حين أخذ ابن العم الثلث



حوار في فلسفة المواريث

حين أخذ ابن العم الثلث

حوار بين التاريخ والفقه والقرآن في علم المواريث

ضرب سعيد بيده على الطاولة، فاهتزت فناجين القهوة.

قال صالح:

— خفّف على الطاولة. ما الذي حدث؟

— مات والد زوجتي وترك مليوناً، ولم يترك من الورثة إلا خمس بنات وابن عم شقيق هو أقرب عاصب؛ فلا زوجة، ولا أب، ولا جد، ولا أخ، ولا وارث آخر يغيّر القسمة. أخذت البنات الثلثين، فكان نصيب زوجتي مئة وثلاثة وثلاثين ألفاً تقريباً. ثم جاء ابن العم، الذي لم يزر الرجل في مرضه ولم يحضر عزاءه، فأخذ الثلث وحده: ثلاثمئة وثلاثة وثلاثين ألفاً؛ أي ضعفي ونصف ما أخذته كل بنت!

قال صالح بهدوء:

— إذا كان الورثة كما ذكرت فقط، فالحساب صحيح في القسمة التراثية: للبنات الثلثان، والباقي لابن العم تعصيباً؛ لأنه أقرب عاصب. هذه قسمة معروفة في علم الفرائض.

رفع سعيد صوته:

— أعرف أنها معروفة. سؤالي: كيف يأخذ ابن العم أكثر من بنت الميت؟

كان جلال يستمع إليهما، ثم قال:

— قبل أن نغضب أو ندافع، لنضع السؤال بصورته الصحيحة: هل ذكر القرآن ابن العم ضمن الورثة؟

أجاب صالح:

— لم يذكر كل حالة بتفصيلها. جاءت السنة والفقه لبيان ما بقي.

قال سعيد:

— هذا هو الباب الذي دخل منه كل شيء: يقول القرآن شيئاً، ثم يأتي التراث فيضيف إليه نظاماً كاملاً.

نظر صالح إليه وقال:

— لا تختصر عملاً فقهياً امتد قروناً في جملة ساخرة. علم الفرائض من أدق علوم المسلمين، وفيه حساب ومذاهب وأدلة واجتهادات عظيمة.

قال جلال:

— أتفق معك. لا يجوز تحويل الخلاف مع الفقهاء إلى اتهام لهم بالجهل أو سوء القصد. لكن احترام جهدهم لا يمنع مراجعة النتيجة. السؤال ليس: هل كانوا أذكياء؟ بل: هل بقيت أحكامهم داخل حدود القرآن؟

قبل القرآن: لماذا كان المال يذهب إلى الرجال؟

قال سعيد:

— إذا أردتم فهم الميراث، فلا تبدأوا من كتب الفقه. ابدأوا من الأرض.

— ماذا تقصد؟ سأل صالح.

— أقصد أن المال في المجتمعات القديمة لم يكن أوراقاً في مصرف. كان أرضاً وقطيعاً وبيتاً وسلاحاً. القبيلة تحتاج إلى من يحميها، والأسرة تحتاج إلى من يزرع أرضها ويحفظ اسمها. لهذا ربطت مجتمعات كثيرة بين الملكية والقتال والإدارة والنسب.

قال صالح:

— وهذا تفسير معقول. الرجل كان يتحمل الحماية والنفقة، فمن الطبيعي أن يكون له نصيب أكبر.

رد سعيد:

— أكبر ربما، لكن ليس من الطبيعي أن يأخذ حق الآخرين كله. من قاتل فله أجرة على قتاله أو نصيب من الغنيمة. ومن أدار الأرض فله أجرة إدارة. الإدارة وظيفة، والملكية حق. لماذا يتحول العمل الذي يؤديه الرجل إلى سبب لامتلاك نصيب أخته؟

قال جلال:

— هنا يجب أن نفرق بين التفسير والتبرير. نستطيع أن نفهم لماذا نشأ الحكم، من غير أن نقول إنه عادل في كل زمان.

ثم أضاف:

— في المجتمعات القبلية كان المقاتل يحمي المال، وفي المجتمعات الزراعية خاف الناس من تفتيت الأرض، وفي مجتمعات أخرى ارتبط الابن بشعائر الأسلاف واستمرار اسم الأسرة. كل ذلك يفسر تقديم الذكور، لكنه لا يثبت أن النساء بلا حق.

