الجن والجان والجِنّة: مراتب العالم المستتر



الجن والجان والجِنّة: مراتب العالم المستتر

لماذا قابل القرآن الجن بالإنس، والجان بالإنسان، والجِنّة بالناس؟

بقلم: علي موسى الزهراني

 

قبل أن نبدأ: هل المستترون طبقة واحدة؟

حين نقول «الجن» تقفز إلى الذهن صورة جنس كامل يعيش خلف حجاب الرؤية، ثم تختلط علينا ثلاثة ألفاظ قرآنية فنحسبها أسماء مترادفة لشيء واحد: الجن، والجان، والجِنّة. ولكن القرآن لا يبدّل ألفاظه عبثًا؛ فهو يبني مقابلة منهجية بين الجن والإنس، ويضع الجان بإزاء الإنسان في موضعي الخلق، ويضع الجِنّة بإزاء الناس في مواضع الجماعة. وإذا ثبت أن «الإنس والإنسان والناس» ليست أسماء مترادفة، فكيف تكون مقابلاتها في العالم المستتر مترادفة؟

السؤال إذن ليس: ما جمع جان في كتب الصرف؟ بل: لماذا غيّر القرآن الاسم حين غيّر المرتبة؟

وهنا ينبغي التنبيه إلى أننا نبحث في الجِنّة بكسر الجيم، أي جماعة من العالم الجني، لا في الجَنّة بفتحها، أي البستان ودار النعيم.

من «الجن والنجاة» إلى هذا المقال

سبق أن انتهينا في مقال «ما وجه القرابة بين الجن والنجاة؟» إلى قانون كتلة (جن) وقلبها (نج): «نج يُظهر الشيء بارزًا صاعدًا، وجن يُخفيه ويُدخله». ففي «نج» يخرج المكنون من الوعاء ويبرز، وفي «جن» ينغلق الوعاء على ما جُمع فيه فيستره ويحتويه.([1])

ولهذا كان الجنين مستورًا في الرحم، والمِجَنّ ساترًا لحامله، وجنَّ الليلُ على إبراهيم حين أحاط به وستره. فالجن ليسوا مجرد «مخلوقات لا نراها»؛ بل الاسم يضعهم داخل حيز الستر: عالمٌ موجود، عاقل، متحرك، لكنه داخل غطاء لا تنفذ إليه أبصارنا المعتادة.

غير أن الستر يصف الجنس ولا يلغي تفاوت أفراده. فالمدينة كلها مستورة خلف سور، ولكن داخلها ملك وقادة وعامة وجماعات. وكذلك يكشف القرآن أن عالم الجن ليس كتلة صماء في درجة واحدة.

الخريطة القرآنية قبل الشرح

تأمل المقابلات الثلاث أولًا، ثم لنفتح كل واحدة منها:

المرتبة

عالم الإنس

عالم الجن

الوظيفة

الجنس العام

الإنس

الجن

الدائرة التي تضم المستويات كلها

الفرد الفاعل من العلية

الإنسان

الجان

الواحد الذي بلغ مقام الأثر المتعدي

جماعة العلية

الناس

الجِنّة

جماعة الأفراد ذوي التأثير والمسؤولية

ليست العلية هنا مدحًا ولا صلاحًا؛ فقد يكون صاحب الأثر مصلحًا أو مفسدًا. العلية هي أن يتجاوز أثر الفرد نفسه إلى غيره: علمًا، أو قوة، أو قيادة، أو إضلالًا، أو ولاية.

أولًا: الجن والإنس — اسم الجنس

كلما أراد القرآن وضع العالمين العامين أحدهما بإزاء الآخر قال: ﴿الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾. قال: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾، وقال: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾، وقال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. ويتكرر هذا الاقتران في اثنتي عشرة آية صريحة.([2])

ثم انظر إلى حرف من: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾، ﴿عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ﴾، ﴿نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾، ﴿رِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾. فالعفريت ليس هو الجن كلهم، والنفر ليسوا كلهم، والرجال فئة منهم؛ وإنما يخرج الفرد أو الصنف من مخزون الجنس العام.

