حرف الياء: لماذا هو الانطواء؟
مدخل: متجهُ الياء
على معيارِ علم آدمَ - الحرفُ ما له أثرٌ وفعاليّةٌ في المعنى - متجهُ الياءِ «الانطواء»(١): تَطوي المسافةَ الممتدّةَ وتَسحب المادةَ إلى الداخلِ فتَقبِضها وتَردُّها على نفسِها(٢). وليست نقيضَ الألف؛ فنقيضُ الألفِ هو الواو (كلاهما مدّ، لكنّ الألفَ امتدادٌ مبتدئٌ والواوَ تابع)، والياءُ طيٌّ منكفئ.
أوّلاً - الكتلُ الشاهدة
الطيُّ الحسّيُّ لبُّ الياء. «طوى» «إدراجُ شيءٍ حتى يُدرَجَ بعضُه في بعض؛ طويتُ الثوبَ والكتابَ طيّاً»(٦)، و«لوى» «إمالةٌ للشيء؛ لوى يدَه يَلويها»(٧)، و«ثنى» «تكريرُ الشيءِ مرّتين؛ والاثنان»(٨) - كلُّها طيٌّ ولَيّ. وفي صدرِ الكلمة: «يبس» «جفاف»(٣) - انقباضُ الجسمِ بذهابِ مائه، و«يأس» «قطعُ الرجاء»(٤) - انطواءُ الأملِ المنبسط، و«يتم» الانفرادُ والفقد(٥).
وأصرحُ شاهدٍ حسّيٍّ «اليد»: ليست الامتدادَ - فالذراعُ تَمتدّ - بل الكفُّ أداةٌ للقبضِ وطيِّ الأصابعِ لتَسحبَ وتُمسِك؛ ويدٌ لا تَطوي أصابعَها تَستحيل وتداً جامداً. وعلى هذا «اليوم» دورةٌ تَنطوي على ذاتها لا خطٌّ ممتدّ(٩).
ثانياً - فتحُ المعلقات: ما تُوهِم الامتدادَ والسهولة
يُوهِم ظاهرُ بعضِ الكتلِ امتداداً وسهولة. «يسر» «انفتاحُ شيءٍ وخفّته؛ اليَسَراتُ القوائمُ الخفاف»(١٠) - فالخفّةُ من سرعةِ طيِّ القوائم، و«يقن» «زوالُ الشكّ»(١١) - طيُّ الشكِّ على يقين. وتبقى «يفع» موقوفةً: «الارتفاع؛ اليَفاعُ ما علا»(١٢) - والأقربُ أنّ العلوَّ فيها أثرُ العين.
ثالثاً - الإحياءات وحقيقةُ الحياة
وأصرحُ كتلِ الياءِ متجهاً «(يو)»: العَدَمُ - «انطواءٌ يبدأ بلا مادة، فالمكانُ يُطوى ويَخرج عن الأبعاد»(١٣)؛ ولذلك ماتت (يول، يلو، ليو) إذ لا يبقى بعد الطيِّ التامِّ شيء، والاستثناءُ «اليوم» لأنه زمنٌ يَقبل الطيّ. و«حيي» «خلافُ الموت»(١٤) - والحياةُ في علم آدمَ تمركزُ المادةِ وانطواؤها متماسكةً، والموتُ تشتُّتها.
رابعاً - الياءُ والواو: نقيضان جوفيّان
الياءُ المنطويةُ لا تَستقرّ تحت ضدِّها الباسط: فاجتماعُها بالواوِ «(وي)» - امتدادٌ تابعٌ في مقابلِ طيٍّ منكفئ - يُنتج انهياراً ذاتيّاً، فلا تَحيا (وي) إلا بفصلِ حرفٍ ثالثٍ بينهما(١٦).
خامساً - الياء في القرآن
والقرآنُ يَقرِن الطيَّ بالياءِ صريحاً: ﴿وَٱلسَّمَٰوَٰتُ مَطۡوِيَّٰتُۢ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر ٦٧] - فالمطويُّ مقبوضٌ منضمّ؛ ﴿إِذَا ٱلشَّمۡسُ كُوِّرَتۡ﴾ [التكوير ١] - والتكويرُ لفٌّ وطيّ؛ ﴿يَوۡمَ نَطۡوِي ٱلسَّمَآءَ كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ لِلۡكُتُبِ﴾ [الأنبياء ١٠٤](١٥). فالطيُّ والتكويرُ كلُّها انطواءٌ وقبض.
