنها الهاوي، وهو حرفٌ اتّسع لهواءِ الصوتِ مخرجُه أشدُّ من اتساعِ مخرجِ الياءِ والواو... وهي الألف» - فالألفُ أوسعُ الحروفِ مخرجاً. ↩
- سيبويه، الكتاب جـ٤: «وهذه الثلاثةُ أخفى الحروفِ لاتساعِ مخرجها» (ص٤٣٦)، و«إنما الحركاتُ من الألفِ والياءِ والواو» (ص١٠١)، و«الفتحةُ من الألف» (ص١٤٢) - فحروفُ المدِّ أصلُ الحركات. ↩
- الخليل، العين جـ١ ص٥٧: «الألفُ اللينةُ والواوُ والياءُ... سُمّيت جوفاً لأنها تخرج من الجوف»، و«الألفُ اللينةُ والواوُ والياءُ هوائيةٌ، أي أنها في الهواء». ↩
- ابن جنّي، الخصائص جـ١ ص٣٧٨: «الألفُ لا تكون أصلاً في الأسماء ولا الأفعال، وإنما هي مؤذِنةٌ بما هي بدلٌ منه... وليست كذلك الواوُ والياءُ، لأنّ كلَّ واحدةٍ منهما قد تكون أصلاً كما تكون بدلاً». ↩
- الجدول الدوري ٢٤ (متجهات اللسان): الألف = الامتداد، والهمزة = الإيجاد من العدم، والواو = تمدُّد أثر السابق، والياء = الانطواء؛ والحرفُ ما له متجهٌ فاعل. ↩
- الإعلال بالقلب (قياسٌ مطّرد) - إيجاز التعريف في علم التصريف ص٩٥: «تحرّكت الياءُ وانفتح ما قبلها فقُلبت ألفاً، وهذا قياسٌ مطّردٌ في الواوِ والياء» - فأصلُ «رمى» رمي، و«قال» قول، و«باع» بيع. ↩
- الأجوف يُبنى للمجهولِ بردِّ الأصلِ ياءً (أو واواً): قَالَ/قِيلَ، بَاعَ/بِيعَ، سَارَ/سِيرَ - فتظهر الياءُ/الواوُ المستترةُ تحت الألف، وهو أثرُ تبدُّلِ الامتدادِ انطواءً. ↩
- قلبُ الواوِ والياءِ همزةً قياسيٌّ مطّرد: «كساء» أصلُه كساو، «وقعت الواوُ طرفاً وقبلها ألفٌ زائدةٌ... فقُلبت همزة» (إيجاز التعريف ص٩٥)؛ و«الرياءُ... الياءُ انقلبت همزةً لوقوعها طرفاً بعد ألفٍ زائدة» (المسائل الحلبيات ص٥١)؛ ومنه أسماء ودعاء وسماء. ↩
- المرتجل في شرح الجمل (ابن الخشاب) ص٤٥: «والألفُ لا يصحُّ تحريكُها لأنها إن حُرّكت انقلبت همزةً، فزال عنها لفظُها وخرجت عن كونها ألفاً» - فالهمزةُ صورةُ الألفِ المُحرَّكة. ↩
- المصحفُ يَرسُم المدَّ ألفاً خنجريّة (ٱلرَّحۡمَٰن، ٱلۡكِتَٰب، ٱلۡعَٰلَمِين)؛ وفواتحُ ﴿الٓمٓ﴾ تُقرأ «أَلِف لام ميم» بهمزةِ القطع لا بالألفِ المدّية. ↩
فهرس دراسات الحروف (٢٩ حرفاً)
خريطةُ الحروفِ الـ٢٩ ومتجهاتُها - جدولُ علم آدم الدوري
التعليقات (0)