سداسيّة (ط ع م) بين كتلةٍ تُلاصِقُ فتُدخِل وكتلةٍ تَمُدُّ فتَنزِع
استقراءٌ من المعاجم، وعرضٌ على القرآن
لسانٌ يَلصَقُ بغارِ الفمِ الأعلى ثمّ يَنفصِلُ عنه بصوتٍ مسموعٍ عند لُقمةٍ يَستطيبُها آكلُها؛ سمَّتِ العربُ ذلك الصوتَ الطَّعْطَعة، وسمَّتِ الأرضَ المنخفضةَ اللينةَ الطَّعْطَع.(١)
وثوبٌ يُشَقُّ في طولِه شقّاً لا يَبينُ طرَفاه، فيَبدو من تحته ما كان مستوراً؛ وهو العَطُّ عند العرب.(٢)
وراعٍ يَمُدُّ الصوفَ عن جِلدِ الشاةِ حتى يَنتِفَه، فيُقال مَعَطَه؛ ثمّ يُنفَشُ ذلك الصوفُ المنتوفُ فيُسمَّى العُطْم.(٣)
وجنديٌّ يَنتظِرُ يومَ رزقِه من بيتِ المال، فتُسمّي العربُ رِزقَه ذاك نفسَه: الطَّمَع، وجمعُه الأطماع - على تحفُّظٍ في هذا الاسم نَعرِضُه في موضعه.(٤)
أربعةُ مشاهدَ لا يجمعُها في ظاهرها جامع: لسانٌ يَلحَس، وثوبٌ يَنشَقّ، وصوفٌ يُنتَف، ورزقٌ يُنتظَر. وهي مع ذلك تخرجُ كلُّها من ثلاثةِ أحرفٍ لا رابعَ لها: الطاءِ والعينِ والميم. وأعجبُ من هذا كلِّه أنّ القرآنَ أوقعَ الطَّعْمَ على ماءِ النَّهر، والماءُ ليس مما يُمضَغ. فهل الطَّعْمُ من الأكل أصلاً؟ وأين موقعُ الطَّمَعِ من الطعام؟(٥)
أوّلاً: الكتلتان - استقراءُ الأخوات
الجذرُ ثلاثيّ: طاءٌ وعينٌ وميم. والكتلةُ فيه بين الطاء والعين، والميمُ هي الداخلةُ عليها في المواضع الثلاثة - أوّلاً ووسطاً وآخراً - على الكتلةِ ومعكوسِها، فتتولّدُ الستّة. ومعنى الكتلتين لا يُؤخَذُ من التقاليب أنفسِها، فذلك دَوْرٌ؛ وإنّما نَخرُجُ إلى أخواتِهما في سائر الكلام.
كتلةُ (طع): مُلاصَقةٌ تُخرِجُ الخافيَ فتُدخِلُه
والمفتاحُ في المضاعَف: الطَّعُّ اللَّحْس - كلمتان لا ثالثةَ لهما عند ابن الأعرابيّ، وفيهما الصورةُ كاملةً: لسانٌ يُلاصِقُ شيئاً فيَنقُلُ منه ما لا يُنقَلُ بغير الملاصقة. وفي العين معها الطَّعْطَعة، وهي صوتُ اللسانِ يَلتصِقُ بالغارِ الأعلى ثمّ يَنفصِلُ عنه عند استطابةِ المأكول؛ فالصوتُ نفسُه أثرُ اللصوقِ والانفصال. والطَّعْطَعُ من الأرض: المُطمئنُّ منها - أي المنخفضُ الذي يَستقِرُّ فيه ما يَقَعُ عليه.(٦)
ثمّ نَعرِضُ الأخوات. فاللَّطْعُ عند ابن فارس «انكشافُ شيءٍ عن شيء، وعلى كَشْفه عنه»، وأوّلُ ما مثَّلَ به: «لَطع الإنسان الشّيءَ بلسانه يلطَعُه، إذا لَحِسَه» - وهو الطَّعُّ بعينه بزيادة اللام. والنَّطْعُ «بَسطٌ في شيءٍ ومَلاسة»، والنِّطْعُ الجِلدُ المبسوطُ الأملس، ثمّ - وهذا موضعُ الشاهد - «النَّطَع: ما ظهرَ من غارِ الفمِ الأعلى». فالحرفانِ يجتمعان في تسميةِ العضوِ الذي يَلصَقُ به اللسانُ عند الذَّوق.(٧)
وفي الجهةِ الأخرى من الأخوات: طاعَ يَطوعُ «الإصحابُ والانقياد»، وهَطَعَ «إقبالٌ على الشيء وانقياد» - وكلاهما لِينٌ يَقبَلُ ولا يَمتنِع. وطَعَنَ «النَّخْسُ في الشيء بما يُنفِذُه»، وهو الوجهُ القاسي من المُلاصَقة: ملامسةٌ تَنفُذُ فتَدخُل.(٨)
فالجامعُ في (طع) - بعد المسح - مُلاصَقةٌ يَلينُ لها الشيءُ فيَنتقِلُ منه إلى مُلاصِقِه ما كان خافياً فيه. واللَّحْسُ أظهرُ صُوَرِها: لا يُعرَفُ طَعْمُ الشيءِ بالنظرِ إليه ولا بسماعه، ولا يُعرَفُ إلّا بأن يُلاصِقَه اللسان.