والقرآن نفسه يصرح بأن هذا الجنس ذو طرق ودرجات أخلاقية متباينة. يقول الجن: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ [الجن: 11]، ثم يقولون: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ﴾ [الجن: 14]. فعبارة «منا دون ذلك» شاهد على التفاوت الأخلاقي، و﴿طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ تثبت تفرق الطرق داخل الجنس الواحد؛ ثم تأتي الوظائف والقدرات لتكشف تفاوتًا آخر في القوة والأثر.

وتؤكد الوظائف هذا التفاوت: ففيهم العفريت ذو القدرة، وفيهم رجال يلجأ إليهم رجال من الإنس، وفيهم نفر يسمعون ثم يرجعون منذرين، وفيهم شياطين بناؤون وغواصون وآخرون مقرنون في الأصفاد. فالجن اسم المخزن الكبير، لا اسم رتبة واحدة داخله.

عفريت من الجن: نخبة داخل الجنس

وأقوى شاهد مفرد على التراتبية قوله تعالى: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ [النمل: 39]. لم يقل «قال الجن»، بل أخرج بـ«من» صاحب قدرة مخصوصة من الجنس العام، ثم جعل بطاقة رتبته في ثلاث خصائص: سرعة الإنجاز، والقوة، والأمانة. فالعفريت ليس اسمًا لكل جني، وإنما وصف لمن بلغ غايةً في القدرة داخلهم.

وقد فصّل مقال «عِفْرِيت في القرآن المكرم» بناء اللفظة، وانتهى إلى أن «عفريت» وصف مبالغة في القوة المتمكنة، وأن عفريت سليمان كان بين عمال الجن «نخبة هذه النخبة»؛ عرض نقل العرش قبل أن يقوم سليمان من مقامه، ثم جاء الذي عنده علم من الكتاب فعرض زمنًا أقصر: قبل أن يرتد إليه طرفه.([3]) ولا يلزم أن يكون صاحب العلم من الجن حتى يعمل المشهد في حجتنا؛ فالمقصود أن القرآن عرّف داخل جنس الجن فردًا ذا لقب قدرة مخصوص، فثبت أن «الجن» وعاء مراتب لا طبقة واحدة.

وهذا الشاهد يلتقي مع الخريطة التي نبنيها: الجن هو الجنس، والعفريت رتبة قدرة داخله، والجان واحد العلية في البناء المقابل للإنسان، والجِنّة جماعة العلية المقابلة للناس. فلفظ العفريت لا يزاحم هذه الأسماء؛ لأنه يصف قوةً ووظيفة، بينما تصف الأسماء الثلاثة مستوى الانتماء والرتبة.

المارد: رتبة التمرد لا رتبة القوة

وإلى جانب محور القدرة يأتي محور العصيان: ﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾ [الصافات: 7]، و﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾ [النساء: 117]، و﴿وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾ [الحج: 3]. فالمارد والمريد ليسا اسمًا للجنس، بل وصفان لشدة التمرد داخل فئة الشياطين.

ويكشف القرآن أصل الصورة في قوله عن قصر سليمان: ﴿إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾ [النمل: 44]. الممرد سطح أملس متجرد لا نبت فيه ولا نتوء يُمسك به؛ ومن هذه الملاسة جاء المارد: شديد متماسك ينفلت من قبضة صاحبه ولا يُتمكن منه. ثم نقل القرآن الصورة إلى النفس فقال: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ [التوبة: 101]؛ أي تمرسوا به حتى استوى لهم طريقًا لا يتعثرون فيه.([4])

ولهذا لا يصح جعل «العفريت» و«المارد» درجتين على سلم واحد بسيط. العفريت يقيس القدرة والإنجاز؛ وقد وصف نفسه بأنه قوي أمين. أما المارد فيقيس صلابة التمرد والانفلات من الطاعة؛ ولذلك قُيّد في القرآن بالشيطان. وقد يجتمع الوصفان في فرد، وقد توجد قوة بلا مرد، كما في عفريت سليمان، وقد يوجد مرد في شيطان لا يملك قدرة العفريت.

