السابقون إلى قراءة الحروف

الخليل١٧٠هـابن جنّي٣٩٢هـالجوهري٣٩٣هـجبلمعاصرعلم آدم

السابقون إلى قراءة الحروف

من الخليل وابن جنّي إلى جبل، ومن السابقين إلى الأصل الثنائي - وأين جِدّةُ علم آدم

بقلم: علي موسى الزهراني — علم آدم

يقوم علم آدم على أنّ كلَّ حرفٍ قوّةٌ ذاتُ معنىً ثابت، وأنّ الكلمةَ تُبنى من اجتماع هذه القوى. ولسنا أوّلَ من لمَح هذا الأصل؛ فقد سبَقَنا إليه أئمةٌ من القدماء والمحدَثين. وأمانةً للعلم نَجمع شهاداتِهم هنا: فالسبقُ في المبدأ معترَفٌ به، والجِدّةُ في التنظيم والقياس وتحكيم القرآن. وشهاداتُهم تَجري في مَجرَيين: سَبْقٌ إلى أنّ الحرفَ قوّةٌ ذاتُ معنى، وسَبْقٌ إلى أنّ الكتلةَ الثنائيةَ محورُ المعنى والثالثَ تخصيصٌ لها.

١) الخليل: نظامُ التقاليب في «العين»

رتّب الخليلُ بنُ أحمد (ت ١٧٠هـ) أقدمَ معاجم العربية على التقاليب: يأخذ الأصلَ ويُقلِّبه على وجوهه كلِّها، فيُثبت المستعملَ ويُهمل المهمل.

«يأخذ من الثنائي مثلاً (عق) فيُترجم لها، ثُمَّ يُترجم لمقلوبها (قع)… فإذا انتهى من الكلمة وتقليباتها انتقل إلى الكلمة التي تليها.» — وصفُ منهجِه في «العين»

والثلاثيُّ عنده ستّةُ تقاليب — وهي «السداسية» بعينها — والرباعيُّ أربعةٌ وعشرون، والخماسيُّ مئةٌ وعشرون وجهاً. وفي قاعدته «لا يَثبت من المجموعة إلا المستعمل» بذرةُ ما نسمّيه الحيَّ والميّت. فأصلُ فكرة السداسية، ونظامِ الحيّ والميّت، مسبوقٌ في أعرق المعاجم. لكنّ الخليلَ أحصى التقاليبَ وميّز المستعملَ، ولم يَعقد لها معنىً جامعاً ولا فسَّرها ميكانيكياً.

٢) ابن جنّي: الاشتقاقُ الأكبر والمناسبةُ الصوتية

هنا تَظهر النواةُ النظرية. قرّر ابنُ جنّي (ت ٣٩٢هـ) في «الخصائص» أنّ تقاليبَ الجذر الستّ تَشترك في معنىً واحد، وسمّاه الاشتقاقَ الأكبر:

«أن تأخذَ أصلاً من الأصول الثلاثية، فتَعقدَ عليه وعلى تقاليبه الستّة معنىً واحداً… وإن تَباعدَ شيءٌ من ذلك عنه رُدَّ بلُطف الصنعة والتأويل إليه.»

ومثّل بمادّة (ق و ل): قول/قلو/وقل/ولق/لقو/لوق — زعَم أنّها كلَّها تدلُّ على الخِفّة والحركة. وهذا في صميمه منهجُ السداسيات. وزاد باباً في «إمساس الألفاظ أشباهَ المعاني» — أي المناسبةِ بين جَرس الصوت ومعناه — وهو في جوهره مبدأُ المتّجِه.

٣) الجوهري في «الصحاح»: تسجيلُ المقلوب

وحين نَرجع إلى «الصحاح» للجوهري (ت ٣٩٣هـ) — وهو من أدقِّ المعاجم وأشهرها، مرتَّبٌ على أواخر الحروف — نجده يُسجِّل صلةَ المقلوب بين الكلمة وقَلبها داخل موادِّه:

«جَبَذتُ الشيءَ مثلَ جَذَبتُه، مقلوبٌ منه.» — الجوهري، الصحاح

فـ«جَبَذ» و«جَذَب» فعلٌ واحد (الجَذب) بترتيبٍ معكوس — وهذه بعينها فكرةُ انعكاس الكتلة عندنا، مشهودةً في أعرق المعاجم. ونظيرُه قولُه في «البُحتُر» القصير: «وكذلك الحَبتَر… وهو مقلوبٌ منه». والإنصافُ أن نقول: لم يَبنِ الجوهريُّ نظامَ تقاليبٍ كالخليل، لكنّه شاهدٌ ثَبتٌ على أنّ المقلوبَ يَحمل معنى أصله — وهو لُبُّ ما يَعنينا.