كتلةُ (عط): مَدٌّ يَشُقُّ فيَنزِعُ ما كان لاصقاً
ثمّ نَعكِسُ الحرفين فتَنعكِسُ الجهة. والمضاعَفُ صريحٌ: العَطُّ شقُّ الثوبِ طولاً أو عَرضاً من غير بَينونة - شقٌّ يَمتدُّ ولا يَقطَع، يُظهِرُ ما تحت الثوبِ ولا يُبينُ الثوبَ من الثوب. والعَطاطُ الجسيمُ الطويل، والأعَطُّ الطويل، والعَطَوَّطُ الانطلاقُ السريع؛ فالطولُ والامتدادُ لازمانِ للكتلة.(٩)
وأخواتُها تَجري على ذلك. فعَطَا «أخْذٌ ومُناوَلة، لا يخرجُ البابُ عنهما»، وحدُّها الحسّيُّ عند ابن فارس: «الظَّبيُ يَعطو، وذلك إذا رَفَعَ يديه متطاوِلاً إلى الشَّجرةِ ليتناوَلَ الورَق» - مَدٌّ إلى ما ليس في مُتناوَلِه. وعَطِلَ «خُلوٌّ وفَراغ»، وهو تَجرُّدُ المرأةِ من حَلْيِها والدارِ من أهلِها - ما نُزِعَ عنه ما كان عليه. ومَعَطَ - وسيأتي - نَتْفُ الشَّعرِ عن الجِلد.(١٠)
ولا نَستثني من البابِ ما بدا في أوّل النظرِ خارجاً عنه؛ فالعربيُّ الذي وضعَ (طع) ثمّ قلبَها إلى (عط) لم يَستأنِفْ لكلِّ معنًى كتلةً جديدة، وإنّما وسَّعَ في الكتلتين حتى نُسِيَ أصلُهما فحُسِبَت الفروعُ ألفاظاً مُخترَعةً لا نَسَبَ بينها. وأصرحُ ما يَشهَدُ لذلك عَطِنَ الجِلد: أن يُنقَعَ ويُلَفَّ ويُدفَنَ ليلةً «لِيَسْتَرْخِيَ صُوفُهُ أَو شَعْرُهُ فَيُنْتَفَ»، والمَعطونُ «المُنْتِنُ المَنْمَرِقُ الشعرِ». فهذا هو المَعْطُ بعينِه، وإنّما زادت النونُ - وهي وِعاءٌ ساكن - أنّ الجِلدَ يُترَكُ ساكناً في مَنقَعِه حتى يَسترخيَ فيُنتَزَع. ومنه العَطَنُ نفسُه: مَبرَكُ الإبلِ إذا انقطعت عن الوِردِ فبَرَكَت حولَ الماء.(١١)
ومثلُه العَطَب، وقد قال فيه ابنُ فارس: «كلمتانِ لا تتقاربان فى المعنى» - يعني العَطَبَ الهلاكَ والعُطْبَ القُطْن. وهما عندنا كلمةٌ واحدة: فالعُطْبُ هو القُطنُ المندوف، وأنشدوا فيه «مُوَضَّعٌ مِنْ مَنادِفِ العُطُبِ»، وقالوا «العَطْبُ لِينُ القُطْن والصُّوفِ»، و«عَطَبَ يَعْطُبُ... لَانَ». فهو أخو العُطْمِ - الصوفِ المنفوش - سواءً بسواء، والباءُ ثِقَلٌ وتراكم. وأمّا العَطَبُ الهلاكُ فحدُّه في المعاجم نفسِها: «عَطِبَ الفَرَسُ والبعيرُ: انْكَسَرَ» - جِرمٌ ثقيلٌ تمزَّقَ فهلَك.(١٢)
وعَطَسَ الصُّبحُ: انفلَق - وهذا نصُّهم لا استنباطُنا، حتى سمَّوا الصبحَ العُطاسَ والعاطِس. فالعُطاسُ انفلاقٌ يَشُقُّ النَّفَسَ فيَخرُج، والمَعْطِسُ الأنفُ «لأَن العُطاس مِنْهُ يَخْرُجُ». والعَطْفُ «انثناءٌ وعِياج» - والفاءُ انعكاسُ الفعل، فهو مَدٌّ يَنعكِسُ فيَصرِفُ الشيءَ عن جهته التي كان يَمضي فيها. والعَطَوَّدُ الطويلُ، والسَّيرُ السريعُ الشاقّ - والدالُ دفعٌ إلى الأمام.(١٣)
والعِطْرُ منها؛ وهو ما نُزِعَ من مَكمَنِه - من القارورةِ أو من الجِرم - فتطايرَ وانتشر. والراءُ زخمٌ اندفاعيّ، فالكتلةُ تَنزِعُ والراءُ تَدفَعُ المنزوعَ في الهواء. ويَشهَدُ له في المعاجم شاهدان: قولُهم «رَجلٌ عَطِرٌ وامرأَة عَطِرة إِذا كَانَا طَيّبَيْنِ رِيحَ الجِرْم، وإِن لَمْ يَتَعَطَّرا» - فالريحُ تَخرُجُ من الجِرم نفسِه لا مما يُوضَعُ عليه؛ وبيتُهم في العَطّار: «يتبعْنَ جَأْباً كمدَقِّ المِعْطِيرْ» - والمِدَقُّ ما يُدَقُّ به الطِّيبُ حتى يَخرُجَ ما فيه. فليس العِطرُ اسماً للرائحة، بل لما استُخرِجَ فطار.(١٤)