وهكذا تتضح محاور الألفاظ قبل أن تختلط:

اللفظ

ما يحدده

موضعه في الخريطة

الجن

الانتماء إلى الجنس المستتر

الوعاء العام للمراتب كلها

الجان

الفرد الفاعل المقابل للإنسان

واحد العلية في ميزان علم آدم

الجِنّة

جماعة الجان المقابلة للناس

جماعة العلية والأثر

عفريت

بلوغ الغاية في القدرة والإنجاز

رتبة قدرة داخل الجن

شيطان

وظيفة الشطط والإضلال، من الجن أو الإنس

وصف سلوكي عابر للجنسين

مارد / مريد

الرسوخ في التمرد والانفلات من الطاعة

درجة عصيان داخل الشياطين

ثانيًا: الجان والإنسان — الفرد الفاعل

حين انتقل القرآن من الجنس إلى الفرد المؤثر، غيّر اللفظين معًا. لم يقل: خلق الإنسي والجني، بل قال مرتين:

﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ۝ وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: 26-27].

﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ ۝ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ [الرحمن: 14-15].

المقابلة هنا كاملة: الإنسان بإزاء الجان، مادة خلق بإزاء مادة خلق، وفرد بإزاء فرد. وفي الحجر أعاد القرآن على الجان ضمير المفرد فقال: ﴿خَلَقْنَاهُ﴾؛ فلا يصح بعد ذلك إذابة اللفظ في جمع مبهم.

ولم يستعمل القرآن كلمة «جني» اسمًا للفرد مرة واحدة، بينما استعمل «جان» استعمال المفرد في سبعة مواضع.([5]) ففي ﴿لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: 39] صاحب الذنب فرد.

أما ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ في عصا موسى [النمل: 10؛ القصص: 31] فلا تجعل «الجان» اسمًا للحية. لقد حوّل الله العصا إلى حية حقيقية تسعى حين أمر موسى أن يقبضها، وحوّلها أمام فرعون إلى ﴿ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ يرهب الناظرين؛ أما قوله ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ فلم يقل: «إنها جان»، بل وصف ما يحسبه الناظر عند رؤيتها. فلا نخلق للفظة معنيين متخالفين، أحدهما الجان والآخر الحية؛ فهذا باطل في منهج وحدة المعنى. والوجه أن الجان قد يظهرون للبشر في صورة من الصور، فشبّه الناظر صورة العصا المتحركة بما يعرفه من ظهور الجان.

وأما ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: 56، 74] فيستحيل أن يكون الطمث مرادفًا لممارسة الجنس؛ لأن القرآن حين أراد التعبير عنها استعمل لفظ المس: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ [مريم: 20]. فالطمث، كما نراه، هو التأثير النفسي على الآخر وترك أثر فيه. واستخدام «الجان» مع «الإنس» هنا مقصود؛ لأن الجان هم أصحاب القدرة على التأثير في غيرهم. وهكذا لا تعارض هذه الآيات رتبة الجان، بل تكشف عملًا من أعمالها. وسنُفرد لقانون الطمث مقالًا مستقلًا نكشف فيه حقيقته.

أما لماذا كان الجان من العلية، فلأن القرآن لم يضعه بإزاء «إنسي» عادي، بل بإزاء الإنسان. وقد ثبت في المقال الخاص بالناس والإنسان أن الإنسان هو الواحد من الإنس الذي بلغ مقام الأثر المتعدي، وأن الناس جماعته.([6]) فإذا أقام القرآن الجان مقام الإنسان مرتين في مشهد الخلق، فقد عرّف رتبته بالمقابلة.

ويشهد بناء الكلمة في ميزان علم آدم للنتيجة نفسها. فالألف امتداد فاعل؛ بها ينتقل الفعل إلى حامل ممتد الأثر. كتلة «جن» تحبس الجنس داخل الستر، ثم تمتد بالألف في «جان» فتُخرج من هذا المخزون فردًا فاعلًا، لا يخرج من الستر المادي، ولكنه يخرج من سكون الجماعة إلى مقام الفعل والقدرة والتأثير.