قال صالح:

— لكن تفتيت الأرض مشكلة حقيقية. ماذا تفعل بأسرة ترك أبوها مزرعة صغيرة لعشرة أولاد؟

أجابه سعيد:

— تبقى الأرض عند من يستطيع استغلالها، ويدفع للآخرين قيمة أنصبتهم. لا يحرمهم منها ثم يطلب منهم شكره لأنه حافظ عليها.

قال جلال:

— هذا الحل يحتاج إلى نقد وسوق وقضاء يحفظ الحقوق. ولذلك توجد علاقة بين تطور المدنية واتساع دائرة الورثة. كلما قويت الدولة، وحفظ القضاء الملكية، أمكن فصل الإدارة عن الملك. وإذا انهارت المؤسسات عاد الناس إلى العشيرة، وعاد المال إلى يد الأقوى.

قال صالح:

— لا تجعل التاريخ خطاً صاعداً. حضارات عظيمة ظلمت النساء، ومجتمعات بسيطة أنصفتهن في بعض الأحوال.

— صحيح، قال جلال. التقدم ليس آلياً. لكن الأمن والقانون والسجلات تجعل العدل ممكناً، بينما يجعل الخوف والعجز الناس أكثر تعلقاً بالعصبة.

من التوراة إلى الجاهلية

قال سعيد:

— انظروا إلى الميراث اليهودي. للابن البكر سهمان، ولكل أخ سهم. والبنت لا ترث مع وجود الابن، وإنما تدخل عند غيابه. وإذا ورثت أرضاً قُيّد زواجها داخل سبطها حتى لا تنتقل الأرض إلى جماعة أخرى. وفي الفقه الرباني يرث الزوج زوجته، بينما لا ترث الزوجة زوجها بالطريقة نفسها.

قال صالح:

— ومع ذلك لم تُترك المرأة بلا حماية. كانت لها الكتوبة والنفقة والسكن، وللبنت نفقة حتى الزواج.

— أتفق، قال سعيد. لكنها حماية من المال، لا ملك للمال. هناك فرق بين أن أملك نصيباً من البيت وبين أن يسمح لي الورثة بالسكن فيه. وفرق بين أن آخذ نفقة تنتهي، وبين أن أملك أرضاً تنتج.

قال جلال:

— المشكلة القديمة تتكرر هنا: المرأة تُعامل بوصفها محتاجة إلى حماية، والرجل يعامل بوصفه صاحب الملك. وقد تكون الحماية كريمة، لكنها لا تساوي الحق.

قال صالح:

— وهل تزعم أن العرب أخذوا نظامهم من اليهود؟

— ليس بهذه السرعة، أجاب سعيد. عرب الجاهلية لم يكونوا جماعة واحدة. في البادية كان المال مرتبطاً بالقتال، وفي المناطق الزراعية خاف الناس من انتقال الأرض إلى عشيرة زوج البنت، وفي مكة ويثرب ظهرت الوصية والحلف والتبني والتجارة وتأثير أهل الكتاب.

قال جلال:

— ولهذا لا يكفي القول إن العرب كانوا يورثون من يقاتل فقط. لو كان القتال هو القاعدة الوحيدة، فكيف ورث المتبنّى والحليف؟ قد يكون ابن البنت أقرب إلى الميت من رجل متبنّى لا يعرف نسبه، ومع ذلك أخرج الأول وأدخل الثاني.

قال صالح:

— هذا يدل على تعدد الأعراف، لا على مؤامرة.

— ومن قال إنها مؤامرة؟ رد جلال. نحن نبحث عن الطبقات التي صنعت النظام: طبقة قبلية، وأخرى تجارية، وثالثة دينية. أما مقدار التأثير اليهودي في الفقه الإسلامي، فينبغي بحثه عند مقارنة الأحكام، لا تقريره قبل المقارنة.

ما الذي غيّره القرآن؟

سأل سعيد:

— هل جاء القرآن إذن بإصلاح محدود، أم هدم النظام القديم؟

قال جلال:

— بدأ بهدم قاعدته الأولى. قال: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾.