ويَبقى واحدٌ لم نَستوفِه: العَطَشُ - والذي يَظهرُ لنا فيه نزعُ الرُّطوبةِ من البدنِ حتى يَجِفّ، وهو ترجيحٌ لا جزم؛ وقد طَلَبنا معكوسَه (شعط) في المعاجم الستّ فلم نَجِدْ له مدخلاً، فلم نَبنِ عليه.(١٥)
فالجامعُ في (عط) مَدٌّ يُفارِقُ به الشيءُ ما كان لاصقاً به: الثوبُ يَنشَقُّ عمّا تحته، واليدُ تَمتدُّ إلى ما ليس عندها، والحَلْيُ يُنزَعُ عن العُنُق، والشعرُ يُنتَفُ عن الجِلد.
(طع) تُلاصِقُ فيَدخُلُ إليها ما كان خافياً، و(عط) تَمُدُّ فيَخرُجُ عنها ما كان لاصقاً. حرفان اثنان، عُكِسَ ترتيبُهما فانعكستِ الجهة.
ثانياً: ابنُ فارسٍ ردَّ (طع) - وردُّه لا يقوم
وقبل المُضيِّ نَقِفُ عند اعتراضٍ صريحٍ من إمامٍ كبير. فابنُ فارسٍ لم يَكتفِ بإهمال (طع)، بل نَصَّ على إسقاطها ورَدَّ على صاحب العين في كلمةٍ واحدة: «الطاء والعين ليس بشى. فأما ما حكاه الخليل، من أن الطعطعة حكاية صوت اللاطع فليس بشئ». وهذا نصٌّ لا يَحتمِلُ التأويل: الكتلةُ عنده ليست بشيء.(١٦)
ولستُ أدري ما حَمَلَه على هذا. فردُّه قائمٌ على أنّ الطَّعْطَعةَ حكايةُ صوت، وهو حقٌّ في ظاهر العبارة؛ غير أنّ العبارةَ لم تَقِفْ عند الصوت، وإنّما وَصَفَت العملَ الذي يُحدِثُه: لسانٌ يَلصَقُ بالغارِ الأعلى، ثمّ يَنطِعُ من طِيبِ شيءٍ أكلَه. والصوتُ أثرٌ، والعملُ أصل. ثمّ إنّ ابنَ الأعرابيِّ أثبتَ الفعلَ عارياً من الصوت: «الطَّعُّ اللَّحْس»، ولم يَتعرَّضْ له ابنُ فارسٍ بردٍّ ولا قَبول.(١٧)
ولنُنصِفْه: هو لم يُسقِطِ المعكوسَ كما أسقطَ هذا. فقد أثبتَ في (عط) الشقَّ إثباتاً، وأنشدَ عليه بيتَ المتنخِّل وبيتَ أبي النَّجم كليهما: «ومن الباب أيضاً: العَطُّ: شَقُّ الثّوب عَرضاً أو طولاً من غير بَينونة». ثمّ عَقَّبَ بما يَكشِفُ منهجَه كلَّه: «والأصل فى هذا أيضاً من الصَّوت، لأنّه إذا عطّه فهناك أدنَى صوت». فهو يَرُدُّ الحسّيَّ إلى الصوت، لا يَغفُلُ عنه. وذلك مذهبٌ يُناقَش: الصوتُ ثمرةُ الشقِّ لا أصلُه، ولو كان الصوتُ هو الأصلَ لَما اختصَّ العَطُّ بالثوب دون سائر ما يُصوِّت.(١٨)
والأعجبُ من هذا كلِّه أنّه ردَّ التعريفَ في موضعٍ وقَبِلَه في موضع. فقد قال في مادّةٍ أخرى من كتابه، في الصفحة التي فيها (مطع) نفسِها: «التمطُّق: أن يُلصِق الإنسانُ لِسانَه بالغَارِ الأعلى فتَسمع له صوتاً، وذلك إذا استطابَ ما يأكل» - وهو وصفُ الطَّعْطَعةِ حرفاً بحرف، لم يَنقُصْ منه شيء. فأثبتَه في القاف وردَّه في العين.(١٩)
ولا نَجعَلُ هذا طَعناً في الرجل؛ فمنهجُه أن يَطلُبَ القياسَ المطَّرِد، فما لم يَطَّرِد عنده أسقَطَه. لكنّ إسقاطَ الكتلةِ ليس كإسقاطِ الكلمة. والذي بين أيدينا أنّ الحرفين إذا تقدَّمتِ الطاءُ عمِلا عملاً، وإذا تقدَّمتِ العينُ عمِلا ضدَّه - وذلك بابٌ لا يَنكشِفُ بالنظرِ في الكلمة الواحدة.
