هل القرآن ضد الشعوب والقبائل؟

 


هل القرآن ضد الشعوب والقبائل؟

قراءة في التشعّب والتشابه والتعارف داخل سورة الحجرات

بقلم: علي موسى الزهراني

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾
[الحجرات: 13]

الجواب المباشر: لا. القرآن لا يحارب اختلاف البشر ولا تقاربهم، ولكنه يحارب أن يتحول الاختلاف إلى سخرية، أو يتحول التشابه إلى عصبية، أو تصبح أسماء الجماعات درجاتٍ في قيمة الفرد البشري. والمشكلة ليست في أن يتمايز البشر في طرائق عيشهم؛ بل في أن يتخذوا هذا التمايز ميزانًا للتكريم، مع أن الآية وضعت ميزانًا آخر تمامًا: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾.

السؤال الذي يغيّر قراءة الآية

تعودنا أن نقرأ «الشعوب» على أنها جماعات بشرية كبيرة، وأن نقرأ «القبائل» على أنها جماعات أصغر تدخل تحتها. وبمجرد أن يستقر هذا التعريف في الذهن تصبح الآية خبرًا عن تقسيم البشر إلى طبقات من الأنساب: طبقة كبرى ثم طبقة أصغر. لكن هذا الفهم يترك أسئلة أساسية بلا جواب: لماذا جمع القرآن اللفظين؟ وما الذي أضافه أحدهما إلى الآخر؟ وما صلة هذا التصنيف المفترض بالسخرية واللمز والغيبة التي تعالجها السورة؟ ولماذا كانت غايته «لتعارفوا»، وكانت جائزته «إن أكرمكم عند الله أتقاكم»؟

إذا عُرّف الشعب بأنه مجموعة قبائل، صار العطف قريبًا من قولنا: جعلناكم مجموعات من القبائل وقبائل. وهذا ليس نقصًا صغيرًا في الشرح، بل قلبٌ لموضوع الآية؛ إذ ينقلها من أخلاق التعامل إلى ترتيب الأنساب، ويترك «لتعارفوا» والتقوى بلا وظيفة واضحة. وشيوع هذا القول في المعاجم والتفاسير وكتب الأنساب لا يمنحه حصانة؛ فالقول يُراجع في ضوء القرآن، ولا يُجعل حاكمًا عليه. وحين يفسد معنى موروث نظم الآية، يجب كشف خطئه بوضوح، لأن مجاملته تحجب نور القرآن.

تنطلق قراءتنا من قاعدة واحدة: الجذر يحدد اتجاه الحركة، والسياق يحدد المجال الذي تعمل فيه هذه الحركة، وخاتمة الآية تحدد ميزانها الأخلاقي. ومن اجتماع هذه الجهات يظهر أن «شعوبًا وقبائل» ليستا اسمي نسب أو عرق، ولا درجتين في حجم الجماعات؛ بل وصفان لحالتين من أحوال البشر في عاداتهم وطرائق عيشهم: تشعب واختلاف، أو تشابه وانسجام.

السورة كاملة، وليست آية منفردة

لم توضع آية الشعوب والقبائل في فراغ. ففي السياق السابق يقول الله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرًا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرًا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب﴾ [الحجرات: 11]. فالموضوع جماعات تنظر إحداها إلى الأخرى، ثم تحكم عليها، ثم تسخر منها أو تجرحها باللمز واللقب. والسخرية الجماعية كثيرًا ما تبدأ من استغراب لهجة أو لباس أو طعام أو طريقة زواج أو عادة في الضيافة والحزن والفرح؛ أي من تحويل المألوف عند جماعة إلى قانون تحاكم به كل جماعة أخرى.

ثم تنتقل السورة إلى داخل النفس وإلى ما يجري خلف الظهر: ﴿اجتنبوا كثيرًا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضًا﴾ [الحجرات: 12]. والظن هنا حكم جازم بغير علم، لا حسبانًا ولا احتمالًا؛ ولذلك قد يصير إثمًا. بعد السخرية الظاهرة يأتي هذا الجزم بالسوء، ثم التجسس، ثم الغيبة. هذه ليست ذنوبًا مبعثرة؛ إنها مسار واحد لفساد العلاقة بين البشر. يبدأ بأن ترى جماعتك معيارًا، ثم تجزم بالسوء في المختلف، ثم تبحث عما يدينه، ثم تروّج عنه ما يحط من قدره. عند هذه النقطة تأتي الآية الثالثة عشرة لتعيد بناء العلاقة كلها: الأصل البشري، واختلاف الأحوال، وغاية اللقاء، ثم ميزان التكريم.

ويستمر السياق بعد الآية فيقول: ﴿قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم﴾ [الحجرات: 14]. وهذا يزيد المعنى وضوحًا: الاسم الاجتماعي لا يمنح صاحبه منزلة باطنية، ولا يكفي الانتساب الظاهر ليصدر الفرد البشري لنفسه شهادة تفوق. فالسورة من أول هذا المقطع إلى آخره تفصل بين ما تطلقه الجماعات من أسماء وأحكام، وبين القيمة الحقيقية التي يعلمها الله من العمل والنية والتقوى.