ثم تابع:

— هذه الآية لم تقل إن للمرأة نفقة أو هدية أو جهازاً. قالت: لها نصيب مفروض من أصل المال، قليلاً كان أو كثيراً. ونقلت الأطفال والنساء من هامش الحماية إلى مركز الملكية.

قال صالح:

— ولم تساو بين الذكر والأنثى دائماً. قال القرآن: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾.

قال سعيد:

— ها قد وصلنا إلى العبارة التي تُرفع في وجه كل امرأة.

ابتسم صالح:

— لأنها آية، لا لأنها عبارة اخترعها الفقهاء.

قال جلال:

— هي آية بلا شك، لكن الكتاب لا يقرؤها قاعدةً وحيدةً تُطبَّق على الأولاد في جميع الصور. قراءته تقول إن توزيع المال بين فريقي الأبناء والبنات يتحرك في ثلاث حالات، بحسب نسبة عدد الإناث إلى عدد الذكور.

قال صالح:

— صرنا نقسم الآية بالآلة الحاسبة؟

قال جلال:

— الحساب لا يصنع الحكم؛ يكشف الصورة التي ينطبق عليها. اقسم عدد الإناث على عدد الذكور. فإذا كانت النسبة أقل من واحد أو تساويه، أي كان الذكور مساوين للإناث أو أكثر منهم، تساوى الابن والبنت. فلو ترك الميت ثلاثة أبناء وبنتاً، وكانت التركة أربعمئة ألف، أخذ كل واحد مئة ألف.

قال سعيد:

— هذه هي الحالة الأولى. ومتى يأخذ الذكر مثل حظ الأنثيين؟

قال جلال:

— إذا زادت النسبة على واحد ولم تتجاوز اثنين. ابن واحد وبنتان، مثلاً: للابن نصف المال، وللبنتين نصفه؛ فيكون نصيب الابن ضعف نصيب البنت الواحدة.

قال صالح:

— وهذه هي القسمة التي يعرفها المسلمون، فلماذا اخترعت حالة ثالثة؟

رد جلال:

— لم أخترعها؛ أنا أعرض قراءة الكتاب. إذا تجاوزت نسبة الإناث إلى الذكور اثنين، أخذت الإناث بوصفهن فريقاً ثلثي التركة، وأخذ الذكور بوصفهم فريقاً الثلث. خذ المثال الذي تشرحه المسودة: خمس بنات وابنان، والتركة تسعمئة ألف. للبنات ستمئة ألف، فتأخذ كل بنت مئة وعشرين ألفاً؛ وللابنين ثلاثمئة ألف، فيأخذ كل ابن مئة وخمسين ألفاً.

حرّك سعيد رأسه وهو يتتبع الأرقام:

— إذن لا تزعم هذه القراءة أن الابن يساوي البنت دائماً، ولا أنه يضاعفها دائماً. إذا كثر الذكور حمت البنت القليلة بالمساواة، وإذا زادت الإناث إلى الضعف عملت قاعدة ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾، وإذا كثرن فوق ذلك حمت جماعتهن بالثلثين.

قال صالح:

— تمهّل. أنت تجعل قوله: ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ وصفاً للنسبة بين الفريقين، لا مجرد عدد البنات. هذا نقل كبير للفظ، ويحتاج إلى دليل لغوي ونصي، لا إلى جدول جميل.

قال جلال:

— اعتراضك في مكانه، وهذه المقالة لا تتسع لأدلة القراءة كلها. موضعها في الكتاب، حيث تُفحص الألفاظ وتركيب الآيات والنتائج الحسابية. أنا هنا أحدد النظرية كما هي: ثلاث حالات عند اجتماع الذكور والإناث، أما إذا انفرد جنس واحد بالتركة فتكون المساواة بين أفراده.

العصبة: من أين جاء ابن العم؟

عاد سعيد إلى قصته:

— ما زال ابن العم جالساً فوق الثلث. كيف وصل إليه؟

قال صالح:

— من قاعدة العصبة: تُعطى الفروض لأصحابها، وما بقي فلأولى رجل ذكر.

قال جلال:

— وهذه إحدى أكبر نقاط الخلاف. القرآن سمّى الأولاد والأبوين والزوجين والإخوة في الكلالة، ولم يسمّ العم ولا ابن العم. فبأي حق يصبح غير المذكور شريكاً مقدماً على أصحاب القرابة المباشرة؟

قال صالح:

— لأن النصوص لا تعمل منفردة. السنة تبين القرآن، والعمل الفقهي استقر على ذلك.