٤) ابن فارس: الأصلُ الواحد للمادة

وفي «مقاييس اللغة» يَجعل ابنُ فارس (ت ٣٩٥هـ) لكلِّ مادّةٍ أصلاً واحداً تَعود إليه فروعها: «الكاف والسين واللام أصلٌ صحيح، وهو التثاقُل عن الشيء». فثباتُ المعنى الأصلي للمادّة مبدأٌ راسخٌ سابق.

٥) جبلٌ حديثاً: جدولُ معاني الحروف

وأصرحُ المحدَثين الدكتور محمد حسن جبل في «المعجم الاشتقاقي المؤصّل»؛ قرّر أنّ «لكلِّ حرفٍ ألفبائيٍّ معنىً مستقلّاً… مع ثبوت التلازم بين جنس المعنى ووجود الحرف»، ووضع في مقدّمته جدولاً لمعاني الحروف، ثُمَّ صرّح بأنّ المبدأ «سبَق إلى بيانه وإثباته الإمامُ ابنُ جنّي». فهو يَردُّ الفضلَ إلى سابقه، كما نَردُّ نحن الفضلَ إليهما.

ولأنّ جبلاً أقربُ السابقين إلينا، نَضع قراءتَه لكلِّ حرفٍ بإزاء قراءتنا — حرفاً حرفاً — بلا تَجميل. والنتيجةُ الصادقة: يَلتقيان في المبدأ (أنّ الحرفَ قوّةٌ ذاتُ معنى)، ويَفترقان في تعيين المعنى افتراقاً واسعاً؛ فلا اتفاقَ تامٌّ إلا في حرفٍ واحد:

الحرفعند جبلعند علم آدمالحكم
ءتؤكّد ما تَصحبهالإيجاد من العدممختلف
امدٌّ بلا معنى مستقلّالامتداد الفاعلمختلف
بتجمُّعٌ رخوٌ مع تلاصقالتراكم والثِّقلمتقارب
تضغطٌ بدقّة (امتساك/قطع)الارتداد المتكرِّرمختلف
ثكثافةٌ مع تفشٍّالتشتُّت العشوائيمتقارب
جتجمُّعٌ هشٌّ مع حدّةالجمع المادّيمتقارب
حاحتكاكٌ بعَرْضٍ وجفافتجويفٌ يحتكُّ بما فيهمتقارب
ختخلخلٌ مع جفافالضغط للأسفلمختلف
داحتباسٌ بضغطٍ وامتدادالدفع للأماممختلف
ذنفاذٌ ثخينٌ ذو رخاوةالتفكُّك الهشّمختلف
راسترسالٌ مع تماسكالزخم الاندفاعيمتقارب
زاكتنازٌ وازدحامالضِّيق الإبريمختلف
سامتدادٌ بدقّةٍ وحدّةالانسياب البطيءمتقارب
شتفشٍّ مع دقّةالتفريق المنتظممتقارب
صنفاذٌ بغلظٍ وخلوصالإحكام الصلبمختلف
ضضغطٌ بكثافةٍ وغلظالضغط الجانبيمتقارب
طضغطٌ باتساعٍ واستغلاظالتسطيحمتقارب
ظنفاذٌ بغلظٍ مع كثافةالغطاء الجاثممختلف
عالتحامٌ على رقّةٍ مع حدّةجسمٌ ظاهرٌ بعد خفاءمختلف
غتخلخلٌ مع رخاوةجسمٌ غائبٌ بعد ظهورمختلف
فطردٌ وإبعادانعكاس الفعلمختلف
قتعقُّدٌ في العمقالتقييد والالتصاقمختلف
كضغطٌ غئوريٌّ دقيقوعاءٌ تفاعليمختلف
لتعلُّقٌ وامتدادٌ مع استقلالجسمٌ شاخصٌ رأسيمختلف
مامتساكٌ واستواءٌ ظاهريالتكتُّل السكونيمتقارب
نامتدادٌ لطيفٌ في الباطنوعاءٌ ساكنمختلف
هـفراغٌ أو إفراغالفراغ والعلويّةمتّفق
واشتمالٌ واحتواءتمدُّد أثر السابقمختلف
ياتصالالانطواءمختلف

فالحصيلةُ صريحة: اتفاقٌ تامٌّ في حرفٍ واحد (الهاء)، وتقاربٌ في نحو عشرةٍ دون تطابق، واختلافٌ في الأكثر. ومعنى ذلك أنّ ابنَ جنّي وجبلاً سبَقا إلى المبدأ، أمّا هذا النظامُ المعيَّن من المتّجهات فبناءٌ مستقلّ.