أربع نقلات في جملة واحدة

تتحرك الآية في أربع نقلات متتابعة. الأولى: ﴿خلقناكم من ذكر وأنثى﴾، فترد البشر إلى منشأ بشري مشترك قبل كل اسم اجتماعي. والثانية: ﴿وجعلناكم شعوبًا وقبائل﴾، فتنقل الحديث من أصل التكوين إلى أحوال الجماعات في الحياة. والثالثة: ﴿لتعارفوا﴾، فتجعل لهذه الأحوال غاية في العلاقة المتبادلة. والرابعة: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾، فتسحب حق إصدار حكم الكرامة من أسماء الجماعات، وترده إلى ميزان أخلاقي لا يملكه اسم ولا عدد ولا تحالف.

الآية تفصل بوضوح بين أمرين: ﴿خلقناكم من ذكر وأنثى﴾ يقرر أصل تكوين البشر، ثم ﴿وجعلناكم شعوبًا وقبائل﴾ يصف ما يحدث بينهم بعد ذلك. فلا يجوز أن نحمل «شعوبًا وقبائل» معنى الولادة والنسب؛ لأن الآية انتقلت من الخلق إلى الجعل، ومن أصل البشر إلى تشعّب عاداتهم أو تشابهها مع عادات غيرهم.

من الخلق إلى الجعل: أصل ثابت وأحوال متحركة

لم تقل الآية: «خلقناكم شعوبًا وقبائل»، بل قالت: ﴿خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل﴾. اختيار الفعلين ليس زيادة لفظية. فالفرد البشري لا يختار أصل تكوينه، لكنه يولد داخل عادات، ثم يترك بعضًا منها ويكتسب غيرها، وتنتقل جماعته بالهجرة والمخالطة والتعليم والتجارة والزواج من حال إلى حال. وقد تتباعد جماعتان بعد اتفاق، أو تتقاربا بعد نفور، أو تتفقا في باب وتختلفا في باب آخر. هذه الحركة هي التي يفتحها فعل «جعل»، فلا يحول الحالة الاجتماعية إلى جوهر أبدي لا يتغير.

وهنا تسقط القداسة عن العادة من غير أن تسقط قيمة العادة النافعة. فما اكتسبه قوم عبر تاريخهم قد يكون جميلًا ويستحق الحفظ، لكنه لا يصبح جزءًا من الخِلقة البشرية ولا شهادةً على فضل فرد لمجرد أنه قديم. ويمكن للبشر أن يراجعوا أعرافهم، وأن يتركوا ما يظلم، وأن يأخذوا من غيرهم ما هو أصلح. ولو كانت الجماعات حقائق تكوينية مغلقة لما صح هذا التبدل، ولما كان للتعارف أثر في تهذيبها؛ أما كونها أحوالًا مجعولة فيجعلها قابلة للمراجعة والتصحيح.

مفاتيح الآية

يجمع الجدول الآتي مفاتيح القراءة؛ فلن نفهم الآية من غير تحرير مصطلحاتها.

اللفظ

معناه

الخَلْق

إنشاء الشيء في أصل تكوينه.

الجَعْل

تصيير الشيء من حال إلى حال، أو منحه وضعًا أو وظيفة، والحال المجعولة قابلة للتغير.

شَعْب / شعوب

حالة تشعّب وتباعد بين البشر في السلوك والعادات والتقاليد؛ وليست اسمًا لجماعة ذات نسب أو عرق واحد.

قَبيل / قبائل

حالة تقابل وإقبال وائتلاف يظهر أثرها في تشابه السلوك والعادات والتقاليد؛ وليست اسمًا لجماعة ذات نسب أو عرق واحد.

قوم

جماعة تقوم بأمرها باشتراك؛ وغالبًا تتكون من أسر يجمعها أصل، أو تمازجت جيلًا بعد جيل. وهي أقرب إلى ما يسمى اليوم قبيلة.

تعارف

تفاعل بين طرفين يتنافسان نحو العرف، أي القمة الأخلاقية التي يقررها سياق السورة.

التقوى

وقاية النفس من الزلل والذنوب، ولا سيما الجهل والظلم والسخرية والاستعلاء في هذا السياق.

التكريم

رفع الفرد البشري من المهانة إلى منزلة الاعتبار من غير كبر.

 

ليست طبقتين بشريتين: كبيرة وصغيرة

القراءة التي تزعم أن الشعب هو الوعاء الكبير وأن القبيلة هي الوعاء الصغير لا تفسر لنا الآية؛ بل تجعلها غامضة قليلة القيمة العملية. فما الذي يضيفه إلى هداية البشر أن يعرفوا أن جماعة أكبر من أخرى؟ وكيف ينتج من ترتيب الأحجام قوله ﴿لتعارفوا﴾، ثم قوله ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾؟ لا صلة ظاهرة بين كِبَر الجماعة وصِغَرها وبين السخرية والغيبة والتقوى. أما حين تكون «شعوبًا» حركة تشعّب في العادات، وتكون «قبائل» حركة تقابل وائتلاف وتشابه، فإن أجزاء الآية والسورة تتصل: الاختلاف قد يولد النفور والسخرية، والتشابه قد يولد التعاون أو العصبية، والتعارف يدفع الطرفين إلى التنافس في العرف الأخلاقي، والتقوى تحكم على ما فعلاه باختلافهما أو ائتلافهما.