ثالثًا: الجِنّة والناس — جماعة العلية

إذا كان الجان واحد العلية، فما اسم جماعتهم؟ هنا تأتي الجِنّة.

قال القرآن: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: 119؛ السجدة: 13]، وختم المصحف بقوله: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس: 6]. فلم تقترن الجِنّة بالإنس قط، ولم يقل في هذه المواضع «الجن والناس». وحين تغير طرف المقابلة من الإنس إلى الناس، تغير طرفها الآخر من الجن إلى الجِنّة.

وهذا هو القانون كله في سطر واحد:

الجن بإزاء الإنس، والجان بإزاء الإنسان، والجِنّة بإزاء الناس.

فالناس جماعة الإنسان، والجِنّة جماعة الجان. وكما أن الناس علية الإنس وأهل الأثر فيهم، فالجِنّة علية الجن وأهل الأثر في عالمهم.

لماذا خُصّت جهنم بالجِنّة والناس؟

وهنا تظهر مناسبة اختيار الجِنّة والناس في آيتي الملء. فجهنم، في ميزان هذا البحث، ليست اسمًا عامًا لكل عذاب؛ إنها أشد درجات النار، وقد قال القرآن: ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا﴾ [التوبة: 81]، وجعلها ﴿لِلطَّاغِينَ مَآبًا﴾ [النبأ: 21–22]. وإذا كانت العقوبة تشتد بقدر اتساع الجريمة، كانت قمة النار لمن تجاوز شره نفسه إلى غيره: صاحب سلطان، أو مال، أو قيادة، أو قدرة على الإضلال. وهؤلاء هم الناس من عالم الإنس والجِنّة من عالم الجن، أي أهل الأثر والمسؤولية في الفريقين.

ولا يأتي ذلك من آيتي هود والسجدة وحدهما. فمن تتبع مواضع «جهنم» السبعة والسبعين رأى أن من أبرز أوصاف أهلها الفعل المتعدي: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ... وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: 36]؛ و﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ۝ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا﴾ [إبراهيم: 28–29]؛ و﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ... فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾ [البروج: 10]. فالمال يُسخّر للصد، والقوم يُوردون دار البوار، والمؤمنون يُفتنون؛ وفي كل مشهد أثر يتجاوز صاحبه إلى جماعة.

ويبقى قوله: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [الأعراف: 179]. وهذه الآية لا تسقط الخريطة؛ لأنها تنسب الكثرة إلى الجنسين العامين من حيث الأصل، ثم تصف سبب الانحدار: قلوب لا يفقهون بها، وأعين لا يبصرون بها، وآذان لا يسمعون بها. أما آيتا الملء فتسميان الطبقة حين تبلغ مقام الأثر والمسؤولية: الجِنّة والناس. فـ«الجن والإنس» يبينان المخزون الذي خرج منه المحكومون، و«الجِنّة والناس» يبينان رتبتهم حين صار أثرهم متعديًا.

ومن هنا نقول، في ميزان هذا البحث، إن عامة الإنس الذين لم يبلغوا مقام الناس لا يدخلون جهنم ما لم يبلغ فسادهم رتبة الأثر المتعدي التي تجعلهم من الناس؛ وإنما تكون عقوبتهم في درجات أخرى من النار وألوان العذاب، كالجحيم والحميم والسموم. أما جهنم فتقابل قمة المسؤولية بقمة العقوبة: كلما اتسع السلطان، اتسع الحساب.

وتكشف سورة الناس طبيعة هذه العلية؛ فالوسواس لا يبدد جهده في طرف معزول لا يتعدى أثره، بل يدخل صدور مواضع القيادة والتأثير: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ۝ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾. قد يكون المؤثر الخفي من جِنّة الجن، وقد يكون المؤثر الظاهر من الناس؛ وكلاهما إذا أفسد صدرًا ذا سلطان انتشر أثره فيمن وراءه.

