سداسيّة (ش ر ق) بين كتلةٍ تَفترِقُ فتَعلَق وكتلةٍ تَلتصِقُ فتُفارِق
استقراءٌ من المعاجم، وعرضٌ على القرآن
بابٌ مردودٌ في بيتٍ مُعتِمٍ قد سُدَّت منافذُه كلُّها، إلّا شقّاً رفيعاً بقيَ في حاشيته يَدخُلُ منه خيطٌ واحدٌ من ضوء النهار. للعربِ اسمٌ لذلك الخيط: سمَّوه الشِّرْق، وسمَّوا الشقَّ الذي دخلَ منه المِشْريق.(١)
وفي حديث ابن عبّاسٍ أنّ في السماء باباً للتوبة يُقال له المِشْريق، «وقد رُدَّ فلم يَبقَ إلّا شَرْقُه» - أي أُغلِقَ حتى لم يَبقَ منه إلّا ضوءُ شقِّه.(٢)
وقومٌ يَرمون جميعاً رمياً واحداً، فتَنطلِقُ من أيديهم سهامٌ متفرِّقةٌ يَجمَعُها هدفٌ واحد؛ وذلك الوجهُ من الرمي يُسمَّى الرِّشْق. وللقلمِ إذا خُطَّ به صوتٌ سمَّوه الرَّشْقَ أيضاً.(٣)
وأذنُ شاةٍ تُشَقُّ طولاً «ولم تَبِنْ»، فتُسمَّى الشَّرقاء، ويُنهى أن يُضحَّى بها.(٤)
وقومٌ يَلتقطون قُوتَهم «من هاهنا وهاهنا، ولَفُّ ما قُدِرَ عليه»؛ وهو القَشّ. وقومٌ تجمَّعوا إلى مكّةَ من ههنا وههنا فسُمُّوا قُريشاً.(٥)
خمسةُ مشاهدَ لا يجمعُها في ظاهرها جامع: ضوءٌ في شقّ، وسهامٌ تُرمى معاً، وأذنٌ مشقوقة، وفُتاتٌ يُلَمّ، وقبيلةٌ اجتمعت. وهي مع ذلك تخرجُ كلُّها من ثلاثةِ أحرفٍ لا رابعَ لها: الشينِ والراءِ والقاف. وأعجبُ من هذا أنّ العربَ سمَّت الحُمرةَ شُقرة، وسمَّت الغُصّةَ شَرَقاً، وسمَّت جهةَ مطلعِ الشمسِ مَشرِقاً. فما الذي يجمعُ هذا كلَّه؟(٦)
أوّلاً: الكتلتان - استقراءُ الأخوات
الجذرُ ثلاثيّ: شينٌ وراءٌ وقاف. والراءُ حرفٌ سيّالٌ يَنفُذُ ولا يَعقِدُ كتلة، فالكتلةُ في الحرفين الصُّلبين: الشينِ والقاف؛ ومنهما اثنتان: (شق) ومعكوسُها (قش). وتَدخُلُ الراءُ على كلٍّ منهما في ثلاثةِ مواضع - أوّلاً ووسطاً وآخراً - فتتولّدُ الستّة. ومعنى الكتلتين لا يُؤخَذُ من التقاليب أنفسِها، فذلك دَوْرٌ؛ وإنّما نَخرُجُ إلى أخواتِهما في سائر الكلام.(٧)
كتلةُ (شق): فُرقةٌ تَنتهي إلى عُلوق
والمفتاحُ في المضاعَف، وقد أعطاه ابنُ فارسٍ ولم يَبنِ عليه: «الشين والقاف أصلٌ واحدٌ صحيح يدلُّ على انصداعٍ في الشيء». ثمّ زادَ الخليلُ القيدَ الذي هو رُوحُ الكتلة: «والشَّقُّ غير بائنٍ ولا نافذ». فالشقُّ فُرقةٌ لم تَتِمّ: الجانبان افترقا وهما بعدُ موصولان.(٨)
ثمّ نَعرِضُ الأخوات. فالنَّشْقُ عند ابن فارس «نُشوبُ شيء»، وحدُّه الحسّيُّ: «نَشِقَ الظَّبْيُ في الحِبالةِ: عَلِقَ فيها... ورجلٌ نَشِقٌ إذا وقعَ في أمرٍ لا يكاد يخلُص منه». فالظبيُ فارقَ سِربَه ووقعَ في الحِبالة، فلا هو راجعٌ ولا هو ناجٍ - فُرقةٌ انتهت إلى عُلوق.(٩)
والمَشْقُ «جَذْبُ الشيء ليمتدَّ ويطول»، ومنه «مشَقْتُ الثوبَ: مزَّقتُه» - والتمزيقُ شقٌّ لا يَفصِلُ الثوبَ ثوبين. ومنه أيضاً «مَشَقَ إذا أسرعَ الكتابة»، فالقلمُ يَخُطُّ خُطوطاً متفرِّقةً ثابتةً في الأديم.(١٠)
والوَشيقةُ «لحمٌ يُقدَّد» - يُشرَّحُ شرائحَ ويبقى لحماً. والشِّقصُ «طائفةٌ من شيء» - قطعةٌ لم تَخرُج عن جملتها. والشَّقْبُ «كالغارِ في الجبل» - فُرجةٌ في جِرمٍ لم يَنفصِل، وابنُ فارسٍ يجعلُ أصلَ المادّةِ الطولَ لأجل الشَّوقب. وشَقَّحَ النخلُ «حين زُهُوِّه» - أوّلُ ما يَنشَقُّ عنه اللونُ في البُسر، وقد جعلَ ابنُ فارسٍ حدَّها «لونٍ غيرِ حسَن». ونَنقُلُ حدودَه كما هي ثمّ نُشخِّص.(١١)
فالجامعُ في (شق) - بعد المسح - فُرقةٌ تَقَعُ ثمّ يُمسِكُها القيدُ فلا تَتِمّ. الشينُ تُفرِّقُ، والقافُ تُمسِك؛ فالشقُّ لا يُبين، والثوبُ يُمزَّقُ ولا يَصيرُ ثوبين، والسهمُ يَنشَبُ ولا يَنفُذ، والظبيُ يَعلَقُ ولا يَنفَلِت.
كتلةُ (قش): قَيدٌ يَنفَكُّ فيُفارِق
ثمّ نَعكِسُ الحرفين فيَنعكِسُ التتابع. وابنُ فارسٍ يُعطيها في كلمتين: «القاف والشين... فالقَشُّ: القَشْر. يقال تقشقشَ الشيءُ إذا تقشَّر». وفي العين ما يُصوِّرُها: «وتَقَشْقَشَتِ القروحُ أي تَقَشَّرَت للبُرْء»، و«انْقَشَّ القومُ: تفرَّقوا وذهبوا مسرعين»، و«القَشُّ: ما يُكنَسُ من المنازل». فههنا شيءٌ كان لاصقاً بأصله ففارقَه، ثمّ صار فُتاتاً يُلَمّ.(١٢)
والقِشرُ أظهرُ أخواتها: «تنحيةُ الشيء، ويكونُ الشيءُ كاللِّباس ونحوه»، و«القِشرُ: لباسُ الإنسان»، و«القِشرةُ: اسمٌ للثوب، وكلُّ ملبوسٍ قِشْر». فليست القِشرةُ جزءاً من اللُّبّ، وإنّما هي كِسوةٌ عليه تَنفَكُّ عنه.(١٣)
وقَشِعَ الغيمُ - «كلُّ شيءٍ خَفَّ فقد قَشِعَ»، و«القِشْعةُ: القطعةُ من السَّحاب تَبقى بعد انكشاف الغَيم»، وقالوا للكُناسة قَشَع. ونَقَشَ - «استخراج شيء واستيعابه حتى لا يترك منه شيء... منه نقش الشعر بالمنقاش وهو نتفه». وقَشَمَ - «قُشامُ المائدة: ما نُفِضَ منها من باقي خُبزٍ وغيرِه»، وفي البابِ نفسِه: «قَشَمتُ الخُوصَ إذا شقَقتَه».(١٤)
فالجامعُ في (قش) ما كان مقيَّداً بأصلِه ففارقَه فصار متفرِّقاً: القِشرةُ عن اللُّبّ، والغيمُ عن السماء، والشعرُ عن الجِلد، والفُتاتُ عن المائدة، والقُروحُ عن البَدَن. ثمّ يُلَمُّ ذلك المتفرِّقُ فيُسمَّى قَشّاً - وهو المعنى الذي حَيَّرَ من قرأ المادّةَ: كيف يكونُ اللفظُ الواحدُ تفريقاً وجمعاً؟ والجوابُ أنّ الجمعَ ههنا جمعُ ما تفرَّق، لا ضمُّ ما كان مجتمعاً.
(شق) تَفترِقُ فتَعلَق، و(قش) تَلتصِقُ فتُفارِق. حرفان اثنان، عُكِسَ ترتيبُهما فانعكسَ التتابعُ ولم يَنعكِسِ العُنصران: الفُرقةُ والقيد في كلتيهما.