ثالثاً: التقاليبُ الستُّ وما تقولُه المعاجم
وقد عَدَّ الخليلُ الستَّةَ في بابٍ واحدٍ وحَكَمَ عليها، فقال: «باب العين والطّاء والميم معهما: ط ع م - ط م ع - م ط ع - م ع ط مستعملات، ع م ط - ع ط م مهملان». فأربعةٌ مستعملةٌ عنده، واثنان مُهمَلان؛ ثمّ جاءت المعاجمُ بعدَه فأحيَتِ المُهمَلَين بشواهدَ نادرةٍ نَذكُرُها كما هي.(٢٠)
ونَعرِضُ ما قالته المعاجمُ ثمّ نُشخِّصُ كلَّ قول: أهو الصورةُ الحسّيّةُ الأولى، أم نتيجةٌ ووظيفةٌ نشأت عنها؟
عائلةُ (طع): طعم - مطع - طمع
| التقليب | موضعُ الميم | ما تقولُه المعاجم | التشخيص |
|---|---|---|---|
| طَعْم | آخِراً | «أصلٌ مطَّرِدٌ منقاسٌ في تذوُّقِ الشيء» (المقاييس)؛ «الطَّعمُ طَعمُ كلِّ شيءٍ وهو ذوقُه، والطَّعمُ: الأكل» (العين)؛ «الطعام: ما يؤكل» (الصحاح) | «الأكل» نتيجةٌ لا أصل؛ والذَّوقُ أقربُ. والصورةُ: كتلةٌ تُلاصِقُها آلةُ الذوقِ فيَنتقِلُ منها ما كان خافياً فيها |
| مَطْع | أوّلاً | «ضَرْبٌ من الأكل بأدنى الفم، والتناولُ في الأكل بالثنايا وما يليها» (العين)؛ «وهو القَضْم» (اللسان)؛ «ومَطَعَ في الأَرض مَطْعاً ومُطُوعاً: ذهَب فلم يُوجَدْ» (اللسان) | الأوّلُ هو الأصل: أوّلُ مُلاصَقةٍ للكتلةِ بمقدَّمِ الفم قبل أن تَدخُل. والثاني وجهٌ آخرُ نَذكُرُه ولا نَبني عليه |
| طَمَع | وسطاً - الجسر | «رجاءٌ في القلبِ قويٌّ للشيء» (المقاييس)؛ «الأطماعُ: أرزاقُ الجند» (العين)؛ «امرأةٌ مِطماعٌ: تُطمِعُ ولا تُمكِّن» (العين) | «الرجاء» نتيجة. والصورةُ في اللفظ: كتلةٌ حالت بين الطاءِ والعينِ فلم تَقَعِ المُلاصَقة - مُتناوَلٌ لم يَصِلْ بعدُ |
عائلةُ (عط): عطم - معط - عمط
| التقليب | موضعُ الميم | ما تقولُه المعاجم | التشخيص |
|---|---|---|---|
| عُطْم | آخِراً | «العُطْمُ: الصوفُ المنفوش» عن ابن الأعرابيّ (اللسان، التاج)؛ «والعُطُمُ: الهَلْكى، واحدُهم عَطيمٌ وعاطِم» | الأوّلُ ثمرةُ المَدّ: صوفٌ نُزِعَ ثمّ نُفِشَ فامتدَّ وانتفش. والثاني لم نَجِدْ ما يَرُدُّه إلى الكتلة، فنَقِفُ عنده |
| مَعْط | أوّلاً | «المَعْطُ: مدّ الشيء... ومَعَطْتُ الشَّعر من رأس الشّاةِ ونحوه إذا مددته فنتفته» (العين)؛ «امتعطتُ السيفَ من غِمدِه: سللتُه»؛ «الأمعطُ: الذي لا شعرَ على جسده» (الصحاح) | هنا نُقِلتِ الصورةُ عاريةً، وهو أصدقُ ما في الباب: مَدٌّ يَنزِعُ الشيءَ عمّا كان لاصقاً به |