وفي الصافات قال: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: 158]. فالآية تقول إن قومًا زعموا وجود نسب بين الله وعلية الجن، وهذه العقيدة من صنيعة الجِنّة نفسها: غرستها في عقول أولئك حتى يقدسهم البشر ويعبدوهم. ومع ذلك فقد علمت الجِنّة أنهم سيُحضرون ويحاسبون؛ فجمعوا بين معرفة المصير والإصرار على نشر العقيدة التي تمنحهم التقديس.

ماذا عن قولهم: ﴿بِهِ جِنَّةٌ﴾؟

وردت الجِنّة خمس مرات أخرى في صيغ الاتهام: ﴿بِهِ جِنَّةٌ﴾ [المؤمنون: 25، 70؛ سبأ: 8]، و﴿مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ [الأعراف: 184]، و﴿مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ [سبأ: 46].([7])

يفصل المعجم عادة هذه المواضع فيجعل الجِنّة هنا «الجنون». ولكن المكذبين كانوا يؤمنون بأن الجنون ناتج عن اتصال الشخص بالجن؛ فلما قالوا ﴿بِهِ جِنَّةٌ﴾ قصدوا أن علية الجن اتصلت به، لا جنًّا عاديين. ومن هذا الاتصال — في تصورهم — ظهرت فيه مواهب عجيبة تقف على الشعرة بين الجنون والعبقرية، وجاء بكلام يشبه السحر المبهر. فرد القرآن دعواهم بقوله: ﴿مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾، وبقي معنى الجِنّة واحدًا: جماعة الجان وعلية الجن، لا اسمًا آخر لزوال العقل.

وبذلك تنتظم المواضع العشرة كلها: الجِنّة جماعة مؤثرة من الجان، تارة يذكرها القرآن باسمها في مقابلة الناس، وتارة يحكي اتهام المكذبين للنبي بأن هذه الجماعة اتصلت به.

المعاجم تأتي شاهدة لا حاكمة

بعد أن بنى القرآن الخريطة، نستطيع سؤال المعاجم. وقد حفظت لنا من الشواهد ما يوافقها بوضوح.

جعل ابن فارس أصل «جن» الستر والتستر، ومنه الجن لاستتارهم، والجنين لاستتاره، والجُنّة التي يُستتر بها.([8]) لكن الخليل في «العين» ذهب أبعد من أصل الستر إلى ترتيب الأسماء، فقال: «الجن: جماعة ولد الجان، وجمعهم الجِنّة والجِنان».([9])

وقال أبو حيان في «تحفة الأريب»: «جان: واحد الجن. وجنس من الحيات»، وقال ابن الهائم: «الجان: واحد الجن أيضًا».([10]) أما الكفوي فجمع طرفي المقابلة القرآنية في عبارة تكاد تكون شرحًا للجدول السابق: «الناس اسم جمع ولذلك يستعمل في مقابلة الجِنّة، وهي جماعة الجن. والإنس اسم جنس ولذلك يستعمل في مقابلة الجن».([11])

هذه النصوص لا تنشئ النتيجة، وإنما تشهد لها. أما قولنا إن الجان واحد العلية وإن الجِنّة جماعتها، فدليله الحاسم مقابلة القرآن بين الجان والإنسان، وبين الجِنّة والناس. ولو خالف تصنيف معجمي هذه البنية لم نقدمه على القرآن.

شاهد الأمم على تفاوت العالم الخفي

آمنت أمم كثيرة بأن أفراد العالم الخفي ليسوا سواء: فيهم رؤساء وأتباع، وأقوياء وضعفاء، وأصحاب مراتب عليا وأخرى دونها. يظهر هذا المعنى إجمالًا في معتقدات اليهود والنصارى والهندوس والصينيين، وإن اختلفت أسماء الكائنات وصورها عندهم. ولا نسمي تلك الكائنات «جنًّا»، ولا نفسر بها ألفاظ القرآن؛ وإنما نستأنس باتفاق الأمم على أصل واحد: العالم المخفي، مثل العالم المشهود، متفاوت الأفراد والقدرات والمراتب.

الخلاصة في سطور

1. كتلة جن هي الإخفاء والإدخال والاحتواء؛ ولذلك سمي الجنس المستتر جنًّا.