واعتراضٌ على القيد - ولِمَ لا يَقوم
وقد يُقال: إنّ قيدَ «غير بائنٍ ولا نافذ» متفرِّدٌ بمطبوع العين، ليس في اللسان ولا المحكم ولا التاج؛ بل إنّ الأزهريَّ يَنقُلُ فقرةَ الليث بعينها خاليةً منه. ثمّ في المادّة نفسِها ما يُوهِمُ خلافَه: الشِّقاقُ الخلاف، وانشقَّت عصا المسلمين، والشِّقّةُ شظيّةٌ تُشَقُّ من لوحٍ أو خشبة. فكيف يكونُ القيدُ رُوحَ الكتلةِ وهذا حالُه؟(١٥)
والجوابُ من ثلاثة أوجه. أوّلُها أنّا لا نَبني على القيدِ وحدَه؛ فالمُعوَّلُ عليه حدُّ ابن فارس: انصداعٌ في الشيء. والانصداعُ في نفسِه فُرقةٌ لم تَتِمّ، فالصدعُ إذا تمَّ لم يُسَمَّ صدعاً بل قَطْعاً. وزيادةُ العين تُصدِّقُ الحدَّ ولا تُنشِئُه، والأزهريُّ اختصرَ ولم يُنكِر.
والثاني أنّ الشِّقاقَ لنا لا علينا. فالمتشاقّانِ لم يَنفصِلا؛ ولو انفصلا لَما احتيجَ إلى قوله ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَٱبْعَثُوا۟ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِۦ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَآ﴾ [النساء ٣٥] - وإنّما يُبعَثُ الحَكَمانِ لأنّ العُروةَ باقيةٌ بينهما. وقالوا: انشقَّت عصا المسلمين بعد التئام - عصاً واحدةٌ وأهلُها أمّةٌ واحدة؛ ولو صاروا أمّتين لَما بقيَ للعصا اسم.
والثالثُ أنّ الشِّقّةَ ثمرةُ الشقِّ لا الشقُّ نفسُه. والشظيّةُ إنّما سُمِّيت شِقّةً لأنّها كانت في اللوح، فالاسمُ يَحكي أصلَها لا انفصالَها؛ ولو كانت خشبةً وُجِدَت هكذا لَما سُمِّيت شِقّة. ومثلُه قولُهم للنِّصفِ شِقّاً - نصفٌ يَبقى مضافاً إلى كلٍّ.
ولا نُلِحُّ في هذا؛ حسبُنا أنّ الانصداعَ متّفَقٌ عليه، وأنّ في السداسيّةِ نفسِها خمسةَ نصوصٍ تَنفي التمامَ نُوردُها في موضعها.
ثانياً: الراءُ تدور - ثلاثةُ أزواجٍ متقابلة
والراءُ زخمٌ اندفاعيٌّ لا يُقيمُ في موضعٍ واحد، فتَدورُ على الكتلة الثابتة في المواضع الثلاثة. فإذا كانت في الطَّرَف انتقلت من طرفٍ إلى طرفٍ والكتلةُ باقية، فخرجَ من كلِّ كتلةٍ زوجٌ داخليّ. وإذا توسَّطت فلا طرَفَ تَنتقِلُ إليه، فعكسُها القلبُ الكاملُ حرفاً حرفاً - وهو يَقلِبُ الكتلةَ نفسَها إلى نقيضتها.(١٦)
رَشْق ↔ شَقْر، على كتلة (شق). فالرَّشقُ لحظةُ الانطلاق: «الرِّشْق: الوَجْه من الرمْىِ، إذا رمى القومُ جميعهم قالوا: رمينا رِشْقاً» - سهامٌ تُفارِقُ الأيديَ متفرِّقةً منتظمةً وهي مقصودةٌ إلى هدفٍ واحد. والشُّقرةُ حالُ الاستقرار: حُمرةٌ خرجت من الجوفِ فثبتت في الظاهرِ ولم تُفارِقْه. فِعلٌ وثمرتُه. وبيتُ طَرَفةَ يَجمعُهما في مصراعٍ واحد: «وعَلَا الخَيْلَ دِماءٌ كالشَّقِرْ» - دماءُ الطَّعنِ عَلَت فكانت شُقرة.(١٧)
رَقْش ↔ قَشْر، على كتلة (قش). فالرَّقْشُ «خطوطٌ مختلفة» و«التَّرقيشُ: الكتابة»، والقَشْرُ نَزْعُ اللِّباس. إلباسٌ وكَشف: هذا يَضَعُ على الطبقة أثراً، وذاك يَنزِعُ الطبقةَ نفسَها. ولذلك سمَّوا القِشرةَ ثوباً وسمَّوا الترقيشَ كتابةً - كلاهما في الظاهر لا في الجوف.(١٨)
ولطيفةٌ في هذا الزوج لا تكادُ تُصدَّق: القلمُ حاضرٌ في طرفيه. فالرَّشْقُ «صوتُ القلم إذا كُتِبَ به»، والتَّرقيشُ «الكتابة»، ورَقَّشتُ الكتابَ: كتبتُه. وأخوهما من الكتلة نفسِها: «مَشَقَ إذا أسرعَ الكتابة». ثلاثةُ ألفاظٍ للكتابةِ من حرفين اثنين - وما ذاك إلّا أنّ القلمَ يَفعَلُ بالأديمِ فِعلَ الكتلة: يَخُطُّ فيه خطّاً يَفترِقُ عن جِرمِه ولا يُفارِقُه.(١٩)
شَرْق ↔ قَرْش، وهذا هو الجسر: الراءُ في الوسط في كليهما، فلا طرَفَ تَنتقِلُ إليه، وإنّما يُقلَبُ اللفظُ كلُّه فتَنقلِبُ الكتلةُ من (شق) إلى (قش). والتعاكسُ فيه أتمُّ ما في السداسيّة: الشَّرْقُ زخمٌ يَطلُعُ بالكامنِ من الجوف إلى الظاهر عبرَ الشقّ، والقَرْشُ زخمٌ يَسوقُ المنتشرَ من الظاهر إلى الحيِّزِ فيَجتمِع. خروجٌ ودخول.(٢٠)
ولو كان المعنى في مجرَّدِ اجتماع الشينِ والراءِ والقاف لَما افترقَ الضوءُ الداخلُ من الشقِّ عن القبيلةِ المجتمعةِ بمكّة. الحروفُ ثلاثةٌ لم تتغيَّر، وإنّما تغيَّرَ ترتيبُها.
ثالثاً: التقاليبُ الستُّ وما تقولُه المعاجم
وقد عَدَّ الخليلُ الستَّةَ في بابٍ واحدٍ وحَكَمَ عليها كلِّها بالاستعمال: «باب القاف والشين والراء معهما ق ش ر، ش ق ر، ر ش ق، ش ر ق، ر ق ش، ق ر ش مستعملات». وليس هذا هَيِّناً؛ فهو في البابِ الذي يليه أسقطَ ثلاثةً من ستّة. فالسداسيّةُ ههنا حيّةٌ كلُّها بنصِّه.(٢١)
ونَعرِضُ ما قالته المعاجمُ ثمّ نُشخِّصُ كلَّ قول: أهو الصورةُ الحسّيّةُ الأولى، أم نتيجةٌ ووظيفةٌ نشأت عنها؟
عائلةُ (شق): رشق - شرق - شقر
| التقليب | موضعُ الراء | ما تقولُه المعاجم | التشخيص |
|---|---|---|---|
| رَشْق | أوّلاً | «رَمْيُ الشيءِ بسهمٍ وما أشبهه في خِفّة» (المقاييس)؛ «الرِّشْق: الوَجْه من الرمْىِ» (المقاييس)؛ «الرَّشْقُ: صوتُ القلم إذا كُتِبَ به» (العين) | الرَّميُ نتيجة؛ والصورةُ ما يقعُ عند الوصول: شيءٌ فارقَ مُرسِلَه فعَلِقَ بما وقعَ عليه. ومنه صوتُ القلم: طَرَفٌ يَنشَبُ في الأديم |
| شَرْق | وسطاً - الجسر | «أصلٌ واحدٌ يدلُّ على إضاءةٍ وفتح» (المقاييس)؛ «والشِّرْق: الضَّوءُ الذي يدخلُ من شَق الْبَاب. ويُقَال: لذلكَ الموضعِ المِشْرِيق» (التهذيب) | «الإضاءة» ثمرة، و«الفتح» أقربُ. والصورةُ الأولى في الاسمين: شقٌّ في ساترٍ يَنفُذُ منه المحجوبُ فيُرى - ولا يَنفُذُ إلى ما بعده |