والقرآن يملك ألفاظًا صريحة حين يريد الحديث عن الولادة والنسب: قال ﴿فجعله نسبًا وصهرًا﴾ [الفرقان: 54]، وقال ﴿فلا أنساب بينهم يومئذ﴾ [المؤمنون: 101]، واستعمل الآباء والأبناء والذرية والأرحام في مواضع كثيرة. أما في الحجرات فلم يقل أنسابًا ولا ذرية؛ قال «شعوبًا وقبائل». فلا يصح أن نترك ألفاظ النسب الواضحة، ثم نفرض معناها على لفظين جاءا داخل سياق العادات والأخلاق من غير برهان.

وجود الأنساب والأسماء الاجتماعية في التاريخ شيء، ومعنى اللفظ القرآني شيء آخر. فقد تسمّي جماعة نفسها اليوم شعبًا أو قبيلة، لكن الاسم الدارج لا يملك سلطةً على القرآن. الآية لا تجعل «شعوبًا وقبائل» اسمين لنسب أو عرق، ولا تجعل الانتساب موضوع تكريمها. ومن هنا يجب فصل المصطلح الاجتماعي الذي ورثناه عن الدلالة التي يبنيها النص نفسه.

العادات هي التي ترسم مسافات القرب والبعد

ينشأ الفرد البشري فيرى طريقة قومه طبيعية؛ يسمع نبرة الكلام، ويتعلم حدود المجاملة، وكيف يقدم الطعام، ومتى يزور، وكيف يعقد الزواج، وكيف يعبر عن الحزن والفرح. ثم يلتقي جماعة أخرى تفعل الأشياء نفسها بطريقة مختلفة. هنا يظهر مستوى العقل والخلق: هل يفهم أن ما ألفه عادة من عادات البشر، أم يحوله إلى المقياس الوحيد للوقار والصواب؟ كثير من السخرية لا يبدأ من جريمة فعلها الآخر، بل من هيئة لم نألفها، أو كلمة ينطقها بغير نطقنا، أو طعام يأكله بغير طريقتنا.

وقد يكون المختلف أقرب إلينا في العدل والرحمة من المشابه، وقد يكون المشابه أشد ظلمًا. فالتشابه في الثوب أو اللهجة أو العادات لا يكشف وحده حقيقة الأخلاق. ومع ذلك تنجذب النفوس عادة إلى المألوف؛ فتثق بمن يشبهها أسرع، وتتحفظ ممن يخالفها. ومن هذا الميل تنشأ دوائر القرب والبعد، ثم تقوى حتى تبدو كأنها حدود طبيعية بين البشر، مع أنها في جانب كبير منها نتاج التربية والمخالطة والذاكرة المشتركة.

يمكن لجماعتين متباعدتين في المكان أن تتشابها في عادات كثيرة بسبب تجارة أو هجرة أو دين أو تعليم مشترك، ويمكن لأبناء بيت واحد أن يتشعبوا في طرائقهم بعد انتقالهم إلى بيئات مختلفة. وقد يتفق البشر في نظام الضيافة ويختلفون في عادات الزواج، أو يختلفون في اللغة ويتفقون في قيم الوفاء والنجدة. لهذا لا يلزم أن يكون الفرد البشري في خانة واحدة مغلقة؛ فهو يتشعب عن غيره في وجه، وينسجم معه في وجه آخر. إننا أمام حركة اجتماعية متداخلة، لا أمام صندوقين عرقيين لا يلتقيان.

لماذا قالت السورة: ﴿قوم من قوم﴾؟

أقرب لفظ قرآني إلى الجماعة التي نسميها اليوم «قبيلة» هو «القوم». والقوم من القيام المشترك؛ فالجماعة لا تبقى إلا إذا قامت بأعمالها بالتعاون. وغالبًا ما ينشأ هذا القيام بين أسر بينها قرابة، أو بين أسر تمازجت جيلًا بعد جيل حتى صارت قومًا واحدًا. ولهذا كان «القوم» في غالب الاستعمال القرآني أقرب إلى ما نسميه اليوم «القبيلة». وقوم لوط هم الجماعة التي عاش بينها وخاطبها وقام معها بشأن بلدها، وقد وصفهم القرآن بأنهم إخوته في قوله: ﴿إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون﴾ [الشعراء: 161]؛ فالمقصود جماعة تجمعه بها رابطة القوم، لا اسمًا لنسب منفرد.

