حرف الحاء: لماذا هو التجويفُ الذي يَحتكُّ بما فيه؟

 

حرف الحاء: لماذا هو التجويفُ الذي يَحتكُّ بما فيه؟

متجهٌ واحدٌ ثابت: يَحوي في الابتداء، ويُحتَكُّ جدارُه أو يُخرَق في الانتهاء - حلقيٌّ رخوٌ مهموس، فمخرجُه نفسُه تجويفٌ يجري فيه الاحتكاك
بقلم: علي موسى الزهراني
حتجويفٌ يَحتكُّ بما فيه
حرف الحاء
المتجه: التجويف المحتكّ
المعنى: تجويفٌ حاوٍ يُلامس ما بداخله ويحتكُّ به - يَحوي ويَحبِس، أو يُحتَكُّ جدارُه ويُخرَق.
الكتل الشاهدة: حجب، حصن، حفظ، حوز، حضن · مسح، جرح، شرح، قدح.
شاهد قرآني: ﴿وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ﴾ - التجويفُ الحاوي يَحفظ.

مدخل: متجهُ الحاء

على معيارِ علم آدمَ - الحرفُ ما له أثرٌ وفعاليّةٌ في المعنى - متجهُ الحاءِ «تجويفٌ يحتكُّ بما فيه»(١): ليس غلافاً خارجيّاً يُلبَس، بل تجويفٌ حاوٍ يُلامس ما بداخله ويحتكُّ به. وهو في مقاييس اللغةِ من أغزرِ الحروفِ جذوراً، تكاد لا تَندُّ عن قانونٍ واحد. وهذه دراسةٌ تستقرئ كتلَه وتمزج كلامَ اللغويِّين بعلم آدم.

أوّلاً - شهادةُ اللغويين: المخرجُ نفسُه تجويفٌ محتكّ

الحاءُ حلقيّةٌ رخوةٌ مهموسة، صوتُها احتكاكٌ مستمرٌّ لتيارِ النَّفَسِ في جوفِ الحلق. قال الخليلُ: «أقصى الحروفِ كلِّها العينُ ثمّ الحاء، ولولا بُحّةٌ في الحاءِ لأشبهتِ العينَ لقُربِ مخرجَيهما»(٢) - فالبُحّةُ احتكاكٌ، والحلقُ تجويف. وعدَّها سيبويهِ من حروفِ الحلقِ ومن الرخوةِ المهموسة(٣). وقبل أن تكونَ معنىً مجرّداً، هي في المعاجمِ جوفٌ محسوس: الحَوْضُ «الهَزْمُ في الأرض»، والجُحرُ «ضِيقُ الشيء»، وحِجابُ الجوفِ «ما يَحجُب بين الفؤادِ وسائرِ الجوف»(٤).

ثانياً - الحاءُ فاتحةً: التجويفُ يَحوي ويَحبِس

تَنعقِد جمهرةُ جذورِ الحاءِ المفتتَحةِ بها على الحبسِ والإحاطة، حتى ليُقطَع بالإحصاء: «حجب» المنع، و«حجر» المنعُ والإحاطة، و«حصر» الجمعُ والحبسُ والمنع، و«حصن» الحفظُ والحياطةُ والحِرز، و«حظر» المنع(٥)، و«حفظ» مراعاةُ الشيء، و«حوط» يُطيف بالشيء، و«حوز» الجمعُ والتجمُّع، و«حضن» حفظُ الشيءِ وصيانتُه، و«حقن» جمعُ الشيء(٦). كلُّها تجويفٌ حاوٍ يَضمُّ مادتَه ويَمنعُ نفاذَها.

ثالثاً - الحاءُ مآلاً: الفعلُ يَبلُغ جدارَ التجويفِ فيَحتكُّ به أو يَخرِقُه

وفي عَجُزِ الكلمةِ يَظهَر شِقُّ «الاحتكاك» صريحاً: «مسح» إمرارُ الشيءِ على الشيءِ بسطاً، و«كدح» تأثيرٌ في شيء، و«جرح» شقُّ الجِلد(٧)، و«شرح» الفتحُ والبيان، واشتقاقُه من تشريحِ اللحم، و«قدح» الغَرْفُ والهَزْم، و«نطح» تصادمٌ يَترُك أثراً، و«بوح» سَعةُ الشيءِ وبروزُه(٨). وليست هذه نقيضاً للحبسِ كما يُتوهَّم، بل هي التجويفُ نفسُه مأتيّاً من جهةِ الفعل: جدارٌ يُحتَكُّ به فيَترُك أثراً، أو يُخرَق فيَخرُج ما حَواه.