قال سعيد:

— كلمة «استقر» لا تطمئنني. قد يستقر الخطأ ألف سنة.

رد صالح:

— وقد يظن رجل بعد ألف سنة أنه وحده فهم القرآن، ويكون هو المخطئ.

قال جلال:

— اعتراضك صحيح. لذلك لا يكفي أن أقول: أنا أفهم الآية هكذا. يجب عرض البناء كاملاً واختباره. لكن يبقى السؤال قائماً: لماذا يأخذ ابن العم الباقي لمجرد أنه رجل من جهة الأب، بينما لا يذكره القرآن؟

— ومن يأخذ الباقي عندك؟ سأل صالح.

— يعود إلى الورثة القرآنيين بحسب مواضعهم، أو يدخل الإخوة في الحالة التي سماها القرآن كلالة. أما صناعة طبقة مفتوحة من العصبات تبتلع كل باقٍ فليست أمراً صغيراً يمكن تمريره بلا نص قرآني واضح.

قال صالح:

— هنا أصل خلافنا. أنت تعيد تعريف الكلالة أيضاً.

الكلالة: هل تعني من لا والد له ولا ولد؟

قال سعيد:

— وما الكلالة أصلاً؟ سألت ثلاثة أشخاص، فأعطاني كل واحد جواباً مختلفاً.

قال صالح:

— المشهور أنها من مات ولا والد له ولا ولد.

قال جلال:

— وهذا التعريف يجعل آيتي الكلالة شديدتي الاضطراب. أنا أرجّح أن الكلالة تتعلق بغياب الأبوين، لا بغياب الأولاد. فإذا مات الأبوان دخل الإخوة نيابة عن الجهة الغائبة، وقد يوجد للميت زوج وأولاد.

قال صالح:

— هذا يخالف جمهور الفقهاء.

— مخالفة الجمهور ليست دليلاً، كما أن موافقته ليست دليلاً. نعود إلى ألفاظ الآيتين، وإلى اختلاف الأنصبة، وإلى موقع الإخوة داخل الأسرة.

قال سعيد:

— وما علاقة هذا بقضية زوجتي؟

— إذا مات أبو زوجتك وأبواه غير موجودين، فقد يكون لإخوته نصيب الكلالة المحدد، لا لابن العم ثلث مفتوح باسم العصبة. والفرق كبير بين أخ سماه القرآن وأعطاه مقداراً، وبين ابن عم يأخذ كل ما بقي.

قال صالح:

— لكن نظريتك تحتاج إلى تفصيل وأمثلة، ولا يمكن حسمها في مقال.

— صحيح، قال جلال. هذا الحوار يفتح الباب، ولا يغني عن دراسة الأدلة والحساب.

الأحفاد: لماذا يُعاقبون بموت أبيهم؟

قال سعيد:

— بقي أمر لم أفهمه قط: رجل مات في حياة أبيه وترك أطفالاً، ثم مات الجد. لماذا يرث الأعمام ويحرم أبناء الابن الميت؟

قال صالح:

— لأن الأقرب يحجب الأبعد. الابن الحي أقرب إلى أبيه من الحفيد.

قال سعيد:

— الطفل لم يختر أن يموت أبوه قبل جده. صار يتيماً، ثم عوقب مرة ثانية بحرمانه من نصيب أبيه.

قال صالح:

— لهذا شُرعت الوصية الواجبة في قوانين حديثة.

قال جلال:

— وهذه الوصية اعتراف عملي بأن الحكم القديم أحدث ظلماً. لكن السؤال: هل الأحفاد محتاجون إلى حيلة قانونية، أم إنهم امتداد طبيعي لأبيهم ويأخذون موقعه؟

قال صالح:

— تسميها حيلة لأنها لا توافق رأيك. هي معالجة اجتهادية.

— حسناً، لنسَمِّها معالجة. لكنها ما كانت لتظهر لولا وجود مشكلة. رؤية الكتاب أن الميراث يتحرك عبر الأجيال؛ فإذا مات الابن قبل أبيه لم ينقطع فرعه، بل ينزل نصيبه إلى أولاده.