ولهذا قالت السورة عند النهي عن السخرية: ﴿لا يسخر قوم من قوم﴾، ولم تقل: لا تسخر قبيلة من قبيلة. فالقوم جماعة تقوم بعملها المشترك، وقد يكون قيامها في نسب متقارب أو في تمازج طويل. ولم نجد في القرآن ما يخالف أن «قومًا» هو الأقرب إلى الجماعة المعروفة اليوم باسم القبيلة. أما «قبائل» في الآية فليست اسمًا بديلًا لهذه الجماعات، بل حالة تقابل وائتلاف يظهر أثرها في تشابه العادات. الخلط بين الاستعمالين هو الذي ردّ اللفظ القرآني إلى النسب قبل أن يسمع سياقه.

ما الذي كانت المرويات والتواريخ تسميه «قومًا»؟

هذه الكتب ليست مقدسة، ولم تُكتب في السنوات الأولى من العهد النبوي، بل دُوّنت بعد ذلك بزمن ووصلت في نسخ متأخرة. لذلك تشهد للغة زمن تدوينها، ولا تثبت أن العبارة نفسها قيلت يوم وقوع الحادثة. نستفيد منها في معرفة الاستعمال اللغوي في القرنين الثاني والثالث وما بعدهما، مع بقاء القرآن هو الحاكم على معنى ألفاظه.

ومع هذا التحفظ تظهر نتيجة لا يجوز إغفالها. بعد إزالة الحركات والتطويل واحتساب الصيغ المتصلة بحروف الجر والعطف والضمائر، ظهرت صيغ «قوم» في القطعتين الباقيتين من سيرة ابن إسحاق 219 مرة، مقابل 18 مرة لـ«قبيلة/قبائل»؛ وفي سيرة ابن هشام 869 مقابل 79؛ وفي مغازي الواقدي 773 مقابل 19؛ وفي طبقات ابن سعد 1452 مقابل 82؛ وفي تاريخ الطبري 3234 مقابل 213. وفي موطأ مالك، رواية يحيى بتحقيق عبد الباقي، ظهرت صيغ «قوم» 137 مرة مقابل 8 لصيغ «قبيلة/قبائل» في النص الرقمي المفحوص. هذه الأرقام قرينة على الغلبة، وتكشف نمطًا ثابتًا: الاسم المعتاد للجماعة في لغة التدوين هو «قوم»، لا «قبيلة».

والشواهد الصريحة أهم من الرقم. في القطعة المنسوبة إلى ابن إسحاق قيل: «وكانت قريش قومًا تجارًا»([1])، وقيل عن بني عبد مناف: «كانت الرئاسة بعده والشرف والسن في قومه بني عبد مناف»([2]). وفي مغازي الواقدي قال سراقة لقريش: «قد عرفتم شرفي ومكاني في قومي»([3])، ثم عرّفه الخبر بأنه «سيد كنانة». وفي طبقات ابن سعد: «قدم عليه أربعة عشر رجلًا من هوازن مسلمين، وجاءوا بإسلام من وراءهم من قومهم»([4]). هذه جماعات يسارع الاستعمال المعاصر إلى تسميتها قبائل، بينما سماها النص «قومًا».

وأوضح الشواهد ما جاء في سيرة ابن هشام في مشهد واحد: «ومرت القبائل على راياتها، كلما مرت قبيلة...»؛ فوصف سليمًا ومزينة وغيرهما بـ«القبائل» لأنهم يتقابلون مع قريش في الهدف والغاية التي جمعت ذلك المشهد، لا لأن اللفظ يضعهم في طبقة نسبية. ثم قال العباس لأبي سفيان عن قريش: «النجاء إلى قومك»، فلما وصل صاح: «يا معشر قريش»([5]). وفي موضع آخر جاء كتاب إلى رفاعة الجذامي: «إني بعثته إلى قومه عامة، ومن دخل فيهم»([6])؛ فالقوم هنا يتسعون لمن دخل فيهم. هذه الكتب مادة للفحص؛ أما الحاكم فهو جذر اللفظ ونظمه وسياقه.

﴿هو وقبيله﴾: القبيل ليس ذرية ولا نسبًا

يقول الله عن إبليس: ﴿إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم﴾ [الأعراف: 27]. لم تقل الآية «هو وذريته»، بل فرّقت بين «قبيله» و«ذريته»؛ فالذرية من النسل، أما القبيل فأوسع. هو كل من يقابله في النظرة، ويتفق معه، وينسجم مع احتقاره للبشر، ولو لم يكن من صلبه. ولو كان اللفظ خاصًا بالنسب لما شمل من يشاركه موقفه من خارج ذريته.

بدأ موقف إبليس من البشر بحكم احتقاري: ﴿أنا خير منه﴾ [الأعراف: 12]. فمن البشر من يكرر هذا الحكم بسبب الاسم أو اللون أو اللهجة أو العادة. ويدخل في قبيله شياطين البشر الذين يحتقرون بني جلدتهم ويستنسخون العنصرية والجهل والغلو والكراهية، لا لأنهم من نسله، بل لأنهم انحازوا إلى منطقه. ويؤكد ذلك قوله تعالى: ﴿فاستخف قومه فأطاعوه﴾ [الزخرف: 54]؛ فالاستخفاف نظرة احتقار وافقوها، لا رابطة ولادة.