| شَقْر | آخِراً | «أصلٌ يدلُّ على لون. فالشقرة من الألوان فى الناس: حمرة تعلو البياض» (المقاييس)؛ «حُمرةٌ صافيةٌ وبَشرتُه مائلةٌ إلى البياض» (الصحاح) | اللونُ ثمرةٌ لا أصل؛ والبياضُ في الحدِّ لا حاشيةٌ فيه. والصورةُ: ما خرجَ من الجوفِ فاستقرَّ في الظاهرِ ولم يُفارِقْه |
عائلةُ (قش): رقش - قرش - قشر
| التقليب | موضعُ الراء | ما تقولُه المعاجم | التشخيص |
|---|---|---|---|
| رَقْش | أوّلاً | «أصلٌ يدلُّ على خطوطٍ مختلفة... حَيّةٌ رَقشاءُ: منقَّطة» (المقاييس)؛ «التَّرقيشُ: الكتابة» (العين)؛ «الأرقشُ: لونٌ فيه كُدورةٌ وسواد» | الصورةُ: أثرٌ متفرِّقٌ يقعُ على الطبقة الظاهرة فيَثبُتُ فيها. وليس اللونُ حدَّها، بل تفرُّقُ الأثرِ وانتظامُه |
| قَرْش | وسطاً - الجسر | «أصلٌ صحيح يدلُّ على الجمع والتجمُّع... تقرَّشوا: تجمَّعوا» (المقاييس)؛ «القَرْشُ: الجمعُ من هاهنا وهاهنا» (العين)؛ «المُقْرِشةُ من الشِّجاج: التي تَصدَعُ العظمَ ولا تَهشِمه» (اللسان) | الجمعُ ههنا جمعُ متفرِّقٍ لا ضمُّ مجتمع؛ ولذلك قيل «من هاهنا وهاهنا». وشاهدُ الشَّجّةِ يُبقي القيدَ في الكتلة: صدعٌ بلا هَشْم |
| قَشْر | آخِراً | «تنحيةُ الشيء، ويكونُ الشيءُ كاللِّباس» (المقاييس)؛ «القِشرُ: لباسُ الإنسان»؛ «الأقشرُ: الذي انقشرَ سِحاؤه» | هنا نُقِلتِ الصورةُ عاريةً، وهي أصدقُ ما في الباب: طبقةٌ كانت مقيَّدةً بأصلها فاستوفت مفارقتَه |
رابعاً: الشَّرْقُ ليس ضوءاً ولا جهة
وأمّا الجذرُ المطلوبُ نفسُه فقد وقعَ فيه ما يقعُ كثيراً: أُخِذَ بأشهرِ ثمراته وتُرِكَ أصلُه. فابنُ فارسٍ يقول: «إضاءةٌ وفتح»، والناسُ يَحفَظون الإضاءةَ ويَنسَون الفتح. والذي في المعاجم أنّ الشِّرْقَ اسمٌ للضوء الداخلِ من شقِّ الباب، والمِشْريقَ اسمٌ للشقِّ نفسِه. فليس في الاسمين إضاءةٌ مطلَقةٌ ولا جهةٌ من جهات الأرض، وإنّما مَنفَذٌ ضيِّقٌ ومَنفوذٌ منه.(٢٢)
وأربعةُ شواهدَ من الجذرِ نفسِه تُثبِتُ ذلك، وكلُّها فيها ظهورٌ بلا نفاذ:
الأوّل: الشَّرَقُ وهو الغُصّة. «الشَّرَقُ بالماء كالغَصِّ بالطعام، وهو أن يقعَ في غير مَساغه»، «شَرِقَ الرجلُ... أي نَشِبَ». فالماءُ دخلَ ولم يَنفُذ - وهو أشيعُ استعمالِ الجذرِ في كلام العرب. وقد أخرجَها ابنُ فارسٍ من بابه فقال: «ومما شذَّ عن هذا الباب» - وهي عندنا صميمُه.(٢٣)
الثاني: الدمُ يَظهرُ ولا يَسيل. قال الأصمعيّ: «شَرِقَ الدَّمُ بجسده... إذا ظهرَ ولم يَسِلْ، وقيل إذا ما نَشِبَ، وكذلك شَرِقت عينُه إذا بقيَ فيها دمٌ». فهذا هو الحدُّ بلفظه: ظَهَرَ - ولم يَنفُذ.(٢٤)
الثالث، وهو القاصم: شَرِقَتِ الشمسُ إذا ضَعُفَ ضوءُها. «شَرِقَت الشمسُ شَرَقاً إذا ضَعُفَ ضوءُها»، «شرقت الشمس: خالطتها كُدورة»، «تُكرَهُ الصلاةُ بشرَقِ الموتى أي حين تصفَرُّ الشمس». فلو كان الجذرُ للإضاءةِ لَكانت هذه ضدَّه؛ وهي على حدِّنا صميمُه: ضوءٌ لم يَبقَ منه إلّا ما يَنفُذُ من وراء الكُدورة.(٢٥)
الرابع: أذنُ الشاة. الشَّرقاءُ «انشقَّت أُذُناها طولاً ولم تَبِنْ» - شقٌّ في الجِرمِ لا يُبين، وهو حدُّ (شق) بعينه. ولذلك عَدَّها ابنُ فارسٍ «من الفَتح الذي وصفناه» ولم يَجعَلْها من الإضاءة.(٢٦)
فحَدُّ الجذرِ عندنا: شَقٌّ في السَّاتر يَنفُذُ منه المحجوبُ فيُرى، ولا يَنفُذُ إلى ما بعده. وعليه يَجري فروعُه: الشِّرقُ ما نَفَذَ من الشقّ، والمِشْريقُ الشقُّ نفسُه، والشَّرَقُ ما نَشِبَ في غير مَساغه، والشُّروقُ طُلوعُ القُرصِ من وراء حدِّ الأرض.
خامساً: واللونُ ثمرةٌ لا أصل
فإن قيل: فقد وصفتِ المعاجمُ ثلاثةً من الستّةِ بالحُمرة - شرقاً وشقراً وقشراً - ووصفت رابعاً بالكُدرةِ والسواد. أفلا يكونُ الأصلُ لوناً؟
قلنا: والذي رتَّبَ ذلك أهلُ اللغةِ أنفسُهم، لا نحن. فابنُ فارسٍ صريحٌ في الأقشر: «وقولهم إنَّ الأقشرَ الشديدُ الحُمرة، وإنّما ذلك للشديدِ حُمرةِ الوجه، الذي يُرى وجهُه كأنّه يتقشَّر» - فالحُمرةُ عندَه علامةُ الانقشار لا معناه. وابنُ منظورٍ يُرتِّبُهما ترتيباً يَشهدُ لذلك: يَذكُرُ الانقشارَ ويَجزِمُ به، ثمّ يَذكُرُ الحُمرةَ بصيغة «وقيل».(٢٧)
والشُّقرةُ في الإنسان ليست حُمرةً خالصة، بل «حُمرةٌ تعلو البياض»، و«بَشرتُه مائلةٌ إلى البياض». وليس البياضُ حدَّ اللفظِ في كلِّ موضع - فالشُّقرةُ في الخيلِ «حُمرةٌ صافية»، والبعيرُ الأشقرُ «شديدُ الحُمرة» بلا بياض. وإنّما الذي يَطَّرِدُ في المواضع الثلاثة أنّ الحُمرةَ مرئيّةٌ في الظاهرِ على غير لونِه الأوّل: تعلوه ولا تكون هي إيّاه.(٢٨)
والرابعُ - رَقْش - لونٌ أيضاً، ولكنّه «كُدورةٌ وسواد» و«حَيّةٌ رَقشاءُ: منقَّطة». فأربعةٌ من ستّةٍ ألوان. فإن كان اللونُ هو الأصلَ فما بالُ ألوانِها لا تجتمعُ على لون؟ حُمرةٌ ههنا وسوادٌ ههنا وكُدورةٌ ههنا. وإنّما الجامعُ أنّها كلَّها أثرٌ ظَهَرَ على سطحٍ من وراءِ سطح - وذلك هو الكتلةُ لا اللون.(٢٩)
والدليلُ الناقضُ لدعوى اللونِ شاهدٌ واحد: شَرْقٌ أسود. «قال شَمِرٌ: الشَّرْقُ طائرٌ بين الحِدَأةِ والصقر... ولونُه أسود». فلو كان الجذرُ موضوعاً للحُمرةِ لَما سُمِّيَ به الأسود. وقد شَعَرَ ابنُ فارسٍ بالإشكال فقال في اللحم الأحمر: «فإن كان صحيحاً فلأنّه من حُمرته كأنّه مُشرِق» - فرَدَّ الحُمرةَ إلى الإشراق، ونحن نَرُدُّهما جميعاً إلى الشقّ.(٣٠)
فالحُمرةُ أشهرُ ثمراتِ هذا الجذرِ لأنّ أشهرَ محجوبٍ تحت سواترِ الأجسامِ هو الدم: يَظهرُ من وراء الجِلدِ فيُرى، ولا يَنفُذُ فيَسيل. وهو نصُّ الأصمعيّ الذي مضى.