قال سعيد:

— وهذا أقرب إلى ما يفعله الناس بفطرتهم. كثير من الآباء يهبون أبناء ابنهم المتوفى أو يوصون لهم لأنهم لا يقتنعون بحرمانهم.

قال صالح:

— لكن فتح هذا الباب يحتاج إلى حدود، وإلا اختل الحساب.

قال جلال:

— كل نظام يحتاج إلى حدود. والحدود تُستنبط من النص، لا من الخوف من إعادة النظر.

العول والرد: هل المشكلة في الحساب أم في الفهم؟

قال سعيد:

— سمعت بالعول والرد، ولم أفهم لماذا يحتاج كلام الله إلى تصحيح كسوره.

قال صالح:

— لا أحد يصحح كلام الله. العول طريقة لتوزيع النقص عندما تزيد الفروض على التركة، والرد طريقة لتوزيع الباقي عندما لا تستغرق الفروض المال.

قال جلال:

— وهذا علم حسابي دقيق، لكن ظهور الزيادة والنقص يطرح سؤالاً سابقاً على الحساب: هل جمعنا الورثة والأنصبة بالطريقة التي أرادها النص؟

قال صالح:

— والاعتراض على العول نفسه ليس جديداً. كان ابن عباس يرفضه، ويقول: «أترون الذي أحصى رمل عالج عدداً، جعل في مال نصفاً ونصفاً وثلثاً؟»؛ فالنصفان يستغرقان المال، فأين يوضع الثلث؟

قال سعيد:

— وهذا هو اعتراضي: يستحيل أن يعجز المولى عن وضع قسمة صحيحة، ثم يحتاج البشر إلى إصلاحها.

قال جلال:

— هذا قريب من احتجاج ابن عباس في العول تحديداً. لكن الدقة واجبة: لا يصح أن نقول إنه رفض الرد بإطلاق؛ فالمنقول عنه أنه كان يرد الفاضل على أصحاب الفروض مع استثناءات. نستشهد به على قدم الاعتراض الحسابي، ولا ننسب إليه موقفاً لم يقله.

قال صالح:

— جيد. ولا تجعلوا اعتراض ابن عباس دليلاً على فساد علم الفرائض كله؛ فقد خالفه صحابة وفقهاء، ورأوا العول توزيعاً للنقص على الجميع بالعدل النسبي.

— لا أفعل. أقول إن العول والرد يعالجان نتيجة. أما الكتاب فيحاول العودة إلى بناء النظام من أساسه: من الورثة؟ متى يدخل الإخوة؟ هل العصبة وارث قرآني؟ هل الزوجان والأبوان والأولاد يتحرك بعضهم مع بعض وفق نظام مغلق؟

قال سعيد:

— أي إن الآلة الحاسبة بريئة؟

قال صالح:

— بريئة منك ومن جلال.

ضحك الثلاثة، ثم قال جلال:

— الحساب لا يكذب، لكنه يحسب ما ندخله فيه. فإذا أخطأنا في تعريف الوارث أعطانا نتيجة دقيقة لمسألة خاطئة.

الوصية: باب عدل أم باب تحايل؟

قال سعيد:

— لو أن والد زوجتي وهب بناته ماله في حياته، لانتهت المشكلة.

قال صالح:

— وربما كان ذلك تحايلاً على الميراث.

— عجيب! ابن العم يأخذ الثلث بحكم الفقه، وإذا أعطى الرجل بناته ماله قلتم تحايل!

قال صالح:

— لأن المال بعد الموت تحكمه أنصبة شرعية، ولا يجوز إبطالها بهبة صورية في مرض الموت.

قال جلال:

— هنا أتفق معك. الهبة الحقيقية في الحياة شيء، والهبة الصورية لإضرار وارث شيء آخر. لكن التراث ضيّق الوصية أيضاً بقاعدة «لا وصية لوارث»، مع أن القرآن كرر الوصية للوالدين والأقربين.

قال صالح:

— لأن آيات المواريث نسخت ذلك عند الجمهور.

قال جلال:

— ودعوى النسخ تحتاج إلى دليل أقوى من مجرد التعارض الذي صنعه تفسيرنا. يمكن أن يكون للوارث نصيب مفروض، وتكون له وصية إضافية لحاجة معلومة، بشرط ألا تتحول الوصية إلى أداة ظلم.

