حرف الباء: لماذا هو التراكم؟
مدخل: متجهُ الباء
على معيارِ علم آدمَ - الحرفُ ما له أثرٌ وفعاليّةٌ في المعنى - متجهُ الباءِ «التراكمُ والثِّقَل»(١)، ونتيجتُه البروز: مادةٌ تَتجمَّع وتَثقُل حتى تَنتأ وتَبرُز. وهذه الدراسةُ تستقرئ كتلَ الباءِ من المعاجم، وتَنقُل كلامَ اللغويِّين في موضعِه، ثمّ تَقرأ تحته متجهَ علم آدم - مُميَّزاً أنّه قراءةٌ تأويليّةٌ منه لا نصٌّ منسوبٌ لأحد.
أوّلاً - شهادةُ اللغويين
الباءُ حرفٌ شفويّ، قال سيبويه: «وممّا بين الشفتين مخرجُ الباءِ والميمِ والواو»(٢)، وهي شديدةٌ مجهورة. وفي نطقِها - بقراءةِ علم آدم - صورةُ متجهِها: تَنطبِق الشفتان فتَحبِسان الهواءَ وتُراكِمانه، ثمّ تَنفرِجان بانفجارٍ بارز. فالحبسُ تراكمٌ، والانفجارُ بروز.
ثانياً - الكتلُ الشاهدة
وكتلُ الباءِ تَنطِق بالتراكمِ والبروز. «بنى» قال ابن فارس: «بناءُ الشيءِ بضمِّ بعضِه إلى بعض»(٣) - فقراءةُ علم آدم: تراكمٌ مبنيٌّ بارز. و«جبل» «تجمُّعُ الشيءِ في ارتفاع؛ فالجبلُ معروف، والجَبَلُ الجماعةُ العظيمةُ الكثيرة»(٤) - تراكمٌ مرتفعٌ بارز. و«بدن» «شخصُ الشيء»(٥)، و«بطن» «إنسيُّ الشيءِ والمُقبِلُ منه»(٦)، و«كبر» «خلافُ الصِّغَر»(٧). ويُصرِّح بالتراكُمِ «لبد»: «تكرُّسُ الشيءِ بعضِه فوقَ بعض»(٨)، و«حدب»: «ارتفاعُ الشيء؛ الحَدَبُ ما ارتفع من الأرض»(٩). وفي معجمِ الكتلِ: «(بر) تراكمٌ متصلٌ يَنبسط ممتدّاً»(١٠).
ثالثاً - فتح المعلقات: ما يُوهِم التفريقَ والإفراغ
وثَمّ كتلٌ تُوهِم ضدَّ التراكم - كالتفريقِ والإفراغ - فيُظَنّ خروجاً عن المتجه. من ذلك «بدّ» و«بثّ» للتفريقِ والنثر، و«(بل) الإفراغُ والإبطال»(١١). والجوابُ - في قراءةِ علم آدم - أنّ التفريقَ فرعُ التراكمِ لا ضدُّه المستقلّ: فلا يُبدَّد ولا يُبَثُّ ولا يُفرَّغ إلا متجمِّعٌ متراكمٌ سابق؛ فالباءُ أحضرتِ الكتلةَ المتراكمةَ، والحرفُ الثاني فرّقها. فالتراكمُ حاضرٌ في الحالين.
رابعاً - الباء في القرآن
والقرآنُ يَقرِن الباءَ بالتراكمِ المتماسكِ البارز: ﴿كَأَنَّهُم بُنۡيَٰنٞ مَّرۡصُوصٞ﴾ [الصف ٤] - تراكمٌ مرصوصٌ متماسك؛ ﴿وَٱلۡجِبَالَ أَوۡتَادٗا﴾ [النبأ ٧] و﴿وَأَلۡقَىٰ فِي ٱلۡأَرۡضِ رَوَٰسِيَ﴾ [النحل ١٥] - كتلٌ ثقيلةٌ راسية؛ ﴿فَٱحۡتَمَلَ ٱلسَّيۡلُ زَبَدٗا رَّابِيٗا﴾ [الرعد ١٧] - زبدٌ يَربو ويَنتأ(١٢). فالبناءُ والجبالُ والزَّبَدُ الرابي كلُّها تراكمٌ وثِقَلٌ بارز.