سادساً: أيَّ الطبقتين استعملَ القرآن؟
ونُصرِّحُ بالجواب قبل الدليل: الذي استعملَه التنزيلُ هو الطبقةُ الثانية - الطلوعُ وموضعُه - لا الشقُّ. فمواضعُ الجذر السبعةَ عشرَ كلُّها في هذا الباب، وذلك هو المصداقُ الذي استقرَّ عليه اللسانُ يومَ نزلَ القرآن؛ ولو نزلَ على الطبقة الأولى لَكان غريباً على سامعيه. ولسنا نَدَّعي أنّ العربيَّ كان يَستحضِرُ شقَّ الباب وهو يسمع ﴿رَبُّ ٱلۡمَشۡرِقِ﴾. وإنّما شأنُ السداسيّةِ أن تُبيِّنَ لِمَ سُمِّيت هذه النتيجةُ شروقاً دون سائر الأسماء - فالطبقةُ الأولى تُفسِّرُ الاختيار، ولا تُنازِعُ الثانيةَ على المعنى.(٣١)
ومع ذلك ففي اختيارِ التنزيلِ نفسِه ما يَشهدُ للأصل. فمن السبعةَ عشرَ موضعاً ليس فيها موضعٌ واحدٌ أُسنِدَ فيه الفعلُ إلى الشمس - وهي فاعلةٌ في مطالع المعاجم: «شَرَقَتِ الشمسُ إذا طلَعت». **ولم يقل «أشرقتِ الشمسُ» بل قال ﴿وَأَشۡرَقَتِ ٱلۡأَرۡضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾** [الزمر ٦٩]، وقال في القوم ﴿فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلصَّيۡحَةُ مُشۡرِقِينَ﴾ [الحجر ٧٣] و﴿فَأَتۡبَعُوهُم مُّشۡرِقِينَ﴾ [الشعراء ٦٠]. فالأرضُ كانت محجوبةً بالليلِ فظَهَرَ عليها النور، والقومُ ظَهَرَت لهم الشمسُ من وراء حدِّ الأرض. أمّا الشمسُ فليست هي المحجوبة، فلم يَقَعْ عليها الفعل. وهو اختيارٌ لا لَحن، والاختيارُ في مثل هذا خبر.(٣٢)
وأكثرُ المواضع صيغةُ المكان: ﴿وَلِلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ﴾ [البقرة ١١٥]، ﴿رَبُّ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ﴾ [المزمل ٩]، ﴿رَبُّ ٱلۡمَشۡرِقَيۡنِ وَرَبُّ ٱلۡمَغۡرِبَيۡنِ﴾ [الرحمن ١٧]، ﴿بِرَبِّ ٱلۡمَشَٰرِقِ وَٱلۡمَغَٰرِبِ﴾ [المعارج ٤٠]. والمِشْريقُ من الصيغةِ نفسِها، وقد اختُلِف فيه: قال السِّيرافيُّ هو المَشرِق، وقيل هو «مَدخَلُ الشمسِ» في الباب، وقيل هو الشقُّ الذي يقعُ فيه ضِحُّها. والثلاثةُ لا تَتنافى إن كان الأصلُ موضعَ النُّفوذ؛ فالجهةُ سُمِّيت باسمِ ما يقعُ فيها.(٣٣)
ويُصدِّقُه أنّ الجمعَ جاء على المواضع لا على الجهات: ﴿مَشَـٰرِقَ ٱلْأَرْضِ وَمَغَـٰرِبَهَا﴾ [الأعراف ١٣٧]، و﴿ٱلۡمَشۡرِقَيۡنِ﴾ مُثنًّى. ولو كانت الجهةُ هي الأصلَ لَما تعدَّدت؛ وإنّما تتعدَّدُ المواضعُ التي يَنفُذُ منها.
ولا نُحمِّلُ ﴿زَيۡتُونَةٖ لَّا شَرۡقِيَّةٖ وَلَا غَرۡبِيَّةٖ﴾ [النور ٣٥] ما لا تَحتمِل. فالنسبةُ فيها إلى الموضعِ كنظيرتها ﴿غَرۡبِيَّةٖ﴾: شجرةٌ لا تَخُصُّها ناحيةُ الشروقِ ولا ناحيةُ الغروب. وليست في اللفظِ حُمرةٌ ولا نُضج؛ والكلامُ على الشجرةِ لا على الحبّة.(٣٤)
سابعاً: التقاليبُ الستُّ في القرآن
١) شرق: سبعةَ عشرَ موضعاً
وقد مضى عَدُّها وتفصيلُ صيَغِها. وأمّا تحريرُ مشتقّاتها القرآنيّةِ موضعاً موضعاً - المشرِقُ والمشارِقُ والمشرِقَينِ ومُشرِقينَ وشَرقيّاً وشَرقيّةً والإشراقُ وأشرقَت - فنُفرِدُ له مقالاً مستقلّاً، ولا نَقضي ههنا في آيةٍ آية. فبينَ عملِ السداسيّةِ وعملِ التفسيرِ فرقٌ: هذه تُحرِّرُ الحدَّ من الحروف، وذاك يُنزِلُ الحدَّ على السياق.
٢) قرش: قُريشٌ ولِمَ سُمِّيت
والتقليبُ الثاني الذي نطقَ به التنزيلُ هو (قرش)، في موضعٍ واحد: ﴿لِإِيلَٰفِ قُرَيۡشٍ﴾ [قريش ١]. وقد قال الخليلُ: «القَرْشُ: الجمعُ من هاهنا وهاهنا، يُضَمُّ بعضُه إلى بعض. وسُمِّيت قُريشٌ لتجمُّعها إلى مكّة حيث غَلَبَ عليها قُصَيُّ بنُ كِلاب». وفي تسميتها أقوالٌ أخرى نَذكُرُها ولا نَطويها - دابّةُ البحر، والتجارة، ورجلٌ اسمُه قُرَيش - حتى قال ابنُ دريدٍ إنّه قد كثُر الكلامُ في هذا. والذي نَختارُه قولُ الخليل، لا لأنّه أشهرُها بل لأنّ الكتلةَ تَشهَدُ له: قومٌ كانوا متفرِّقين فانضمُّوا إلى حيِّزٍ واحد. وأمّا الغَلَبةُ في تمام كلامه فهي سببُ الاجتماع لا معنى الاسم؛ غَلَبَ قُصَيٌّ فجَمَعَهم.(٣٥)
وانظر كيف جاءت السورةُ على هذا المعنى نفسِه. فالإيلافُ ضمٌّ وتأليف، والرحلتان ﴿رِحۡلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱلصَّيۡفِ﴾ [قريش ٢] خروجٌ إلى الآفاقِ ورجوعٌ إلى الحيّز. **ولم يقل «لِعِزِّ قريشٍ» ولا «لِمُلكِ قريش»، بل قال ﴿لِإِيلَٰفِ قُرَيۡشٍ﴾** - فسمَّاهم باسمِ اجتماعهم، ثمّ امتنَّ عليهم بما يَحفَظُ ذلك الاجتماع: طعامٌ من جوعٍ وأمنٌ من خوف. والذي يَنقُضُ الاجتماعَ جوعٌ يُفرِّقُ أو خوفٌ يُشَتِّت.
ولطيفةٌ في الجسر: شَرْقٌ وقَرْشٌ متقابلان، وهما وحدَهما ما نطقَ به التنزيلُ من الستّة. أحدُهما خروجُ الكامنِ إلى الظاهر، والآخَرُ عَودُ المنتشرِ إلى الحيّز. ولا نَبني على هذا حكماً، ولكنّه ممّا يُستأنَسُ به.
٣) الأربعةُ الباقية: غيابٌ لا يُبطِلُ الشهادة
وأمّا قشر وشقر ورشق ورقش فلا نَجِدُ منها في المصحف حرفاً واحداً، مع أنّها حيّةٌ كلُّها بنصِّ الخليل. وليس في ذلك ما يُنقِصُ من شهادتها؛ فالتنزيلُ انتخبَ من كلام العربِ ولم يَستوعِبْه. وسكوتُه عن بناءٍ مستعمَلٍ خبرٌ كما أنّ نُطقَه به خبر.
ثامناً: المعنى المشتركُ في التقاليب الستّ
وبقيت المسألةُ الكبرى: ما الذي يَجمعُ الستّةَ جميعاً قبل أن تفترقَ إلى عائلتين؟ فالحروفُ الثلاثةُ واحدةٌ فيها كلِّها، فلا بدَّ من بَصمةٍ واحدةٍ تَطبَعُها.
الشينُ تفريقٌ منتظم، والقافُ تقييدٌ والتصاق، والراءُ زخمٌ اندفاعيّ. فالجامعُ للستّة: فُرقةٌ وقَيدٌ في شيءٍ واحد - ما فارقَ لم يَنفصِل، وما التصقَ لم يَبقَ ملتحماً. والراءُ هي التي تَنقُلُ الشيءَ من إحدى الحالين إلى الأخرى.(٣٦)
وانظرها في الستّة واحداً واحداً: السهامُ تُفارِقُ الأيديَ متفرِّقةً وتَجتمِعُ على هدفٍ واحد؛ والحُمرةُ تُفارِقُ الجوفَ فتَثبُتُ في الظاهرِ ولا تُفارِقُه؛ والضوءُ يُفارِقُ مصدرَه فيَقعُ مقيَّداً في مَوقِعِ الشقّ؛ والنُّقَطُ متفرِّقةٌ وهي ثابتةٌ في الجِلد؛ والقِشرةُ كانت لاصقةً باللُّبِّ ففارقَتْه؛ والقومُ كانوا متفرِّقين فاجتمعوا إلى الحيِّزِ فتقيَّدوا به. ستّةٌ ليس في واحدةٍ منها فُرقةٌ خالصةٌ ولا قيدٌ خالص.
وليس في الباب كلِّه نفوذٌ تامٌّ ولا بَينونةٌ تامّة، وهذا هو المِيسَمُ الذي تُعرَفُ به: «الشَّقُّ غير بائنٍ ولا نافذ»، و«ومِعْزة شَرْقاء: انْشَقَّتْ أُذُناها طُولًا وَلَمْ تَبِنْ»، و«الشَّرَقُ بالماء كالغص بالطعام، وهو أن يقع في غير مساغه»، و«شَرِقَ الدَّمُ بجسده يَشْرَقُ شَرَقاً إذا ظهر ولم يَسِلْ»، و«والمُقْرِشةُ مِنَ الشِّجاج: الَّتِي تَصْدَعُ العَظْم وَلَا تَهْشِمه». خمسةُ نصوصٍ من خمسةِ مواضع، كلُّها تَنفي التمام.(٣٧)
ثمّ تَفترِقُ الجهةُ بترتيبِ الحرفين لا بشيءٍ آخر: إذا تقدَّمتِ الشينُ كان الابتداءُ بالفُرقةِ والانتهاءُ إلى القيد - فُرقةٌ تَعلَق. وإذا تقدَّمتِ القافُ كان الابتداءُ بالقيدِ والانتهاءُ إلى الفُرقة - قَيدٌ يَنفَكّ.