٦) السابقون إلى الأصل الثنائي: الكتلةُ قبل الحرف الثالث

وثَمَّ سَبْقٌ ثانٍ يَمَسُّ صميمَ علم آدم؛ فقد لمَح طائفةٌ من اللغويين أنّ مئاتٍ من الألفاظ تشترك في حرفين وفي معنىً عامٍّ يجمعها، ثُمَّ يأتي الحرف الثالث فيُخصِّص. فـ(قطب، قطع، قطف، قطم) تدور على القاف والطاء، معناهما الفصل والقطع؛ و(جذب، جذم، جذر) على الجيم والذال، معناهما الأصل؛ و(حجب، حجر، حجز) على الحاء والجيم، معناهما المنع؛ و(نفث، نفخ، نفذ، نفس) على النون والفاء، معناهما الخروج والنفاذ. وهذا في صميمه ما نُسمّيه الكتلة الثنائية.

ورأَوا أنّ الحرف الزائد يَقع في أحد ثلاثة مواضع: تذليلاً في الآخر - وهو الأكثر - أو تصديراً في الأول، كـ(بهر، صهر، سهر، شهر، ظهر، قهر، نهر) على الهاء والراء، معناهما الظهور والوضوح؛ أو حشواً في الوسط. فكانت زيادةُ المبنى مقرونةً بزيادةٍ في المعنى، مع بقاء الأصل العامِّ محفوظاً في الحرفين.

وعند القدماء بذورُه: فابنُ دريد (ت ٣٢١هـ) جعَل الثنائيَّ الصحيح ما ضُعِّف فيه ثانيه، وعقَد له باب «المضاعف»؛ فـ«بتّ» عنده أصلُها «بَتَتَ»، ثنائيٌّ في الصورة ثلاثيٌّ في الحقيقة(١). وابنُ فارس - وقد مرّ - يَردُّ كلَّ مادّةٍ إلى أصلٍ واحدٍ يجمع فروعها(٢)، وهو هذا المسلكُ بعينه.

وأفصحَ المحدَثون عنه: فالأب أنستاس ماري الكرملي (١٨٦٦-١٩٤٧) قرّر أنّ أصل الوضع كان على حرفين - متحرّكٍ فساكن - محاكاةً للطبيعة، ثُمَّ زِيد الثالثُ صدراً أو حشواً أو طرفاً باختلاف البيئات(٣). ونحا جرجي زيدان (١٨٦١-١٩١٤) منحى النحت، فردَّ الثلاثيَّ إلى أصلين ثنائيين اختُصرا في النطق(٤). ووازن الأب مرمرجي الدومنكي - السريانيُّ الأصل - العربيَّ بأخواتها الساميّات، فألفى المضعَّفَ العربيَّ يقابله ثنائيٌّ في السريانية، وأنّ كثيراً منه أسماءُ أصواتٍ وزجرٍ (أفّ، بخّ، صه)(٥). وجعَل عبد الله العلايلي (ت ١٩٩٦) الثنائياتِ المعتلّةَ المحفوظةَ في المعاجم أصلاً تُردُّ إليه الثلاثيات(٦). وأفرد إبراهيم السامرائي في «فقه اللغة المقارن» بحثاً في ثنائية العربية وما طرأ على أصولها بالزيادة والقلب، في ضوء المقارنة الساميّة(٧).

وموقفُنا منهم كموقفنا ممّن قبلهم: لهم السبقُ إلى أنّ الكتلةَ الثنائيةَ محورُ المعنى والثالثَ تخصيصٌ لها - وهو أصلٌ نَبني عليه. غير أنّ علم آدم لا يقوم على دعوى تاريخية (أنّ العربية كانت ثنائيةً ثُمَّ تثلّثت)، بل يأخذ هذه الملاحظةَ بنيةً قائمةً في كلِّ كلمة: حرفان يحملان متّجهاً يُقاسان مع معكوسهما في السداسية، ثُمَّ تُعرَض النتيجةُ على القرآن حَكَماً. فعيّنوا الكتلةَ ووقفوا، وزِدنا عليها المتّجهَ والمعكوسَ والمِحكَّ القرآنيَّ.