قال سعيد:

— إذن المشكلة ليست في الوصية، بل في الإضرار.

— تماماً. القرآن قال: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾. قد تكون الوصية باب عدل، وقد تصبح باب سرقة. العبرة بالمقصد والأثر، لا بالاسم وحده.

هل يمنع اختلاف الدين الميراث؟

قال سعيد:

— بقي سؤال سيغضب صالحاً: لماذا لا يرث المسلم غير المسلم ولا غير المسلم المسلم؟

قال صالح:

— لحديث: «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم».

قال جلال:

— لكن القرآن حين ذكر الزوجين والأولاد والوالدين لم يشترط اتحاد الدين. وهذه مسألة تحتاج إلى مراجعة؛ لأن رابطة الأسرة لا تزول باختلاف المعتقد.

قال صالح:

— لا تهدم حديثاً صحيحاً بجملة عاطفية.

— ولا أحسم المسألة بالعاطفة. أقول إن منع قريب من الميراث حكم كبير، ويحتاج إلى نص قرآني واضح أو دليل لا يعارض أصول القرآن في صلة الأقربين والعدل. كما يجب التفريق بين المخالف المسالم والمحارب؛ فكلمة «الكافر» في الاستعمال الفقهي جمعت حالات مختلفة.

قال سعيد:

— رجل عاش مع زوجته أربعين سنة، ثم تموت فلا يرثها لأن عقيدته مختلفة. وبعد ذلك يأتي قريب بعيد لم يشاركها حياتها!

قال صالح:

— هذه صورة مؤثرة، لكنها لا تكفي وحدها لصناعة الحكم.

قال جلال:

— صحيح. لكنها تكشف لنا أثر الحكم في الواقع، ثم نعود إلى النص لنسأل: هل أمر به فعلاً؟

ما علم المواريث الذي نحتاج إليه؟

ساد هدوء قصير. ثم قال صالح:

— بعد هذا كله، أخشى أن يخرج القارئ وهو يظن أن علم المواريث مجرد أخطاء متراكمة.

قال جلال:

— بل ينبغي أن يخرج وهو يعرف أنه علم عظيم يحتاج إلى تحرير. الفقهاء حفظوا النصوص، ووضعوا الحسابات، وناقشوا آلاف المسائل. لكنهم بشر أبناء بيئاتهم، وقد دخلت إلى اجتهاداتهم مفاهيم العصبة والبيت الأبوي والعرف السابق.

قال سعيد:

— وأنا أخشى أن يتحول احترامهم إلى منع مراجعتهم.

قال صالح:

— وأنا أخشى أن يتحول نقدهم إلى ثقة مفرطة بكل قراءة جديدة.

قال جلال:

— والخشيتان صحيحتان. لا نقد بلا علم، ولا تقديس لاجتهاد البشر. نبدأ من القرآن، ونفهم اللغة، وندرس التاريخ، ونقارن المذاهب، ونختبر الحساب، ثم ننظر إلى أثر الحكم في الناس.

قال سعيد:

— وهل المساواة هي الجواب النهائي؟

— المساواة في القيمة الإنسانية أصل، أما الأنصبة فقد تختلف باختلاف القرابة والمسؤولية والحالة الأسرية. لكن الاختلاف شيء، والحرمان شيء آخر. وإعطاء المرأة نصيباً من أصل المال علامة على انتقال المجتمع من منطق القوة إلى منطق الحق.

قال صالح:

— بشرط ألا نجعل كل تفاوت ظلماً.

— وبشرط ألا نجعل كل ما ورثناه عدلاً، أجاب سعيد.

ابتسم جلال، وأغلق دفتره:

— لعل هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يبدأ منه علم المواريث من جديد: هل يرث الإنسان لأنه الأقرب إلى الميت، أم لأنه ذكر قادر على الاستيلاء؟ وهل المال حق للأسرة كلها، أم غنيمة لمن يحمل اسم العصبة؟

نظر سعيد إلى صالح وقال:

— وماذا نفعل الآن في ثلث ابن العم؟

أخذ صالح فنجانه وقال:

— نقرأ الأدلة أولاً، ثم نعيد القسمة.

قال سعيد:

— بشرط ألا يكون ابن العم هو الذي يمسك الآلة الحاسبة.


التعليقات (0)