تاسعاً: لئلّا يَختلِطَ الشَّرْقُ بقريبه
والعربيّةُ لا ترادفَ فيها؛ فللشَّرْقِ معنًى واحدٌ متميِّزٌ لا يَجمعُ معاني جيرانه. ونُقارِبُه بما قاربَه.
فالخَرْقُ نُفوذٌ تامّ، ولذلك قوبِلَ بالشَّرقاءِ في حديثٍ واحد: «نَهى أن يُضحَّى بشَرقاءَ أو خَرقاءَ أو جَدْعاء»، والخَرقاءُ «التي في أذنها خَرقٌ مستدير» - يَنفُذُ من الوجهين. فلم يُسَوِّ بينهما بل عدَّهما عيبين اثنين. والجَدْعُ قطعٌ بائن، وهو الثالثُ في الحديث.(٣٨)
والفَلْقُ عند ابن فارس «فُرْجةٍ ويَيْنُونةٍ فى الشئ» - وفي حدِّه البَينونةُ نصّاً، وهي التي لا تكونُ في الشَّرق. والفَلَقُ الصبحُ «لأنّ الظلامَ يَنفلِقُ عنه» - فالساترُ نفسُه يَنشَقُّ شقّاً واسعاً. والفَجْرُ «التفتُّحُ في الشيء... انفِجارُ الظُّلمةِ عن الصبح» وهو أوسعُ. والشَّرْقُ أضيقُها كلِّها: منفذٌ لا يَتَّسِع، يُرى منه ولا يُخرَجُ منه.(٣٩)
ولذلك لم يقلِ القرآنُ «شَرَقَ الصبحُ» ولا «انشرقَ الليل»، وقال ﴿فَالِقُ ٱلْإِصْبَاحِ﴾ و﴿وَٱلصُّبۡحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾. فالصبحُ يَفلِقُ الليلَ فلقاً، وأمّا الشَّرْقُ فموضعُ نفوذٍ فيه.
عاشراً: حدودُ ما يَدَّعيه هذا التحليل
ونُصرِّحُ بما نَدَّعيه وما لا نَدَّعيه، ونَعرِضُ ما يَرِدُ علينا ولا نُخفيه.
فالذي نَدَّعيه: أنّ (شق) و(قش) كتلتان عاملتان لكلٍّ منهما تتابعٌ يُخالِفُ الأخرى، وأنّ الراءَ الداخلةَ عليهما في المواضع الثلاثةِ تُولِّدُ الستّةَ على نظامٍ مطَّرِد، وأنّ الجامعَ للستّةِ اجتماعُ الفُرقةِ والقيد، وأنّ حدَّ (شرق) شقٌّ يَنفُذُ منه المحجوبُ فيُرى ولا يَنفُذُ إلى ما بعده.
والذي لا نَدَّعيه: أنّ اللونَ ليس في المادّة - بل هو فيها، وإنّما نُنازِعُ في رُتبته. ولا نَدَّعي أنّ الإضاءةَ ليست من الباب - بل هي منه ثمرةً لا أصلاً؛ وهذه حجّةٌ أضيقُ من دعوى <احمرار لا إضاءة>، وأصلبُ منها. ولا نَدَّعي أنّ كلَّ أخواتِ الكتلتين تَنقادُ للحدِّ بلا نظر؛ فقَشْبٌ عند ابن فارس «أصلانِ يدلُّ أحدُهما على خَلْط شيءٍ بشيء، والآخَر على جِدَّةٍ في الشيء»، ولم نَرُدَّه.
ويَرِدُ علينا: أنّ ابنَ فارسٍ صدَّرَ المادّةَ بـ«إضاءةٍ وفتح»، فقدَّمَ الإضاءة. والجوابُ أنّه هو الذي قال في الشاةِ الشَّرقاء إنّها «من الفَتحِ الذي وصفناه» - فجعلَ الفتحَ هو الجامع؛ ثمّ أخرجَ الغُصّةَ من بابه وقال «ممّا شذَّ»، ولو كان الفتحُ عنده أصلاً لَما شذَّت.(٤٠)
وممّا يُحتَجُّ به علينا قولُ صاحب المعجم الاشتقاقيّ: «وكلُّ ما جاء في القرآن من التركيب هو من معنى طلوع الشمس ولوازمه وما إليه - دون سائر معاني التركيب». وهو حقٌّ في وصف الاستعمال لا في التأصيل. على أنّه هو نفسُه معنا في الأصل لا علينا؛ فقد جعلَ المعنى المحوريَّ طلوعَ الشمسِ من عمق أقصى الأفقِ «كأنّما تَشُقُّه»، وقال: «فالمعنى في هذه الفقرة كلُّه من باب الشقّ».(٤١)
الخاتمة: فائدةُ هذه السداسيّة
افتتحنا بخمسةِ مشاهدَ سائبة: ضوءٌ في شقّ، وسهمٌ ناشب، وأذنٌ مشقوقة، وفُتاتٌ يُلَمّ، وقبيلةٌ اجتمعت. وسألنا: هل بينها نسب؟ والجواب: نعم، هي عائلتان متقابلتان من كتلتين، ثالثُ حروفِهما راءٌ تدورُ عليهما.
وفائدةُ ذلك أنّنا نَقرأُ هذه الألفاظَ من أصلِها لا من نتائجها. فبدل أن نحفظَ الشَّرقَ «جهةً»، والشُّقرةَ «لوناً»، والقَشرَ «إزالةً»، والقَرْشَ «جمعاً» - ألفاظاً متفرِّقةً لا رابطَ بينها - نراها أسرةً واحدةً مدارُها كتلتان: تَفترِقُ فتَعلَق، وتَلتصِقُ فتُفارِق.
وبهذا المفتاحِ يُقرأُ ما كنّا نَمُرُّ عليه مَرّاً: لِمَ قال ﴿وَأَشۡرَقَتِ ٱلۡأَرۡضُ﴾ ولم يقل أشرقتِ الشمس، ولِمَ تعدَّدتِ ﴿وَرَبُّ ٱلۡمَشَٰرِقِ﴾ ولم تتعدَّدِ الجهة، ولِمَ سُمِّيت قُريشٌ باجتماعها ثمّ امتُنَّ عليها بما يَحفَظُ اجتماعَها. وأمّا تنزيلُ الحدِّ على كلِّ مشتقٍّ قرآنيٍّ فمقالٌ آخَرُ نُفرِدُه.
وأدقُّ ما في هذه السداسيّة أنّ الشمسَ ليست فيها فاعلةً في القرآنِ قطّ - وإن كانت فاعلةً في كلام العرب. فالشَّرْقُ ليس اسماً للنور، بل اسمٌ للشقِّ الذي يَنفُذُ منه؛ ولو سُدَّ البابُ كلُّه لَما بقيَ شَرْق. وفي حديث ابن عبّاسٍ تمامُ الصورة: بابٌ رُدَّ حتى «ما بقيَ إلّا شَرْقُه» - فالذي بقيَ ليس الضوءَ العظيمَ من ورائه، بل الخيطُ الذي أفلتَ من الشقّ.(٤٢)
هذا، والله أعلم.