الخلاصة - وبها تكتمل السلسلة
الياءُ - بمعيارِ الأثرِ والفعاليّة - حرفٌ فاعلٌ قائم، متجهُه الانطواءُ وطيُّ الفراغ: طيٌّ للمادةِ نحو الداخل. صامدٌ في طوى ولوى وثنى (طيٌّ محض)، وفي يبس (قبضٌ بالجفاف)، ويأس (انطواءُ الرجاء)، ويتم (انكفاءٌ على الوحدة)، واليد (قبضُ الكفّ). والمعلقاتُ التي أوهمتِ الامتدادَ (يسر، يقن) انفتحت على الطيِّ نفسِه. وهي نقيضُ الواوِ الباسط. وبالياءِ تَكتمِل دراسةُ الحروفِ التسعةِ والعشرين. والنصوصُ منقولةٌ بمادّتها وجزئها وصفحتها، والتأويلُ قراءةُ علم آدمَ تحتها - لا منسوبٌ لأهلِ اللغة.
الهوامش (من «مقاييس اللغة» و«المعجم» بالجزء والصفحة)
- الجدول الدوري ٢٤ (متجهات اللسان) - من علم آدم: الياء = الانطواء، والألف = الامتداد المبتدئ، والواو = تمدُّد أثر السابق. ↩
- علي موسى الزهراني، «حقيقة حرف الياء»: متجهُ الياء «الانطواء، وسحبُ الفراغ، وطيُّ المادةِ للداخل». ↩
- ابن فارس، مقاييس اللغة، (يبس) جـ٦ ص١٥٤: «أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على جفاف؛ يبِس الشيءُ ييبَس». ↩
- نفسه، (يأس) جـ٦ ص١٥٣: «اليأس: قطعُ الرجاء؛ وليست ياءٌ في صدرِ كلمةٍ بعدها همزةٌ إلا هذه». ↩
- نفسه، (يتم) جـ٦ ص١٥٤: الانفرادُ والفقد؛ «ويقولون لكلِّ منفردٍ يتيم، حتى قالوا بيتٌ يتيمٌ من الشعر». ↩
- نفسه، (طوي) جـ٣ ص٤٢٩: «أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على إدراجِ شيءٍ حتى يُدرَجَ بعضُه في بعض؛ طويتُ الثوبَ والكتابَ طيّاً». ↩
- نفسه، (لوي) جـ٥ ص٢١٨: «أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على إمالةٍ للشيء؛ لوى يدَه يَلويها، ولوى برأسِه أمالَه». ↩
- نفسه، (ثني) جـ١ ص٣٩١: «أصلٌ واحدٌ، وهو تكريرُ الشيءِ مرّتين أو جعلُه شيئين متواليين؛ ثنيتُ الشيءَ ثنياً، والاثنان». ↩
- علي موسى الزهراني، «حقيقة حرف الياء» (تشريحُ المحرّك): اليدُ أداةُ القبضِ والطيّ لا الذراعُ الممتدّة، واليومُ دورةٌ تنطوي. ↩
- ابن فارس، مقاييس اللغة، (يسر) جـ٦ ص١٥٥: «أصلانِ: انفتاحُ شيءٍ وخفّته، وعضوٌ من الأعضاء؛ واليَسَراتُ القوائمُ الخفاف». ↩
- نفسه، (يقن) جـ٦ ص١٥٧: «اليَقَنُ واليقينُ: زوالُ الشكّ؛ يقِنتُ واستيقنتُ وأيقنتُ». ↩
- نفسه، (يفع) جـ٦ ص١٥٧: «كلمةٌ تدلُّ على الارتفاع؛ اليَفاعُ ما علا من الأرض، وأيفعَ الغلامُ علا شبابُه» - موقوفة. ↩
- معجم الكتل (علي الزهراني): (يو) العَدَم «انطواءٌ يبدأ بلا مادة، فالمكانُ يُطوى ويَخرج عن الأبعاد»؛ ماتت يول/يلو/ليو. ↩
- ابن فارس، مقاييس اللغة، (حيي) جـ٢ ص١٢٢: «أصلان أحدُهما خلافُ الموت»؛ والحياةُ في علم آدمَ تمركزُ المادةِ وانطواؤها متماسكةً، والموتُ تشتُّتها. ↩
- القرآن: ﴿وَٱلسَّمَٰوَٰتُ مَطۡوِيَّٰتُۢ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر ٦٧]؛ ﴿إِذَا ٱلشَّمۡسُ كُوِّرَتۡ﴾ [التكوير ١]؛ ﴿يَوۡمَ نَطۡوِي ٱلسَّمَآءَ﴾ [الأنبياء ١٠٤]. ↩
- الجدول الدوري ٢٤ (القوانين): «اجتماعُ متجهَين جوفيَّين متعاكسَين متلاصقَين (وي) يُنتج انهياراً ذاتيّاً»؛ والياءُ في الوسطِ تَطوي - قراءةُ علم آدم. ↩
فهرس دراسات الحروف (٢٩ حرفاً)
خريطةُ الحروفِ الـ٢٩ ومتجهاتُها - جدولُ علم آدم الدوري
التعليقات (0)