رابعاً - الحاءُ وسطاً: محورٌ يدورُ حولَه الفعل

وإذا توسّطتِ الحاءُ كانتِ التجويفَ محوراً تَمرُّ به الحركةُ وتَنعطف عليه، كما في «بَحْر» (الهَزْمُ الواسعُ يَحوي الماء)، و«نَحْر» (مَوضعُ التجويفِ في الصدرِ يُحتَكُّ)، و«سَحْب» (إمرارٌ على السطحِ بالاحتكاك). فالموضعُ يُغيِّر العملَ لا الجوهر.

خامساً - ليست انقلابَ متجهٍ، بل وحدةُ تجويف

وقد يُظَنّ أنّ الحاءَ تَنقلِب من جذبٍ إلى الداخلِ (فاتحةً) إلى دفعٍ إلى الخارجِ (مآلاً)، فتكون متجهين متعاكسين؛ وهذا وهمٌ صحّحناه على قانونِ استمراريةِ المتجه: المتجهُ واحدٌ - تجويفٌ يحتكُّ بما فيه - وإنّما اختلفَ عملُه بالموضع، كما تَنظر إلى الحُجرةِ من داخلِها فتَحويك، أو من بابِها فتَخرُقه خارجاً، والحُجرةُ واحدة(٩). وبهذا يَسقُط الوصفُ القديمُ بأنّها «غلافٌ مانعٌ» خارجيّ؛ فالصوابُ أنّها تجويفٌ حاوٍ من الداخل، ومنه يَظهَر الحبسُ والاحتكاكُ جميعاً.

سادساً - الحاءُ في القرآن

ويَنطِق القرآنُ بالمتجهِ في وجهيه. فالاحتواءُ والحفظُ والإحاطة: ﴿إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ﴾ [الحجر ٩]، و﴿لِتُحۡصِنَكُم مِّنۢ بَأۡسِكُمۡ﴾ [الأنبياء ٨٠]، وانقباضُ الجوفِ نفسِه ﴿حَصِرَتۡ صُدُورُهُمۡ﴾ [النساء ٩٠](١٠). وأمّا المآلُ - خرقُ التجويفِ والاحتكاكُ بجدارِه - ففي ﴿وَفُتِحَتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتۡ أَبۡوَٰبٗا﴾ [النبأ ١٩]، وفي ﴿فَطَفِقَ مَسۡحَۢا بِٱلسُّوقِ وَٱلۡأَعۡنَاقِ﴾ [ص ٣٣] - والمسحُ إمرارٌ مُحتكٌّ على السطح(١١). وجهانِ لتجويفٍ واحد.

الخلاصة

الحاءُ - بمعيارِ الأثرِ والفعاليّة - حرفٌ فاعلٌ قائم، متجهُه واحدٌ لا يَشِذُّ عنه جذر: تجويفٌ يحتكُّ بما فيه. شهد له المخرجُ (حلقيٌّ رخوٌ مهموس = جوفٌ يجري فيه احتكاك)، وأجمعتِ الكتلُ: فاتحةً يَحوي ويَحبِس (حجب، حصن، حفظ، حضن، حوز)، ومآلاً يُحتَكُّ جدارُه أو يُخرَق (مسح، جرح، شرح، قدح)، ووسطاً محورٌ (بحر، نحر). وليست انقلابَ متجهٍ ولا «غلافاً مانعاً» خارجيّاً، بل وحدةُ تجويفٍ يتغيَّر عملُه بالموضع. والنصوصُ منقولةٌ بمادّتها وجزئها وصفحتها، والتأويلُ بالتجويفِ المحتكِّ قراءةُ علم آدمَ تحتها - لا منسوبٌ لأهلِ اللغة.

الهوامش (من «العين» و«الكتاب» و«مقاييس اللغة» بالجزء والصفحة)