- تهذيب اللغة جـ٨ صـ٢٥٣، رواه الأزهريُّ عن عمرٍو عن أبيه: «الشَّرْق: الشمسُ بفتح الشين، والشِّرْق: الضَّوءُ الذي يدخلُ من شَق الْبَاب. ويُقَال: لذلكَ الموضعِ المِشْرِيق». واللسانُ جـ١٠ صـ١٧٤ يُميِّزُ الروايتين: «وَرَوَى ثَعْلَبٌ عَنِ ابْنِ الأَعرابي قَالَ: الشَّرْق الضَّوْءُ والشَّرْق الشَّمْسُ» مجرَّدةً، ثمّ «وَرَوَى عَمْرٌو عَنْ أَبيه أَنه قَالَ: الشَّرْق الشَّمْسُ، بِفَتْحِ الشِّينِ، والشِّرْق الضَّوْءُ الَّذِي يَدْخُلُ مِنَ شِقِّ الْبَابِ، وَيُقَالُ لَهُ المِشْرِيق» - فقيدُ الشقِّ عند عمرٍو عن أبيه. وفي التاج جـ٢٥ صـ٤٩٤ يَقرِنُهما: «الشَّرْقُ: الضَّوْءُ الذِي يَدْخُلُ من شَقِّ البابِ، رَواهُ ثَعْلَبٌ عَن ابنِ الأعرابيِّ». وفي الموضع نفسِه من التاج: «والشَّرْقُ: الشَّقُّ. يقال: ما دَخَلَ شَرْقَ فمي شيءٌ، أي شِقَّ فمي، نقله الزمخشري». وفي التاج جـ٢٥ صـ٤٩٦: «والمِشْريقُ كمِنْدِيل، من البابِ: الشِّقُّ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ ضِحُّ الشَّمْسِ عِنْدَ شُرُوقِها». ↩
- حديثُ ابن عبّاسٍ في اللسان جـ١٠ صـ١٧٤: «فِي السَّمَاءِ بابٌ لِلتَّوْبَةِ يُقَالُ لَهُ المِشْرِيق وَقَدْ رُدَّ فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا شَرْقُه». ومثلُه في التاج جـ٢٥ صـ٤٩٦: «بابٌ للتَّوْبَةِ فِي السَّماءِ يُقالُ لَهُ: المِشْرِيقُ وقَدْ رُدَّ، حتّى مَا بَقِيَ إِلاّ شَرْقُه». ↩
- المقاييس جـ٢ صـ٣٩٦: «الراء والشين والقاف أصلٌ واحد، وهو رَمْى الشَّئ بسهم وما أشبَهَه فى خِفَّة». والعين جـ٥ صـ٣٧: «والرَّشْقُ والرِّشْقُ لغتان، وهما صوت القلم إذا كتب به». ↩
- روايات الشَّرقاء في اللسان جـ١٠ صـ١٧٧ ستٌّ لا واحدة، ونَسوقُها كما هي: «وأُذُنٌ شَرْقاءُ: قُطِعت من أطرافها ولم يَبِنْ منها شيء»، و«ومِعْزة شَرْقاء: انْشَقَّتْ أُذُناها طُولًا وَلَمْ تَبِنْ»، و«وَقِيلَ: الشَّرْقاءُ الشَّاةُ يُشَقُّ باطنُ أُذُنِها مِنْ جَانِبِ الأُذن شَقّاً بَائِنًا وَيُتْرَكُ وَسَطُ أُذُنِها صَحِيحًا»، و«وَقَالَ أَبو عَلِيٍّ فِي التَّذْكِرَةِ: الشَّرْقاءُ الَّتِي شُقَّت أُذناها شَقَّين نَافِذَيْنِ فَصَارَتْ ثَلَاثَ قِطَعٍ مُتَفَرِّقَةٍ»، و«الأَصمعي: الشَّرْقاءُ في الغنم المشقوقةُ الأُذنِ باثنين»، و«وشاةٌ شَرْقاءُ: مقطوعةُ الأُذن». والعين جـ٥ صـ٣٩: «وشاة شَرْقاءُ: مشقوقة الأذنين نصفين». وحديثُ النهي فيه: «نَهَى أَنْ يُضَحَّى بِشَرْقاء أَو خَرْقاء أَو جَدْعاء»، وفي التاج جـ٢٥ صـ٢٣٠ روايةٌ أطول: «بشَرْقاءَ أو خَرْقاءَ أو مُقابَلةٍ أو مُدابَرةٍ أو جَدْعاء». ↩
- العين جـ٥ صـ٦: «القَشُّ والتَّقشيشُ: تَطَلُّبُ الأَكْلِ من هاهنا وهاهنا، ولَفُّ مَا قُدِرَ عليه. والقَشِيشُ والقُشاش الاسْمُ». والعين جـ٥ صـ٣٩ بتمامه: «القَرْشُ: الجمع من هاهنا وهاهنا، يضم بعضه إلى بعض... وسميت قُرَيشٌ لتجمعها إلى مكة حيث غَلَبَ عليها قُصَيُّ بنُ كِلاب». ↩
- المصادرُ التي نستقرئ منها: كتابُ العين للخليل، وجمهرةُ اللغة لابن دُريد، وتهذيبُ اللغة للأزهريّ، والصحاحُ للجوهريّ، ومقاييسُ اللغة لابن فارس، وأساسُ البلاغة للزمخشريّ، والمحكمُ لابن سِيدَه، ولسانُ العرب لابن منظور، وتاجُ العروس للزَّبيديّ، والمعجمُ الاشتقاقيُّ المؤصَّل لمحمد حسن جبل. وكلُّ نقلٍ ههنا رأيناه في موضعه من الكتاب. ↩
- من منهج السداسيّة المعتمد في المشروع: حروفُ السيولة (و، ي، ر) تَنفُذُ ولا تَعقِدُ كتلة، والحرفان الصُّلبان هما الكتلة. وقد عقدَ الخليلُ لحرفَي هذه السداسيّة باباً في المضاعَف فقال إنّهما «ق ش، ش ق مستعملان» (العين جـ٥ صـ٦). ↩
- المقاييس جـ٣ صـ١٧٠: «الشين والقاف أصلٌ واحد صحيح يدل على انصداعٍ فى الشئ، ثم يحمل عليه ويشتق منه على معنى الاستعارة. تقول شققت الشئ أشقه شقا، إذا صدعته». والعين جـ٥ صـ٧: «والشَّقُّ: مصدر قولك: شَقَقْتُ، والشِّقُ الاسْمُ، ويجمع على شُقُوقٍ. والشَّقُّ غير بائن ولا نافذ، والصدع ربما يكون من وجه». وقد عقدَ الخليلُ للحرفين باباً فقال إنّهما «ق ش، ش ق مستعملان» (العين جـ٥ صـ٦). وقيدُ «غير بائنٍ ولا نافذ» متفرِّدٌ بمطبوع العين؛ والأزهريُّ يَنقُلُ فقرةَ الليث بعينها خاليةً منه: «وقال الليث: الشَّقُّ مصدرُ قولك شَقَقْتُ، والشقُّ: اسمٌ لما نظرتَ إليه، والجميع الشُّقُوق» (التهذيب جـ٨ صـ٢٠٤). ↩
- المقاييس جـ٥ صـ٤٢٨: «النون والشين والقاف أصلٌ صحيح يدلُّ على نُشوب شيء. ونَشِقَ الظَّبْيُ في الحِبالةِ: عَلِق فيها... ورجل نَشِقٌ، إذا وقَعَ في أمرٍ لا يكاد يخلُص منه». ↩
- المقاييس جـ٥ صـ٣٢٤: «الميم والشين والقاف أصلٌ صحيح يدلُّ على سُرعة وخِفّة. يقولون: مَشَق، إذا أسرَعَ الكتابة»، وفي جـ٥ صـ٣٢٥: «والمَشْق: جَذْب الشّيء ليمتدَّ ويطول. والوتر يُمشَق حتَّى يَلِين. وامتشقتُ الشّيءَ: اقتطعتُه بسرعة. ومشَقْت الثّوْبَ: مزَّقته». ↩
- المقاييس جـ٦ صـ١١٢: «الواو والشين والقاف: كلمة واحدة، هى الوَشِيقة: لحمٌ يقدَّد». والمقاييس جـ٣ صـ٢٠٤: «الشين والقاف والصاد ليس بأصلٍ يتفرّع منه أو يُقاس عليه. وفيه كلمات. فالشِّقْصُ طائفةٌ من شئ. والمِشْقَص: سهمٌ فيه نصلٌ عريض». والمقاييس جـ٣ صـ٢٠٢: «الشين والقاف والباء كلمةٌ تدل على الطُّول. منها الرّجُل الشّوقب. ويقولون: إنّ الشَّقْب كالغار فى الجبَل»، وفيه في شقح: «أُصَيْل يدل على لونٍ غيرِ حسَن. يقال: شَقَّحَ النَّخْل، وذلك حين زُهُوِّه». ونُثبِتُ حدودَ ابن فارسٍ كما هي وإن خالفنا في التشخيص. ↩
- المقاييس جـ٥ صـ١٠ بتمامه: «القاف والشين كلمات على غير قياس. فالقَشُّ: القَشْر. يقال تقشقش الشئ، إذا تقشر»، وفي الموضع نفسِه: «التَّقشقُش: تطلّب الأكلِ من هاهنا وهنا» - وعلَّقَ عليه بأنّه «إن صحَّ فلعلّه من باب الإبدال والأصلُ فيه السين». فابنُ فارسٍ يُثبِتُ القَشَّ قَشْراً ويَنفي القياسَ عن الكتلة. والعين جـ٥ صـ٦: «وَتَقَشْقَشَتِ القروح أي تَقَشَّرَتْ للبُرْءِ». والعين جـ٥ صـ٧: «وانْقَشَّ القوم: تفرقوا وذهبوا مسرعين». واللسان جـ٦ صـ٣٣٦: «والقَشُّ: ما يُكْنَسُ من المنازل». ↩