٧) فأين جِدّةُ علم آدم؟

السبقُ في المبدأ لهم، نُقرُّ به ولا نُنكره. وأمّا الجديدُ فأمورٌ لم يَبلغوها:

عندهمفي علم آدم
صياغةٌ لغويةٌ عامّة لمعنى الحرفتعيينُ المعنى متّجهاً مضبوطاً يُقاس
إحصاءُ التقاليب (الخليل)قراءةُ التقاليب الستّ مشهداً ميكانيكياً واحداً
تمييزُ المستعمل والمهملتعليلُ الحيّ والميّت بِبنية الكتلة
المناسبةُ بين الصوت والمعنىبناءُ الكتل الثنائية وقوانينها على المتّجهات
المعجمُ مرجعاً أعلىالقرآنُ هو الحَكَمُ الذي تُعرَض عليه النتائج
الكتلةُ الثنائيةُ أصلٌ تاريخيٌّ مُفترَضالكتلةُ بنيةٌ تُقرأ في كلِّ كلمة، لا دعوى في تاريخ النشأة

الخلاصة

ليس علم آدم دعوى انفرادٍ بأصل الفكرة؛ فقراءةُ الحروف قوًى ذاتَ معنىً طُرِق بابُها قبلنا: أحصى الخليلُ تقاليبَها، ونظّر ابنُ جنّي لمعناها الجامع، وسجّل الجوهريُّ مقلوبَها، وأحياها جبلٌ حديثاً في جدول، وردَّ الكرمليُّ والعلايليُّ وأصحابُهما الثلاثيَّ إلى كتلةٍ ثنائيةٍ تَحمل معناه. فحقُّهم علينا أن نَعترف بسبقهم إلى المبدأ، وحقُّ العلم أن نَمضيَ فيما لم يُتمّوه: متّجهاتٌ تُقاس، وكتلٌ وتقاليبُ تُبنى، وقرآنٌ يُحتكَم إليه. وهذا، والله أعلم.

الهوامش

  1. ابن دريد (ت ٣٢١هـ)، «جمهرة اللغة»، المقدمة - بابُ الثنائي الصحيح والمضاعف؛ جعَل الثنائيَّ ما ضُعِّف ثانيه، ومثاله «بتّ» أصلُها «بَتَتَ».
  2. ابن فارس (ت ٣٩٥هـ)، «مقاييس اللغة» و«الصاحبي في فقه اللغة»؛ ردُّ كلِّ مادّةٍ إلى أصلٍ جامعٍ واحد.
  3. أنستاس ماري الكرملي (١٨٦٦-١٩٤٧)، «نشوء اللغة العربية ونموها واكتهالها»؛ أصلُ الوضع حرفان (متحرّكٌ فساكن) ثُمَّ زِيد الثالث.
  4. جرجي زيدان (١٨٦١-١٩١٤)، «الفلسفة اللغوية والألفاظ العربية» (ط١ ١٨٨٦م)؛ ردُّ الثلاثيِّ إلى نحتِ أصلين ثنائيين.
  5. أوغسطين مرمرجي الدومنكي، «المعجمية العربية على ضوء الثنائية والألسنية السامية»، مطبعة الآباء الفرنسيين - القدس ١٩٣٧م؛ موازنةُ المضعَّف العربيِّ بالثنائي الساميِّ وأسماءِ الأصوات.
  6. عبد الله العلايلي (ت ١٩٩٦)، «مقدمة لدرس لغة العرب وكيف نضع المعجم الجديد»، القاهرة ١٩٣٨م؛ الثنائياتُ المعتلّةُ أصلٌ تُردُّ إليه الثلاثيات.
  7. إبراهيم السامرائي، «فقه اللغة المقارن»، دار العلم للملايين - بيروت؛ بحثُ ثنائية العربية وما طرأ على الأصول بالزيادة والقلب في ضوء المقارنة الساميّة.

© علي موسى الزهراني — علم آدم: قراءةُ القرآن من حروفه

التعليقات (0)