| عَمْط | وسطاً - الجسر | «عَمَطَ عِرْضَه عَمْطاً واعْتَمَطه: عَابَهُ وَوَقَعَ فِيهِ وثَلَبَه بِمَا لَيْسَ فِيهِ» (اللسان، وأصلُه في الجمهرة)؛ «وعَمَطَ نِعْمةَ اللَّهِ عَمْطاً وعَمِطَها عَمْطاً كغَمِطَها؛ لَمْ يَشْكُرْها وكَفَرها»، وهذا الثاني عن العين مكانَ الغين «وليس بثَبْت» | نادرٌ لا ساقط؛ فابنُ دُريدٍ صدَّرَه بأنّ «العَمْطَ معروف». وصورتُه: حَطُّ ما عند الغير ونزعُ سِترِه بالقول |
فالحيُّ من الستّة ثلاثةٌ بيِّنة - طعم وطمع ومعط - ورابعٌ نادرٌ هو مطع، وخامسٌ وسادسٌ شديدا النُّدرة: عطم وعمط. ولا نُسوِّي بين قويٍّ ونادر، ولا نقولُ عن النادرِ إنّه ميّت.(٢١)
رابعاً: برهانُ القلب - ثلاثةُ أزواجٍ متقابلة
وأصدقُ ما يُثبِتُ الكتلتين أن نُثبِّتَ الحرفين ونَنقُلَ الميمَ من طرفٍ إلى طرف، ثمّ ننظرَ ما يَخرُج. فتَخرُجُ ثلاثةُ أزواجٍ لا رابعَ لها، وكلُّها متقابلة.
مَعْط ↔ عُطْم. الميمُ قبل الكتلة ثمّ بعدَها، والكتلةُ باقية. والمَعْطُ: أن تَمُدَّ الصوفَ عن جِلدِ الشاةِ حتى تَنتِفَه. والعُطْمُ: الصوفُ المنفوشُ نفسُه. فِعلٌ وثمرتُه، لا يَفصِلُ بينهما إلّا موضعُ الميم. وهذا أنظفُ شاهدٍ في السداسيّةِ كلِّها، وقد مَرَّت به المعاجمُ ولم تَربِط بينهما.(٢٢)
مَطْع ↔ طَعْم. الميمُ قبل الكتلة ثمّ بعدَها. والمَطْعُ: الأكلُ بأدنى الفمِ وبمُقدَّمِ الأسنان، والطَّعْمُ عند ابن منظور: «الأكلُ بالثنايا» - فهما في الفعل الحسّيِّ واحد، وهذا يَشهَدُ للنَّسَبِ لا يَنقُضُه. وإنّما افترقا فيما ولَّدَ كلٌّ منهما: فمَطْعٌ بقيَ فعلاً محضاً لم يُولِّد اسماً لمادّةٍ ولا لصفة، وطَعْمٌ ولَّدَ الطَّعْمَ صفةً، والطعامَ مادّةً، والطُّعْمةَ مأكَلةً، والإطعامَ إيصالاً. فأحدُهما وَقَفَ عند لحظةِ المُلاصَقة، والآخَرُ استوفى ما بعدَها.(٢٣)
طَمَع ↔ عَمْط. وهذا هو الجسر: الميمُ في الوسطِ في الاثنين، فلا طرَفَ تَنتقِلُ إليه، وإنّما يُقلَبُ اللفظُ كلُّه حرفاً حرفاً، فتَنقلِبُ الكتلةُ نفسُها من (طع) إلى (عط). والتعاكسُ فيه أتمُّ ما في الباب: الطامعُ يَرفَعُ قَدرَ ما ليس في يده فيَتعلَّقُ به، والعامِطُ يَحُطُّ قَدرَ ما بين يديه فيَثلِبُه ويَجحَدُ نعمتَه. عينٌ تَستكثِرُ ما لم تَنَلْه، وعينٌ تَستقِلُّ ما نالته.(٢٤)
ولو كان المعنى في مجرَّدِ اجتماعِ الطاءِ والعينِ والميمِ لَما افترقَ الطَّعْمُ عن النَّتْف، ولا الطَّمَعُ عن الثَّلْب. الحروفُ ثلاثةٌ لم تتغيَّر، وإنّما تغيَّرَ ترتيبُها.