شرحنا في المعجم القرآني معنى «رأى»، وبيّنا أن الرؤية الشيطانية هنا نظرة احتقار. ومن أراد البرهان والتوسع فليرجع إلى مقال جذر «رأى» في المدونة.

السخرية أول ثمرة فاسدة للتشعب

عندما تتشعب العادات لا يقع الشر آليًا. الشر يبدأ حين تفسر جماعة اختلاف غيرها على أنه نقص في قدره البشري أو عقله أو دينه. تضحك من لهجته، ثم تلصق بها صفة الغباء؛ تستغرب لباسه، ثم تجعله علامة انحطاط؛ لا تفهم عادته في الزواج أو الطعام، ثم تحول الجهل بها إلى تهمة. وهكذا تنتقل المسافة الثقافية من مجرد اختلاف إلى حكم أخلاقي بلا دليل. لذلك لم يقل القرآن: لا تختلفوا، بل قال: لا يسخر قوم من قوم؛ لأن المطلوب تهذيب الحكم على الاختلاف، لا محو الاختلاف نفسه.

والآية تقول: ﴿عسى أن يكونوا خيرًا منهم﴾. هذه العبارة تقلب ميزان الساخر؛ فما حسبه علامة دناءة قد يكون مجرد عادة، ومن سخر منه قد يكون أعدل وأصدق وأتقى. الساخر رأى الظاهر الذي لم يألفه، لكنه لم ير حقيقة العمل. واختلاف العادات يكشف طريقة حكمه على المختلف: هل يتواضع فيتعلم، أم يستعجل الحكم، وهل يميز بين عادة تخالف مألوفه وفعل يخالف العدل؟ من لا يميز بينهما يجعل ثقافته دينًا، ثم يظلم البشر لأنهم لم يولدوا داخلها.

والتشابه قد يتحول إلى عصبية

كما أن التشعب ليس شرًا في ذاته، فالتشابه ليس خيرًا في ذاته. تقارب العادات يسهل الثقة والتعاون والتناصر، وهذه منفعة حقيقية؛ لكنه قد يصنع دائرة مغلقة تمنح أفرادها البراءة قبل الفحص، وتدين الخارج قبل السماع. وقد تتماسك جماعة على نصرة المظلوم، وقد تتماسك على ستر الظالم لأنه منها. في الحالتين توجد قوة انسجام، لكن قيمتها لا تعرف من تماسكها؛ تعرف من الشيء الذي تماسكت عليه.

لهذا تهدم خاتمة الآية ميزانين لا ميزانًا واحدًا: لا يحق للمتشعب أن يتفاخر باستقلال طريقه وكثرة فروعه، ولا يحق للمنسجم أن يتفاخر بقوة جماعته وتماسكها. قد يكون الانتشار قوة، وقد يكون تشتتًا؛ وقد يكون الائتلاف رحمة، وقد يكون عصبية. ليس في أي واحد منهما شهادة كرامة جاهزة. وما يحسم الأمر هو التقوى: كيف استعملت الجماعة اختلافها؟ وكيف استعملت قوتها؟ هل فتحت باب العدل، أم صنعت بابًا جديدًا للظلم؟

﴿لتعارفوا﴾: تنافس نحو العرف الأخلاقي

تقول الآية إن صنيع الله بالبشر هو التشعب والتقابل، وغايته أن يتعارفوا. وليس التعارف جمع معلومات عن بعضهم؛ فهذا لا قيمة له في ميزان التقوى. التعارف على وزن «تفاعل» يحتاج إلى طرفين، مثل «تقاتل»، ويدفعهما إلى التنافس نحو «العرف»، أي القمة الأخلاقية. ولمن أراد البرهان المفصل فليرجع إلى مقال جذر «عرف» في المدونة.

وصيغة «تفاعل» تدل على مقابلة بين طرفين؛ فكما أن «تقاتل» لا يقع من طرف واحد، فإن «تعارف» لا يكون من طرف واحد. الطرفان يتقابلان في العمل، ويظهر عندهما العرف الذي يرفع الأخلاق أو يكشف القبح. لذلك فالتعارف في هذه السورة تنافس متبادل نحو القمة الأخلاقية، لا تبادل بطاقات تعريف.

العرف هنا هو المعروف الذي يستحق القبول: الصدق، والعدل، والوفاء، وحفظ الجار، وإغاثة المحتاج، والرحمة بالضعيف. فكل طرف يعرض أخلاقه في الفعل، وتكشف المقابلة من يفي بالعهد، ومن ينصف الغريب، ومن يرد الإساءة بالعدل لا بالانتقام. ولهذا كان التنافس نحو العرف غاية التعارف، ويؤيده قوله: ﴿وفي ذلك فليتنافس المتنافسون﴾ [المطففين: 26].