الخلاصة
الباءُ - بمعيارِ الأثرِ والفعاليّة - حرفٌ فاعلٌ قائم، متجهُه التراكمُ والثِّقَل الذي يَنتأ فيَبرُز. شهد له النطقُ (شفويّةٌ شديدةٌ تَحبِس ثمّ تَنفجِر)، والكتلُ (بنى، جبل، بدن، بطن، كبر، لبد، حدب، بر)، والقرآنُ (بنيانٌ مرصوص، وجبالٌ رواسٍ، وزبدٌ رابٍ). والمعلقاتُ التي أوهمتِ التفريقَ فرعُ التراكمِ لا ضدُّه. وهذا التأويلُ قراءةُ علم آدمَ تحت كلامِ أهلِ اللغة، لا منسوبٌ إليهم.
الهوامش
- الجدول الدوري ٢٤ (متجهات اللسان) - من علم آدم: الباء = التراكم والثِّقَل، ونتيجتُه البروز (تراكمٌ يَنتأ فيَظهَر). ↩
- سيبويه، الكتاب جـ٤ ص٤٣٣: «وممّا بين الشفتين مخرجُ الباءِ والميمِ والواو» - وهي عندَه من المجهورةِ الشديدة؛ والقراءةُ الصوتيّةُ (حبسٌ ثمّ انفجار = تراكمٌ ثمّ بروز) من علم آدم. ↩
- ابن فارس، مقاييس اللغة، (بنى) جـ١ ص٣٠٢: «الباءُ والنونُ والياءُ أصلٌ واحد، وهو بناءُ الشيءِ بضمِّ بعضِه إلى بعض». ↩
- نفسه، (جبل) جـ١ ص٥٠٢: «الجيمُ والباءُ واللامُ أصلٌ يطّرد ويُقاس، وهو تجمُّعُ الشيءِ في ارتفاع؛ فالجبلُ معروف، والجَبَلُ الجماعةُ العظيمةُ الكثيرة». ↩
- نفسه، (بدن) جـ١ ص٢١١: «الباءُ والدالُ والنونُ أصلٌ واحد، وهو شخصُ الشيءِ دون شَواه؛ بدَنُ الإنسان». ↩
- نفسه، (بطن) جـ١ ص٢٥٩: «الباءُ والطاءُ والنونُ أصلٌ واحدٌ لا يكاد يُخلِف، وهو إنسيُّ الشيءِ والمُقبِلُ منه؛ فالبطنُ خلافُ الظهر». ↩
- نفسه، (كبر) جـ٥ ص١٥٣: «الكافُ والباءُ والراءُ أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على خلافِ الصِّغَر؛ كبيرٌ وكُبارٌ وكُبّار». ↩
- نفسه، (لبد) جـ٥ ص٢٢٨: «اللامُ والباءُ والدالُ كلمةٌ صحيحةٌ تدلُّ على تكرُّسِ الشيءِ بعضِه فوقَ بعض؛ اللِّبد، وتلبّدتِ الأرض». ↩
- نفسه، (حدب) جـ٢ ص٣٦: «الحاءُ والدالُ والباءُ أصلٌ واحد، وهو ارتفاعُ الشيء؛ فالحَدَبُ ما ارتفع من الأرض». ↩
- معجم الكتل (علي الزهراني): «(بر) تراكمٌ متصلٌ يَنبسط ممتدّاً» - من علم آدم. ↩
- معجم الكتل: «(بل) الإفراغُ والإبطال»، ومثلُه (بدّ) و(بثّ) للتفريق؛ والقراءةُ بأنّها فرعُ التراكمِ من علم آدم. ↩
- القرآن: ﴿كَأَنَّهُم بُنۡيَٰنٞ مَّرۡصُوصٞ﴾ [الصف ٤]؛ ﴿وَٱلۡجِبَالَ أَوۡتَادٗا﴾ [النبأ ٧]؛ ﴿وَأَلۡقَىٰ فِي ٱلۡأَرۡضِ رَوَٰسِيَ﴾ [النحل ١٥]؛ ﴿فَٱحۡتَمَلَ ٱلسَّيۡلُ زَبَدٗا رَّابِيٗا﴾ [الرعد ١٧]. ↩
فهرس دراسات الحروف (٢٩ حرفاً)
خريطةُ الحروفِ الـ٢٩ ومتجهاتُها - جدولُ علم آدم الدوري
التعليقات (0)