خامساً: الطَّعْمُ ليس هو الأكل - وقد قالته المعاجمُ ثمّ نَسِيَتْه
والمعاجمُ كلُّها تَبدأُ بالأكل: «الطَّعامُ اسمٌ جامعٌ لكلِّ ما يُؤكَل»، «الطعامُ: ما يؤكل»، وبعضُهم ضيَّقَه فقال: «الطعامُ هو البُرُّ خاصّة». فيَنصرِفُ ذهنُ القارئِ إلى المضغِ ولا يَبرَحُه.(٢٥)
وليس الأمرُ كذلك، ولا هو خافٍ على أهلِ اللغة. فالخليلُ يقول: «مُرُّ الطَّعْمِ وحُلْو الطَّعْمِ معناه الذّوق، لأنّكَ تقول: اطْعَمْهُ، أي: ذُقْهُ، ولا تُريد به امضَغْه كما يُمْضَغ الخبز». وابنُ فارسٍ - في تتمّةِ المادّة التي صدَّرَها بالأكل - يقول: «والإطعام يقع فى كلِّ ما يُطعَم، حتَّى الماء»، ويُدافِعُ عن خالد بن عبد الله القسريِّ حين عِيبَ عليه قولُه «أطعِمُوني ماءً»: «وذلك عندنا ليس بعيب». والجوهريُّ يُفسِّرُ الآيةَ بحرفٍ واحد: «أي من لم يذقْه». وابنُ منظورٍ يُعمِّمُها: «وَإِذا جعلْتَه بِمَعْنى الذَّوْقِ جَازَ فِيمَا يُؤْكل ويُشْرَبُ». فالقومُ قالوه، ثمّ صدَّروا المادّةَ بالأكل، فبقيَ الأكلُ في الأذهانِ وذهبَ الذَّوْق.(٢٦)
والآيةُ التي بنَوا عليها هذا كلَّه قولُه في نهرِ طالوت: ﴿فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّى وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُۥ مِنِّىٓ إِلَّا مَنِ ٱغْتَرَفَ غُرْفَةًۢ بِيَدِهِۦ﴾ [البقرة ٢٤٩]. فالشرطُ الأوّلُ بالشُّرب، والثاني بالطَّعْم، والمشروبُ واحد. ولم يقل <ومن لم يشربه> فيُطابِقَ أوّلَ الكلام، بل عَدَلَ إلى الطَّعْم.
وموضعُ الخلافِ عندنا في الاستثناء لا في الفعل. فالليثُ جعلَ المستثنى مقداراً، قال: «نَهاهم أَن يأْخذوا مِنْهُ إِلَّا غَرْفَةً وَكَانَ فِيهَا رِيُّهم ورِيُّ دَوَابِّهِمْ». والذي يَظهرُ لنا أنّ المستثنى كيفيّةُ المُباشَرةِ لا مقدارُها؛ فالغُرفةُ باليدِ في مقابل الكَرْعِ بالفم، ولذلك ذُكِرَت اليدُ ولم يُكتَفَ بالغُرفة. ولو كان المدارُ على المقدار لَكفى أن يُقالَ «إلّا غُرفةً»؛ فذِكرُ اليدِ زيادةٌ لا تُهمَل. ونقولُه ترجيحاً لا جزماً.(٢٧)
ويُصدِّقُ عمومَ الفعلِ أنّ القرآنَ جعلَ للَّبَنِ طَعماً لا يتغيَّر: ﴿وَأَنۡهَٰرٞ مِّن لَّبَنٖ لَّمۡ يَتَغَيَّرۡ طَعۡمُهُۥ﴾ [محمد ١٥]، واللبنُ مشروبٌ لا مأكول. فحَدُّ الجذرِ عندنا: مُباشَرةُ الشيءِ باللسانِ أو الفمِ حتى يَظهرَ ما فيه من صفةٍ كانت خافية، ويقعَ أثرُه في البدن. وعليه تَجري فروعُه: طَعِمَ الشيءَ ذاقَه أو تناولَه ولو كان ماءً؛ والطَّعْمُ الصفةُ التي تَظهرُ بالذَّوق؛ والطعامُ ما هُيِّئَ لهذه المُباشَرة؛ وأطعَمَ أوصلَ ذلك إلى غيره.(٢٨)
سادساً: الطعامُ والشرابُ - ولِمَ لم يكونا واحداً
فإن قيل: فإن كان الفعلُ يقعُ على الماء، فلِمَ قابلَ القرآنُ بين الطعامِ والشراب؟ قال تعالى: ﴿فَٱنظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة ٢٥٩] - فعطفَ الشرابَ على الطعام، والعطفُ يقتضي المغايرة.
والجوابُ الذي قالَه ابنُ منظورٍ قبلَنا: «وَالطَّعَامُ: اسْمٌ لِمَا يؤْكل، وَالشَّرَابُ: اسْمٌ لِمَا يُشْرَبُ». فالفرقُ بين الفعلِ والاسم، لا في الجذر: الفعلُ (طَعِمَ) يقعُ على كلِّ ما يُلاصِقُه الفمُ فيُوجَدُ طَعمُه، ماءً كان أو لبناً أو خبزاً؛ و(الطعام) اسمٌ لما هُيِّئَ للتناول، وغالبُ ما يُهيَّأُ لذلك ما يُؤكَل، فصحَّ أن يُقابَلَ به الشراب. والاسمُ أضيقُ من الفعلِ في كلِّ لسان.(٢٩)
وموضعُ الاسمِ من الحدِّ أدقُّ من ذلك. فالطعامُ في عُرفِ العربِ زمنَ التنزيلِ ما هُيِّئَ بالنار، وهذا هو الذي يُصدِّقُ الجذرَ لا الذي يَنقُضُه؛ فالطبخُ إنّما هو إخراجُ الطَّعمِ الكامنِ في المادّةِ حتى يَظهَرَ لمن يُباشِرُها. فالنارُ تَصنَعُ بالمادّةِ ما يَصنَعُه اللسانُ بها: تُخرِجُ ما خَفِيَ فيها. ولذلك سُمِّيَ المطبوخُ طعاماً - لأنّه صار ذا طَعْمٍ ظاهر - ولم يُسَمَّ به ما بقيَ على خَفائه.