هذا التعارف لا يطلب من المختلفين أن يذوب أحدهما في الآخر، ولا يطلب من المتشابهين أن يقطعوا روابطهم. إنه يطلب أن تتحول العلاقة إلى تنافس في المعروف: يتعلم المختلفان بلا احتقار، ويتعاون المتشابهان بلا عصبية، ويعرض كل طرف أخلاقه في الفعل لا في الدعاية. فالبشر جميعًا يمدحون أنفسهم بالكرم والوفاء والشجاعة، لكن قيمة الدعوى لا تظهر إلا حين تقع المصلحة في كفة والحق في كفة أخرى.

ليس كل مألوف معروفًا

قد يعترض معترض: إذا كان التعارف من العرف، فهل تصبح كل عادة موروثة خيرًا؟ الجواب: لا. المألوف هو ما اعتاده قوم، أما المعروف الأخلاقي فلا يكفي فيه القدم ولا كثرة الممارسين. قد يألف البشر ظلم الضعيف، أو التعصب للقريب، أو منع حق المرأة، أو إهانة الغريب؛ فيكون مألوفًا اجتماعيًا ومنكرًا أخلاقيًا. لهذا لم تقف الآية عند «لتعارفوا»، بل أتبعتها بالتقوى. فالتقوى ميزان يفرز العادة: ما يحفظ الحق ويمنع الظلم يُصان، وما يبرر الجهل والعدوان يُترك ولو ورثته أجيال.

وبذلك لا تصبح قراءة العادات دعوة إلى نسبية أخلاقية تقول إن كل جماعة على حق لأنها اعتادت ما تفعل. التنوع واقع، لكن الحكم على الأفعال له معيار. يمكن أن أحترم حق جماعة في طعامها ولباسها ولهجتها، وأرفض في الوقت نفسه عادة تظلم فردًا بشريًا. الفرق أنني لا أرفضها لأنها غريبة عني، بل لأنها ظالمة. هذا الانتقال من «لا يشبهني» إلى «هل يعدل أم يظلم؟» هو إحدى أهم ثمار الآية.

التشعب والانسجام من جعل الله، والعدوان من عمل البشر

الفاعل في قوله ﴿وجعلناكم﴾ هو الله. فاختلاف البشر ليس اختراعًا حديثًا ولا مؤامرة صنعت أصل تنوعهم؛ إنه داخل في سنن الاجتماع التي جعلها الله. لكن هذا لا يعفي المعتدي الذي يستثمر الاختلاف ليقسم الجماعات أو يحرض بعضها على بعض. وجود الفرق شيء، وتحويله إلى كراهية واقتتال شيء آخر. قد يستغل عدو خارجي شقوق المجتمع، وقد يصنع أهل المجتمع شقوقًا جديدة، وفي الحالتين تبقى المسؤولية على من حول التنوع إلى ظلم.

ومن الخطأ كذلك أن نقول: بما أن الله جعل البشر مختلفين فلا مسؤولية عليهم فيما يفعلون بهذا الاختلاف. الله جعل التشعب والتقابل، وبيّن أن غايتهما التعارف نحو العرف الأخلاقي، ولم يأمر بالسخرية والغيبة. جعل في الحياة وجوهًا من التباعد والتقارب، ثم بيّن كيف تُدار: لا سخرية، ولا لمز، ولا تجسس، ولا غيبة، بل تعارف وتقوى. فالحالة الاجتماعية ليست خطيئة، ولكن السلوك داخلها قد يكون معروفًا أو منكرًا.

لماذا ختمت الآية بالتقوى والتكريم؟

لو كانت غاية الآية تثبيت سجل الأنساب، لكان كافيًا أن تقول إن البشر شعوب وقبائل ليعرف بعضهم بعضًا. لكن الآية لم تتوقف؛ انتقلت فورًا إلى ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾. هذا الانتقال هو مفتاح المعنى كله. ففي ميدان التعارف يبحث البشر عمن يستحق الثقة والاحترام، وقد يخطئون فيجعلون الشهرة أو كثرة الأتباع أو تماسك الجماعة علامة كرامة. فجاء النص ليقول إن التكريم لا ينتج من التشعب ولا من التشابه، وإنما من الوقاية من الجهل والظلم.

التقوى شبيهة بمن يمشي في طريق ذي شوك فيحذر موضع قدمه. وفي سياق الحجرات يحذر الفرد البشري أن تزل قدمه إلى السخرية، وأن يتحول اختلاف العادة إلى احتقار، وأن يتحول الولاء إلى ستر للظلم، وأن يتحول الحكم الجازم بغير برهان إلى تجسس وغيبة. والتكريم هو أن يُرفع الفرد البشري من المهانة إلى منزلة الاعتبار من غير أن يرتفع إلى الكبر. فمن طلب التكريم بالاستعلاء على غيره نقض الطريق الذي جعله الله للتكريم؛ لأنه وقع في الجهل الذي جاءت التقوى لتقيه منه.

ثم تقول الآية: ﴿إن الله عليم خبير﴾. فالبشر يرون عادة ظاهرة واسمًا معروفًا وعددًا كبيرًا، أما حقيقة التقوى فليست بطاقة يطبعها الفرد البشري لنفسه. قد تتزيّن جماعة بخطاب الفضيلة وتخفي ظلمًا، وقد يجهل البشر معروفًا فعله من يحتقرونه. خاتمة «عليم خبير» تمنع حتى المتقي من تحويل التقوى إلى لقب جديد يتعالى به؛ فالعلم المحيط بحقيقة العمل لله، لا للجماعة التي تمدح نفسها.