- المقاييس جـ٥ صـ٩٠: «القاف والشين والراء أصلٌ صحيح واحد، يدل على تنحية الشيء ويكون الشيء كاللباس ونحوه... والقِشرة: الجلدة المقشورة. والقِشر: لباس الإنسان». والعين جـ٥ صـ٣٦: «والقِشْرةُ: اسم للثوب، وكل ملبوس قِشْرٌ». ↩
- المقاييس جـ٥ صـ٨٨ في قشع: «أومأ إلى قياسه أبوبكر فقال: كل شيء خف فقد قشع وقشع يقشع قشعا، مثل اللحم يجفف»، وفيه: «والقِشْعة: القطعة من السَّحاب تَبقَى بعد انكشاف الغَيم»، وفيه: «وذكر بعضُهم أنّ الكُناسةِ قَشُع». والمقاييس جـ٥ صـ٤٧٠ في نقش: «أصل صحيح يدل على استخراج شيء واستيعابه حتى لا يترك منه شيء... منه نقش الشعر بالمنقاش وهو نتفه». والمقاييس جـ٥ صـ٩١ في قشم، وهو «أُصَيلٌ إن صحّ فهو من الأكل»: «وقال ابن دريد: قُشَام المائدة: ما نُفِض منها من باقي خُبزٍ وغيرِه»، ثمّ: «ومما شذَّ من هذا الباب إنْ صحَّ قولُهم: قَشَمت الخُوصَ، إذا شقَقتَه، لتَسفَّهُ. وكلُّ ما شُقَّ منه فهو قُشَام». فنَنقُلُ حكمَه بالشذوذ ولا نَطويه. ↩
- التهذيب جـ٨ صـ٢٠٤: «وقال الليث: الشَّقُّ مصدرُ قولك شَقَقْتُ، والشقُّ: اسمٌ لما نظرتَ إليه، والجميع الشُّقُوق» - بلا زيادة العين. والعين جـ٥ صـ٧: «والشِّقاق: الخلاف»، وفيه: «وانشَقَّتْ عصا المسلمين بعد التئام، أي تفرق أمرهم»، وفيه: «والشِّقَّة: شظيّة تُشَقُّ من لوح أو خشبة». والمقاييس جـ٣ صـ١٧٠: «والشِّقَّة: شظيّة تُشَظَّى من لوح أو خشبة». ↩
- ومن ملاحق الجدول الدوريّ في الراء: «الراء في آخر الكتلة: تَزيد المعنى وتَستوفيه. في أول الكتلة: تَصطدم بالكتلة قبل أن تَستقر». وهذا القانونُ - نقلُ الحرف الثالث من طرفٍ إلى طرفٍ مع بقاء الكتلة، والقلبُ الكاملُ عند التوسُّط - صاغَه المؤلف عند مراجعة هذه السداسيّة نفسِها، وتحقَّق على الستّة كلِّها. ↩
- المقاييس جـ٣ صـ٢٠٣ بتمامه: «الشين والقاف والراء أصلٌ يدلُّ على لون. فالشقرة من الألوان فى الناس: حمرة تعلو البياض. والشقرة فى الخيل حمرة صافية يحمر معها السبيب والناصية والمعرفة». والصحاح جـ٢ صـ٧٠١: «وهي في الإنسان حُمْرَةٌ صافية وبَشَرَتُهُ مائلة إلى البياض»، وفيه: «وبعيرٌ أَشْقَرُ، أي شديدُ الحمرة». واللسان جـ٤ صـ٤٢١: «والأَشْقَرُ من الرجال: الذي يعلو بياضَه حمرةٌ صافيةٌ». فقيدُ البياضِ في الإنسان دون الخيلِ والإبل. وبيتُ طَرَفةَ في التاج جـ١٢ صـ٢١٩، وروايتُه هناك «وعَلَى الخيلِ»، ورواية «وعَلا الخيلَ» مقدَّمةٌ في الصحاح واللسان. ↩
- المقاييس جـ٢ صـ٤٢٨: «الراء والقاف والشين أصلٌ يدلُّ على خُطوطٍ مختلفة. فالرَّقْش كالنَّقْش. يقال: حَيَةٌ رَقْشاءُ: منقَّطة». والعين جـ٥ صـ٤٠: «والتَّرقيشُ: الكتابة، ورَقَّشْتُ الكتاب: كتبته»، وفيه: «والجلاد يَرقُشُ في ظهر المجلود إذا سطر فيه»، وفيه: «الأَرْقَشُ: لون فيه كدورة وسواد». ↩
- العين جـ٥ صـ٣٧: «والرَّشْقُ والرِّشْقُ لغتان، وهما صوت القلم إذا كتب به». والعين جـ٥ صـ٤٠: «والتَّرقيشُ: الكتابة، ورَقَّشْتُ الكتاب: كتبته»، وفيه: «والجلاد يَرقُشُ في ظهر المجلود إذا سطر فيه»، وفيه بيتُ مُرَقِّشٍ: «الدَّار قَفْرٌ والرُّسومُ كما … رَقَّش فى ظَهْرِ الأديمِ قَلَمْ» ثمّ قال: «وبه سُمِّي مرقّشاً». والمقاييس جـ٥ صـ٣٢٤: «مَشَق، إذا أسرَعَ الكتابة». ↩
- المقاييس جـ٥ صـ٧٠: «القاف والراء والشين أصلٌ صحيح يدلُّ على الجمع والتجمُّع. فالقَرْش: الجمع، يقال تقرَّشوا، إذا تجمَّعوا»، وفيه: «والمُقَرِّشة: السَّنَة المَحْل، لأنّ الناس يضمُّون مواشيَهم». واللسان جـ٦ صـ٣٣٤: «والمُقْرِشةُ مِنَ الشِّجاج: الَّتِي تَصْدَعُ العَظْم وَلَا تَهْشِمه»، ومثلُه المحكم جـ٦ صـ١٥٧. وهما صيغتان لا واحدة: مُقَرِّشة من قرَّش، ومُقْرِشة من أقرَش. ↩
- العين جـ٥ صـ٣٥: «باب القاف والشين والراء معهما ق ش ر، ش ق ر، ر ش ق، ش ر ق، ر ق ش، ق ر ش مستعملات». والخليلُ يَذكُرُ المستعمَلَ ويَسكُتُ عن المهمَل، فعَدُّه الستّةَ ههنا إثباتٌ لحياتها جميعاً. وفي جيرانِ الباب ثلاثةٌ فقط: «ن ق ش، ش ن ق، ن ش ق»، وفي بابٍ آخر أربعة: «ق ش ف، ف ش ق، ش ف ق، ق ف ش» (العين جـ٥ صـ٤١ وما حولها). ↩
- أساسُ البلاغة جـ١ صـ٥٠٥، وقد ساقَه الزمخشريُّ في القسم الأوّل من المادّة - أي في الحقيقة لا في المجاز: «وما دخل شرق فمي شيء أي شق فمي، من شرق الشيء إذا شقه، ومنه: شرقت الثمرة إذا قطفتها». والمقاييس جـ٣ صـ٢٦٤: «الشين والراء والقاف أصلٌ واحد يدلُّ على إضاءةٍ وفتحٍ»، وفيه: «ومن قياس هذا الباب: الشّاةُ الشّرقاء: المشقوقة الأذُن، وهو من الفَتْح الذى وصفناه». ↩
- العين جـ٥ صـ٣٨: «شَرِقَ فلان بريقه، والشَّرَقُ بالماء كالغص بالطعام، وهو أن يقع في غير مساغه»، ونسبَه الأزهريُّ إلى الليث (التهذيب جـ٨ صـ٢٥٠). واللسان جـ١٠ صـ١٧٨: «شَرِقَ الرجلُ يَشْرَقُ شَرَقاً إذا ما دخل الماءُ حلقَه فشَرِقَ أي نَشِبَ». وابنُ فارسٍ أبعدَها عن بابه فقال: «ومما شذَّ عن هذا الباب قولهم: شَرِق بالماء، إذا غَصَّ به شَرَقاً» (المقاييس جـ٣ صـ٢٦٤) - وهي عندنا صميمُه. ↩
- اللسان جـ١٠ صـ١٧٨ عن الأصمعيّ: «شَرِقَ الدَّمُ بجسده يَشْرَقُ شَرَقاً إذا ظهر ولم يَسِلْ، وقيل إذا ما نَشِبَ، وكذلك شَرِقت عينُه إذا بقي فيها دمٌ». وتمامُ كلامه في الموضع نفسِه: «قال: وإذا اختلطت كُدورةٌ بالشمس ثم قلتَ شَرِقَت جاز ذلك كما يَشْرَق الشيءُ بالشيء يَنْشَبُ فيه ويختلط». ↩
- اللسان جـ١٠ صـ١٧٩: «يُقال: شَرِقَت الشمسُ شَرَقاً إذا ضَعُفَ ضوءُها». وفي التهذيب جـ٨ صـ٢٥٤ عن أبي زيد: «تُكرَهُ الصَّلاة بشرَقِ الْمَوْتَى أي: حِين تصفَرُّ الشمسُ». وفي أساس البلاغة جـ١ صـ٥٠٥: «وشرقت الشمس: خالطتها كدورة» - وقد ساقَها الزمخشريُّ في قسم المجاز، فلا نَحتَجُّ بها إلّا شاهدَ استعمالٍ لا شاهدَ تأصيل. وفي اللسان جـ١٠ صـ١٧٤ وجهٌ آخرُ لـ«شَرِقَت»: «وشَرِقَت، بالكسر: دَنَتْ للغروب». ↩
- المقاييس جـ٣ صـ٢٦٤: «ومن قياس هذا الباب: الشّاةُ الشّرقاء: المشقوقة الأذُن، وهو من الفَتْح الذى وصفناه». والعين جـ٥ صـ٣٩: «وشاة شَرْقاءُ: مشقوقة الأذنين نصفين». ↩