فإن قيل: فقد طلبَ بنو إسرائيلَ من البقلِ والقِثّاءِ والفُومِ والعَدَسِ والبَصَل، وسمَّى القرآنُ الأوّلَ طعاماً في قوله ﴿لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَٰحِدٍ﴾ [البقرة ٦١]. قلنا: وهم لم يَطلُبوا مأدُبةً جاهزةً، وإنّما طلبوا موادَّ يَصنعون منها إدامَهم؛ ولا يُؤكَلُ العَدَسُ ولا الفُومُ نيّئاً. وأمّا ﴿صَيْدُ ٱلْبَحْرِ وَطَعَامُهُۥ﴾ [المائدة ٩٦] فالصيدُ ما يُصادُ، وطعامُه ما صارَ طعاماً منه - ولا يُؤكَلُ صيدُ البحرِ بغير نار. وأمّا الضَّريعُ والغِسلينُ والزَّقّومُ فأشدُّ الطعامِ نُضجاً، لأنّها في دارٍ حرُّها هو العذابُ نفسُه.
سابعاً: التقاليبُ الستُّ في القرآن
١) طعم: المُباشَرةُ وأثرُها
جاءت أسرةُ (طعم) في المصحف ثمانيةً وأربعين لفظاً في إحدى وأربعين آية. وأوّلُ ما يُلاحَظُ فيها أنّ القرآنَ يُفرِّقُ بين الأكلِ والطعامِ تفريقاً لا يستقيمُ لو كانا شيئاً واحداً: ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ ٱلطَّعَامَ﴾ [المائدة ٧٥]، ﴿يَأۡكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمۡشِي فِي ٱلۡأَسۡوَاقِ﴾ [الفرقان ٧]، ﴿لَّا يَأۡكُلُونَ ٱلطَّعَامَ﴾ [الأنبياء ٨]. **فلم يقل «كانا يَطعَمان» بل قال ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ ٱلطَّعَامَ﴾** - فالأكلُ فعلٌ، والطعامُ اسمُ ما يقعُ عليه الفعل.(٣٠)
ثمّ يَجيءُ الفعلُ حيث تُقصَدُ المُباشَرةُ نفسُها لا المضغُ: ﴿مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُۥٓ﴾ [الأنعام ١٤٥]، ﴿فَإِذَا طَعِمۡتُمۡ فَٱنتَشِرُواْ﴾ [الأحزاب ٥٣]، ﴿جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوٓا۟﴾ [المائدة ٩٣]، ﴿لَّا يَطْعَمُهَآ إِلَّا مَن نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ﴾ [الأنعام ١٣٨].
وأمّا الإطعامُ فإيصالُ هذه المُباشَرةِ إلى غيرِ المُباشِر: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام ١٤]، ﴿وَٱلَّذِي هُوَ يُطۡعِمُنِي وَيَسۡقِينِ﴾ [الشعراء ٧٩]، ﴿وَيُطۡعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ﴾ [الإنسان ٨]، ﴿ٱلَّذِيٓ أَطۡعَمَهُم مِّن جُوعٖ﴾ [قريش ٤]، ﴿فَكُلُواْ مِنۡهَا وَأَطۡعِمُواْ ٱلۡبَآئِسَ ٱلۡفَقِيرَ﴾ [الحج ٢٨].
ونلاحظ في ﴿يُطۡعِمُنِي وَيَسۡقِينِ﴾ أنّه قابلَ الإطعامَ بالسَّقي، فجعلَ لكلٍّ بابَه. ولو كان الفعلُ (طَعِمَ) لا يقعُ إلّا على المأكولِ لَما احتاجَ إلى السَّقي؛ ولو كان يقعُ على كلِّ شيءٍ سواءً لَما ذُكِرَ السَّقيُ معه. والوجهُ أنّ الفعلَ يَصدُقُ على المشروبِ من جهةِ وجودِ الطعم، ولا يَصدُقُ عليه من جهةِ الرِّيّ؛ فذُكِرَ السَّقيُ لتمامِ المِنّة.