اعتراضات

الاعتراض الأول: المعاجم وكتب الأنساب رتبت الشعب فوق القبيلة. هذا الترتيب هو الخطأ الذي يفككه المقال، ولا يصح تلطيفه حتى يبدو تفسيرًا موازيًا مقبولًا. المعاجم تسجل ما شاع، لكنها لا تملك أن تفرضه على نظم القرآن. وحين يجعل التعريفُ «الشعبَ» مجموعةَ قبائل، ثم تعطف الآية القبائل عليه، فإنه لا يبين فرقًا حقيقيًا بين اللفظين، ولا يفسر علاقتهما بالسخرية والتعارف والتقوى. أما قراءة التشعب والتشابه فتعيد كل كلمة إلى وظيفتها داخل السورة؛ ولذلك يجب رفض سلم الأنساب هنا، لا الاكتفاء بالقول إنه رأي من آراء متعددة.

الاعتراض الثاني: قوله ﴿من ذكر وأنثى﴾ يثبت أن الكلام كله في الأنساب. الصدر يثبت المنشأ المشترك، لكنه لا يحدد معنى مفعولي «جعلناكم». بل الفصل بين «خلقناكم» و«جعلناكم» هو الذي يمنع هذا الخلط: الأولى في أصل البشر، والثانية في أحوالهم الاجتماعية. فالآية لم تتكلم عن عرق ونسب متفرق، بل قررت أن مادة خلق البشر واحدة، ثم انتقلت إلى ما يطرأ عليهم من تشعب وتقابل في العادات. ذكر الأصل قبل الاختلاف يقطع الفخر، ولا يحول ألفاظ الاختلاف نفسها إلى أعراق ثابتة.

الاعتراض الثالث: وزن «تفاعل» لا يعني المنافسة. الوزن وحده لا يثبت المنافسة، لكنه يثبت المشاركة بين طرفين. أما النتيجة التنافسية فتظهر من اجتماع هذه المشاركة مع جذر «عرف» وسياق السورة؛ فلولا وجود الآخر لما تحرك الطرف الأول نحو القمة الأخلاقية. وقد تتعاون الجماعات في هذا الاتجاه من غير قصد واعٍ، إذ يدفع وجود المختلف كل جماعة إلى إظهار ما عندها من أخلاق وتحسينه. فالمنافسة هنا حركة متبادلة نحو العرف، لا تحميل لمعنى كامل على صيغة صرفية واحدة.

الاعتراض الرابع: جذر «قبل» لا يعني التشابه مباشرة. المقصود أن الإقبال والقبول والائتلاف تجمع الأطراف، ثم ينشأ من طول الاجتماع تشابه في العادات. فالتشابه ثمرة الحركة لا تعريف الجذر منفردًا، ومجاله تحدده سورة تتحدث عن أقوام تسخر وتلمز وتغتاب بسبب ما بينها من فروق. بهذه الدقة لا نقفز من الحروف إلى نتيجة اجتماعية بلا سياق.

الاعتراض الخامس: ماذا نفعل بالتسميات الموجودة اليوم؟ لا نقبل هذا الاستعمال على أنه اصطلاح بريء لا يمس المعنى؛ فمهمة البحث تصحيحه. شيوع تسمية الدولة «شعبًا» والقوم «قبيلة» لا يجعل الخطأ صحيحًا. إطلاق «شعب» و«قبيلة» اليوم على كتلتين نسبيتين شوّه فهم الآية ولو جاء عن غير قصد. الأقرب للجماعة المعروفة اليوم هو «القوم»، أما «شعوبًا وقبائل» في الآية فحركتا تشعب وتقابل.

الاعتراض السادس: كيف تكون الكلمتان أسماءً وهما تصفان حركتين؟ العربية تسمي الجماعة بالحال الغالبة عليها بعد أن تستقر: قوم قائمون بأمر، وحزب مجتمع على وجهة، وأصحاب متلازمون. وكذلك يمكن أن تستقر حركة التشعب أو الائتلاف حتى تصبح وصفًا لجماعات، من غير أن تتحول إلى مادة وراثية. صيغة الاسم لا تمنع أن يكون منشأ التسمية فعلًا اجتماعيًا متغيرًا.

ماذا تغيّر هذه القراءة في حياتنا؟

إنها تغير السؤال الذي نسأله عند لقاء المختلف. بدل أن نقول: لماذا لا يتكلم مثلنا، ولا يلبس مثلنا، ولا يحتفل مثلنا؟ نسأل: هل في فعله ظلم؟ وهل في عادتنا نحن عدل؟ وقد نكتشف أن سخريتنا كانت غطاءً لجهلنا، وأن ما حسبناه نقصًا مجرد طريقة أخرى في الحياة. وبذلك يصبح الاختلاف فرصة لتوسيع الفهم لا مادةً لصناعة النكات والألقاب.