2. الجن اسم الجنس العام المقابل للإنس، وفيه صالحون ومن دون ذلك، ومسلمون وقاسطون، وطرائق متعددة.

3. ﴿عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ تثبت رتبة قدرة مخصوصة داخل الجنس، و﴿شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾ تثبت درجة تمرد داخل الشياطين؛ فالعفريت يقيس القدرة، والمارد يقيس العصيان.

4. الجان فرد لا جمع؛ أعاد عليه القرآن ضمير المفرد، ووضعه مرتين بإزاء الإنسان في الخلق.

5. في ميزان علم آدم، الألف امتداد فاعل؛ فالجان هو الفرد الذي امتد أثره من مخزون الجنس، ولذلك كان واحد العلية في عالم الجن.

6. الجِنّة جماعة الجان، ويقابلها الناس جماعة الإنسان؛ والجان يقابله الإنسان وكلاهما مفرد، والجن يقابله الإنس.

7. آمنت أمم متعددة بتفاوت أفراد العالم الخفي، لكن هذا استئناس حضاري لا تفسير لألفاظ القرآن.



([1]) علي موسى الزهراني، «ما وجه القرابة بين الجن والنجاة؟ سداسية (ن ج و)»، النسخة المعتمدة في مشروع علم آدم: السداسيات/سداسية_نجو.docx، ولا سيما قسمي «الكتلة (نج) وقلبها (جن)» و«الجذور في القرآن — وهو السيد».

([2]) مواضع اقتران الجن بالإنس: الأنعام 112 و130؛ الأعراف 38 و179؛ الإسراء 88؛ النمل 17؛ فصلت 25 و29؛ الأحقاف 18؛ الذاريات 56؛ الرحمن 33؛ الجن 5. وتضاف مواضع اجتماعهما في الآية نفسها من غير الصيغة الثنائية المباشرة، مثل الأنعام 128 والجن 6.

([3]) علي موسى الزهراني، «عِفْرِيت في القرآن المكرم»، النسخة النهائية المعتمدة في مشروع علم آدم: المقالات المنجزة/عفريت_في_القرآن_النسخة_النهائية.docx؛ ولا سيما قسما «ما تلزم به من التبعيضية» و«الاسم على مسماه»، ثم المقابلة بين عرض العفريت وعرض الذي عنده علم من الكتاب في النمل 39-40.

([4]) محمد حسن جبل، «المعجم الاشتقاقي المؤصل»، مادة (مرد)، 4/2062-2063؛ وانظر مادة المؤلف المجموعة في مقالاتي وملفاتي/ترتيب سور القرآن/كتابي الاخير/أعمالي/تفسيري للقرآن الكريم/كلمات القرآن شرح كامل/معجم الاشتقاقي/مرد.md، وفيها جمع مواضع: النساء 117، والتوبة 101، والحج 3، والنمل 44، والصافات 7.

([5]) مواضع «جان» السبعة: الحجر 27؛ النمل 10؛ القصص 31؛ الرحمن 15 و39 و56 و74.

([6]) علي موسى الزهراني، «الناس والإنسان — علية القوم وأهل المسؤولية»، مشروع علم آدم، قسم «ما المقصود بعلية القوم؟» وقسم «سورة الناس».

([7]) مواضع الجِنّة العشرة: هود 119؛ السجدة 13؛ الصافات 158 مرتين؛ الناس 6؛ الأعراف 184؛ المؤمنون 25 و70؛ سبأ 8 و46.

([8]) ابن فارس، «معجم مقاييس اللغة»، مادة (جن)، 1/421-422.

([9]) الخليل بن أحمد، «كتاب العين»، مادة (جن)، 6/20-21.

([10]) أبو حيان الأندلسي، «تحفة الأريب بما في القرآن من الغريب»، ص90؛ ابن الهائم، «التبيان في تفسير غريب القرآن»، ص253.

([11]) أبو البقاء الكفوي، «الكليات»، ص912. وانظر أيضًا: الأزهري، «تهذيب اللغة»، 10/265-266؛ ابن سيده، «المحكم والمحيط الأعظم»، 7/214.

التعليقات (0)