  1. الجدول الدوري ٢٤ (متجهات اللسان) - من علم آدم: الحاء = تجويفٌ يحتكُّ بما فيه؛ والمتجهُ ثابتٌ لا ينقلب، ودورُه يتغيَّر بالموضع.
  2. الخليل، العين جـ١ ص٥٧: «أقصى الحروفِ كلِّها العينُ ثمّ الحاء، ولولا بُحّةٌ في الحاءِ لأشبهتِ العينَ لقُربِ مخرجَيهما» - فالبُحّةُ احتكاكٌ، والحلقُ تجويف.
  3. سيبويه، الكتاب جـ٤ ص٤٣٤: عدَّ الحاءَ من حروفِ الحلق، ومن الرخوةِ المهموسة.
  4. ابن فارس، مقاييس اللغة: الحَوْضُ «الهَزْمُ في الأرض» (جـ٢ ص١٢٠)، والجُحرُ «ضِيقُ الشيء» (جـ١ ص٤٢٦)، وحِجابُ الجوفِ «ما يَحجُب بين الفؤادِ وسائرِ الجوف» (جـ٢ ص١٤٣).
  5. مقاييس اللغة: حجب «المنع» (جـ٢ ص١٤٣)، حجر «المنعُ والإحاطة» (جـ٢ ص١٣٨)، حصر «الجمعُ والحبسُ والمنع» (جـ٢ ص٧٢)، حصن «الحفظُ والحياطةُ والحِرز» (جـ٢ ص٦٩)، حظر «المنع» (جـ٢ ص٨٠).
  6. مقاييس اللغة: حفظ «مراعاةُ الشيء» (جـ٢ ص٨٧)، حوط «يُطيف بالشيء» (جـ٢ ص١٢٠)، حوز «الجمعُ والتجمُّع» (جـ٢ ص١١٧)، حضن «حفظُ الشيءِ وصيانتُه» (جـ٢ ص٧٣)، حقن «جمعُ الشيء» (جـ٢ ص٨٨).
  7. مقاييس اللغة: مسح «إمرارُ الشيءِ على الشيءِ بسطاً» (جـ٥ ص٣٢٢)، كدح «تأثيرٌ في شيء» (جـ٥ ص١٦٧)، جرح «شقُّ الجِلد» (جـ١ ص٤٥١).
  8. مقاييس اللغة: شرح «الفتحُ والبيان، واشتقاقُه من تشريحِ اللحم» (جـ٣ ص٢٦٩)، قدح «الغَرْفُ والهَزْم» (جـ٥ ص٦٧)، نطح «تصادمٌ يَترُك أثراً» (جـ٥ ص٤٤٢)، بوح «سَعةُ الشيءِ وبروزُه» (جـ١ ص٣١٥).
  9. قانونُ استمراريةِ المتجه (علم آدم): المتجهُ واحدٌ لا ينقلب، وإنّما يتغيَّر عملُه بالموضع؛ كالحُجرةِ تَحويك من داخلها وتُخرَق من بابها، وهي واحدة.
  10. القرآن (الاحتواء والحفظ): ﴿إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ﴾ [الحجر ٩]؛ ﴿لِتُحۡصِنَكُم مِّنۢ بَأۡسِكُمۡ﴾ [الأنبياء ٨٠]؛ ﴿حَصِرَتۡ صُدُورُهُمۡ﴾ [النساء ٩٠].
  11. القرآن (المآل والاحتكاك): ﴿وَفُتِحَتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتۡ أَبۡوَٰبٗا﴾ [النبأ ١٩]؛ ﴿فَطَفِقَ مَسۡحَۢا بِٱلسُّوقِ وَٱلۡأَعۡنَاقِ﴾ [ص ٣٣].

فهرس دراسات الحروف (٢٩ حرفاً)

خريطةُ الحروفِ الـ٢٩ ومتجهاتُها - جدولُ علم آدم الدوري

ءالهمزةالإيجاد من العدماالألفالامتداد الفاعلبالباءالتراكم والثِّقَلتالتاءالارتداد المتكررثالثاءالتشتت العشوائيجالجيمالجمع الماديحالحاءالتجويف المحتكّ بما فيهخالخاءالضغط للأسفلدالدالالدفع للأمامذالذالالتفكُّك الهشّرالراءالزخم الاندفاعيزالزايالضيق الإبريسالسينالانسياب البطيءشالشينالتفريق المنتظمصالصادالإحكام الصلبضالضادالضغط الجانبيطالطاءالتسطيحظالظاءالغطاء الجاثمعالعينالجسم الظاهر بعد خفاءغالغينالجسم الغائب بعد ظهورفالفاءانعكاس الفعلقالقافالتقييد والالتصاقكالكافالوعاء التفاعليلاللامالجسم الشاخص الرأسيمالميمالتكتُّل السكونينالنونالمستودَع الباطنهالهاءالفراغ والعلويةوالواوالوصل وتمدُّد أثر السابقيالياءالانطواء
علم آدم - الجدول الدوري لحروف العربية · مدونة قرآن عظيم

التعليقات (0)