وتغير كذلك نظرتنا إلى المشابه. لا نعطيه الثقة المطلقة لأنه يحمل اسمنا أو لهجتنا، ولا ننصره ظالمًا لأنه من جماعتنا. التشابه يسهل التعاون، لكنه لا يغني عن الفحص الأخلاقي. الجماعة التي تستر فساد أفرادها باسم التماسك لم تفهم «قبائل» كما تقرؤها هذه الدراسة، ولم تفهم «أتقاكم»؛ لأنها جعلت الائتلاف أعلى من الحق.

وفي وسائل التواصل تتجدد آيات الحجرات كل يوم: مقطع قصير من عادة غريبة يتحول إلى سخرية من قوم كامل، ولقب يتحول إلى وصمة، وحكم جازم يتحول إلى حملة تفتيش، ثم غيبة جماعية يشارك فيها آلاف البشر. هنا لا يكفي أن نردد شعار قبول التنوع؛ المطلوب تقوى عملية: أن نتوقف قبل السخرية، وأن نتحقق قبل الاتهام، وأن نفصل بين نقد الظلم واحتقار البشر، وأن نرد الإساءة بالعدل.

وتحررنا القراءة أخيرًا من عبادة العادة. نحفظ الجميل من تراثنا لأنه جميل، لا لمجرد أنه تراثنا؛ ونترك الظالم لأنه ظالم، ولو فعله آباؤنا؛ ونأخذ المعروف من غيرنا بلا شعور بالنقص. فالتعارف ليس بوابة لذوبان الجماعات، بل طريق لتصحيحها. ومن يملك عادة حسنة لا يفاخر باسمها، بل يقدم أثرها؛ ومن يرى خطأ عند غيره لا يسخر، بل ينصح بالعدل ويقبل أن يكون عنده هو أيضًا ما يحتاج إلى إصلاح.

من الجاهلية الضيقة إلى سعة الوعي

رفعت سورة الحجرات وغيرها من السور المستوى الثقافي للمسلم، فجعلته شبيهًا بالحكماء؛ فلا يرى اختلاف الآخر عيبًا أو نقصًا، بل حكمة ربانية تثري الحياة وتنوعها. فمن البشر من يتفق معه في العادات ومنهم من يختلف، وليس ذلك معيار الحكم والتقدير؛ المعيار هو التقوى.

الأصل أن نقبل الآخر كما هو، وأن نوقّر عاداته وتقاليده ما دامت لا تمس الأخلاق والخير ولا تظلم فردًا بشريًا. فلا يحق لنا أن نحكم على تصرف لأنه يخالف ما ألفناه؛ إنما نحكم عندما يمس العدل أو الرحمة أو الحق. هنا فقط يصبح النقد أخلاقيًا، لا تعصبًا لعاداتنا. وما دام الفعل داخل دائرة المباح والخير، فاختلافه عن طريقتنا ليس عيبًا يحتاج إلى إصلاح.

وهذا لا يعني أن كل عادة صواب، بل يعني أن معيار الخطأ ليس غرابتها عنا. المسلم واسع الوعي يحترم المختلف قبل أن يفهم كل تفاصيله، ثم يزن الأفعال بالتقوى لا بالذوق الموروث. فإذا مست عادةٌ الأخلاق والخير رفض ظلمها، لا أصحابها؛ وإذا لم تمسهما ترك لكل قوم طرائقهم، وعرف أن الله لم يجعل البشر نسخة واحدة.

البرهان اللفظي الكامل

يبني هذا المقال الصورة العامة من نظم الآية وسياق السورة. وسيُنشر في مدونة «تأملات قرآنية تاريخية» بحثان مستقلان: أحدهما في «شعب» وشواهده وصورة التشعب، والآخر في «قبيل» ومادة الإقبال والقبول والائتلاف، مع مناقشة الشواهد القرآنية والمعجمية والاعتراضات.

الخلاصة

لا تقول الآية إن البشر أعراق كبيرة اسمها شعوب، وأعراق صغيرة اسمها قبائل؛ بل تبدأ بمنشأ بشري مشترك، ثم تصف أحوالهم حين تتشعب عاداتهم أو تتشابه وتنسجم. وقد يثمر التشعب سخرية، والتشابه عصبية، لذلك جعلتهما غاية للتعارف: تفاعلًا تتنافس فيه الجماعات نحو العرف الأخلاقي. ولا يفوز الأكثر انتشارًا أو تماسكًا، بل من وقى نفسه الجهل والظلم: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾.

هذا والله أعلم.



([1]) محمد بن إسحاق، السيرة والمغازي، ص81.

([2]) محمد بن إسحاق، السيرة والمغازي، ص69.

([3]) محمد بن عمر الواقدي، المغازي، ج1، ص38.

([4]) محمد بن سعد، الطبقات الكبرى، ج1، ص94.

([5]) عبد الملك بن هشام، السيرة النبوية، ج2، ص404.

([6]) عبد الملك بن هشام، السيرة النبوية، ج2، ص596.

التعليقات (0)