- المقاييس جـ٥ صـ٩١: «وقولهم إنَّ الأقْشَر: الشَّديد الحُمرة، وإنَّما ذلك للشَّديد حُمرةِ الوجه، الذي يُرَى وجهُه كأنّه يتقشّر». واللسان جـ٥ صـ٩٤: «والأَقْشَرُ: الذي انقشر سِحاؤه. والأَقْشَرُ: الذي ينقشر أَنفه من شدة الحر، وقيل: هو الشديد الحمرة كأَنَّ بشرته متقشرة»؛ غير أنّه يقول في السطر التالي جزماً: «ورجلٌ أَقْشَرُ بيِّنُ القَشَرِ، بالتحريك، أي شديدُ الحُمرة» - فنُثبِتُ الجزمَ والتمريضَ معاً، وحجّتُنا في نصِّ ابن فارس لا في ترتيب اللسان. ↩
- اللسان جـ٤ صـ٤٢١، وفيه شرطُ ابن الأعرابيّ في الحَوراء: نُصوعُ بياض الجلد «فِي غير مُرْهةٍ وَلَا شُقْرةٍ وَلَا أُدْمةٍ» - فالشُّقرةُ عندهم شَوبٌ يَظهرُ في البياضِ لا صِبغةٌ تُطبَعُ عليه. ↩
- العين جـ٥ صـ٤٠: «الأَرْقَشُ: لون فيه كدورة وسواد»، ومثلُه في وصف الأفعى الرَّقشاء. والمقاييس جـ٢ صـ٤٢٨: «حَيَةٌ رَقْشاءُ: منقَّطة». ↩
- التاج جـ٢٥ صـ٤٩٤: «وَقَالَ شَمِرٌ: الشَّرْقُ: طائِرٌ بَيْنَ الحِدَأَةِ والصَّقْرِ، وفِي العُبابِ: والشّاهِين، ولَوْنُه أَسْوَدُ». ومثلُه في العين جـ٥ صـ٣٩: «والشَّرْقُ طائر بين الصقر والشاهين، يصيد». والمقاييس جـ٣ صـ٢٦٤: «وقال قوم: إنَّ اللحمَ الأحمرَ يسمَّى شَرْقاً، فإِنْ كان صحيحاً فلأنّه من حُمرته كأنه مُشْرِق» - فالحُمرةُ عنده فرعٌ على الإشراق. ↩
- وذلك أنّ المصداقَ المستقرَّ للجذر في زمن التنزيل هو الطلوعُ وموضعُه؛ وقد فصَّلنا في موضعٍ آخر أنّ الجذرَ يَظهرُ أوّلاً بمعنًى حسّيٍّ أوّل، ثمّ يَحمِلُ ثانياً بكثرة الاستعمال، وأنّ التنزيلَ يَنزِلُ على المستقرِّ في زمنه؛ فالطبقةُ الأولى تُفسِّرُ اختيارَ اللفظِ ولا تُنازِعُ الثانيةَ على المعنى. ↩
- مواضعُ الجذر في المصحف سبعةَ عشرَ موضعاً بالعدّ على نصِّ المصحف: «المشرِق» ستّةٌ (البقرة ١١٥ و١٤٢ و١٧٧ و٢٥٨، والشعراء ٢٨، والمزّمّل ٩)، و«المشارِق» ثلاثةٌ (الأعراف ١٣٧، والصافات ٥، والمعارج ٤٠)، و«المشرِقَين» موضعان (الزخرف ٣٨، والرحمن ١٧)، و«مُشرِقين» اسمَ فاعلٍ موضعان (الحجر ٧٣، والشعراء ٦٠)، و«شَرقيّاً» (مريم ١٦)، و«شَرقيّة» (النور ٣٥)، و«الإشراق» (ص ١٨)، و«أشرقَت» (الزمر ٦٩). و«قُريش» موضعٌ واحد (قريش ١). وليس في المصحف من التقاليب الأربعة الباقية - قشر وشقر ورشق ورقش - موضعٌ واحد. ↩
- التاج جـ٢٥ صـ٤٩٦: «والمِشْريقُ كمِنْدِيل، من البابِ: الشِّقُّ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ ضِحُّ الشَّمْسِ عِنْدَ شُرُوقِها». وفي اللسان جـ١٠ صـ١٧٤ ثلاثةُ وجوهٍ للفظ نَسوقُها كما هي: «والمِشْرِيقُ: المَشْرِقُ، عن السِّيرافيّ»، و«ومِشْرِيقُ البابِ: مدخَلُ الشمسِ فيه»، و«قِيل في المِشْريق: إنه الشِّقُّ الذي يقع فيه ضِحُّ الشمس». ↩
- وهو المعنى الذي عليه أكثرُ أهل التفسير في الآية: شجرةٌ في بَراحٍ لا يَحجُبُها عن الشمس حاجب، فليست في ناحيةٍ تَخُصُّها الشمسُ أوّلَ النهار دون آخِرِه ولا آخِرَه دون أوّلِه. والنسبةُ فيها إلى الموضع، والقرينةُ ﴿غَرۡبِيَّةٖ﴾ فإنّها نسبةُ موضعٍ لا نسبةُ لون. ↩
- العين جـ٥ صـ٣٩: «القَرْشُ: الجمع من هاهنا وهاهنا، يضم بعضه إلى بعض... وسميت قُرَيشٌ لتجمعها إلى مكة حيث غَلَبَ عليها قُصَيُّ بنُ كِلاب». والمقاييس جـ٥ صـ٧٠: «فالقَرْش: الجمع، يقال تقرَّشوا، إذا تجمَّعوا. ويقولون: إنّ قريشاً سمِّيت بذلك». وفي المعاجم أقوالٌ أخرى في تسميتها نَذكُرُها ولا نَطويها: «ويقولون: إنَّ قريشاً دابَّةٌ تسكن البحر تَغلِبُ سائرَ الدَّوابّ» (المقاييس جـ٥ صـ٧١، ويُقدِّمه المحكم جـ٦ صـ١٥٨)؛ و«سميتْ قريشٌ قريشاً لأنهم كانوا أهلَ تجارة... والقَرْشُ: الكَسْب» (التهذيب جـ٨ صـ٢٥٤)؛ وفي الجمهرة جـ٢ صـ٧٣١ أنّه قد كثُر الكلامُ في هذا، ثمّ ساقَ ابنُ دريدٍ منها قُرَيشَ بنَ يَخْلُد صاحبَ عِيرهم، وأنّ قُصَيّاً قَرَشَها أي جَمَعها. والذي نَختارُه قولُ الخليل، لا لأنّه أشهرُها بل لأنّ الكتلةَ تَشهَدُ له. ↩
- من الجدول الدوريّ لمتجهات اللسان العربيّ: الشينُ التفريقُ المنتظم، والقافُ التقييدُ والالتصاق، والراءُ الزخمُ الاندفاعيّ. والراءُ من الحروف السيّالة التي لا تُقيمُ في موضعٍ واحد فتدورُ على الكتلة الثابتة. ومن ملاحق الجدول: «الراء في آخر الكتلة: تَزيد المعنى وتَستوفيه. في أول الكتلة: تَصطدم بالكتلة قبل أن تَستقر». ↩
- وهذه النصوصُ الخمسةُ في مواضعها: العين جـ٥ صـ٧ في الشقّ؛ واللسان جـ١٠ صـ١٧٧ في الشرقاء؛ والعين جـ٥ صـ٣٨ في الشَّرَق؛ واللسان جـ١٠ صـ١٧٨ عن الأصمعيّ في الدم؛ واللسان جـ٦ صـ٣٣٤ والمحكم جـ٦ صـ١٥٧ في المُقْرِشة. ↩
- المقاييس جـ٤ صـ٤٥٢ بتمامه: «الفاء واللام والقاف أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على فُرْجةٍ ويَيْنُونةٍ فى الشئ، وعلى تعظيمِ شئ»، وفيه: «والفَلَق: الصُّبح؛ لأنَّ الظَّلام يَنْفلِقُ عنه». والمقاييس جـ٤ صـ٤٧٥: «الفاء والجيم والراء أصلٌ واحدٌ، وهو التفتح فى الشَّئ. من ذلك الفَجْر: انفِجار الظُّلمة عن الصُّبح». والخَرقاءُ في التاج جـ٢٥ صـ٢٣٠: «والخَرقاءُ من الغَنَم: الَّتِي فِي أذنها خَرقٌ مُستَديرٌ». ↩
- المقاييس جـ٤ صـ٤٥٢: «الفاء واللام والقاف أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على فُرْجةٍ»، وفيه: «والفَلَق: الصُّبح؛ لأنَّ الظَّلام يَنْفلِقُ عنه». والمقاييس جـ٤ صـ٤٧٥: «الفاء والجيم والراء أصلٌ واحدٌ، وهو التفتح فى الشَّئ. من ذلك الفَجْر: انفِجار الظُّلمة عن الصُّبح». ↩
- المقاييس جـ٣ صـ٢٦٤. ونصُّ الاستثناء فيه: «ومما شذَّ عن هذا الباب قولهم: شَرِق بالماء، إذا غَصَّ به شَرَقاً». ↩
- المعجم الاشتقاقيّ المؤصَّل جـ٢ صـ١١٣٥: «وكلُّ ما جاء في القرآن من التركيب هو من معنى طلوع الشمس ولوازمه وما إليه - دون سائر معاني التركيب التي سنذكرها بعد». وهو نفسُه يقول في المعنى المحوريّ إنّه طلوعُ الشمس من عمق أقصى الأفق «كأنما تشقّه»، ويقول جـ٢ صـ١١٣٧: «فالمعنى في هذه الفقرة كلُّه من باب الشقّ»، وفيه: «شرِق النخل وأشرق: لوّن بحمرة (البسر)». ↩
- التاج جـ٢٥ صـ٤٩٦: «بابٌ للتَّوْبَةِ فِي السَّماءِ يُقالُ لَهُ: المِشْرِيقُ وقَدْ رُدَّ، حتّى مَا بَقِيَ إِلاّ شَرْقُه». ↩
التعليقات (0)