وفي الاستطعامِ لطيفةٌ تَشهدُ للحدّ: ﴿ٱسۡتَطۡعَمَآ أَهۡلَهَا فَأَبَوۡاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا﴾ [الكهف ٧٧] - طَلَبا ما يُطعَم، فأبى القومُ الضيافة. والاستطعامُ طلبُ الإطعام، وليس طلبَ الأكل؛ فالسائلُ يَطلُبُ أن يُوصَلَ إليه ما يُباشِرُه، لا أن يَأكُلَ في يدِ غيرِه.
٢) طمع: الميمُ حائلةٌ بين الطالبِ والمطلوب
وجاءت أسرةُ (طمع) اثنَي عشرَ لفظاً في اثنتَي عشرةَ آية. وقد استقرأناها موضعاً موضعاً، فلم نَجِدْ فيها طمعاً في شيءٍ حاصلٍ في اليد؛ كلُّها في مُتوقَّعٍ لم يُنَلْ بعدُ: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا۟ لَكُمْ﴾ [البقرة ٧٥]، ﴿وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ [المائدة ٨٤]، ﴿إِنَّا نَطۡمَعُ أَن يَغۡفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَٰيَٰنَآ﴾ [الشعراء ٥١]، ﴿وَٱلَّذِيٓ أَطۡمَعُ أَن يَغۡفِرَ لِي خَطِيٓـَٔتِي يَوۡمَ ٱلدِّينِ﴾ [الشعراء ٨٢]، ﴿أَيَطۡمَعُ كُلُّ ٱمۡرِيٕٖ مِّنۡهُمۡ أَن يُدۡخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٖ﴾ [المعارج ٣٨]، ﴿ثُمَّ يَطۡمَعُ أَنۡ أَزِيدَ﴾ [المدثر ١٥].
وأصرحُها في الكتلةِ آيةُ الأعراف: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ ۚ وَعَلَى ٱلْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّۢا بِسِيمَىٰهُمْ ۚ وَنَادَوْا۟ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ أَن سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ ۚ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ [الأعراف ٤٦]. حجابٌ بينهم وبين ما يَطمَعون فيه، وسلامٌ يُنادى من وراءِ الحجاب. وهو صورةُ اللفظِ بعينِها: ميمٌ ساكنةٌ حالت بين الطاءِ والعين، فامتنعتِ المُلاصَقةُ وبقيَ التطلُّع.
وليس الطمعُ في القرآنِ مذموماً في نفسِه؛ فقد أمرَ به المولى في دعائه: ﴿وَٱدْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الأعراف ٥٦]، وجعلَه في البرقِ آيةً: ﴿يُرِيكُمُ ٱلۡبَرۡقَ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا﴾ [الرعد ١٢]، ووصفَ به قائمي الليل: ﴿يَدۡعُونَ رَبَّهُمۡ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا﴾ [السجدة ١٦]. وإنّما يُذَمُّ بمتعلَّقِه: ﴿فَيَطۡمَعَ ٱلَّذِي فِي قَلۡبِهِۦ مَرَضٞ﴾ [الأحزاب ٣٢]. وقد سبقَ إلى هذا الراغبُ فقال: «ولمّا كَانَ أَكثرُه من جِهَةِ الْهوى قيل: الطَّمَعُ طَبَعٌ» - فجعلَ الذمَّ من الغلَبةِ في الاستعمال لا من الوضع.(٣١)
وههنا يَنكشِفُ ما صنعته العربُ حين سَمَّت رزقَ الجنديِّ طَمَعاً. فليس الرزقُ طمعاً لأنّه يُشتهى، بل لأنّه مالٌ مضمونٌ لصاحبِه وهو بعدُ لم يَقبِضْه؛ بينه وبينه وقتٌ مضروب. فإذا قَبَضَه لم يَبقَ طَمَعاً.(٣٢)
٣) الأربعةُ الباقية: غيابٌ لا يُبطِلُ الشهادة
وأمّا مطع ومعط وعطم وعمط فلا نَجِدُ منها في المصحف حرفاً واحداً. وليس في ذلك ما يُنقِصُ من شهادتها؛ فالقرآنُ انتخبَ من كلامِ العربِ أفصحَه وأجراه على الألسنة، ولم يَستوعِبْه. وسكوتُ التنزيلِ عن بناءٍ مستعمَلٍ خبرٌ كما أنّ نُطقَه به خبر.
على أنّ في المصحفِ لفظةً يَسبِقُ إليها الوهمُ في هذا الباب: ﴿وَبِئۡرٖ مُّعَطَّلَةٖ وَقَصۡرٖ مَّشِيدٍ﴾ [الحج ٤٥]. وليست من (معط) في شيء، وإنّما هي من (عطل) على وزن مُفَعَّلة. والبئرُ المُعطَّلةُ: التي تُرِكت فلم يُستَقَ منها - وذلك هو الخلوُّ والفراغ الذي في (عطل)، وهو من أخوات (عط) لا من تقاليبها.(٣٣)
ثامناً: المعنى المشتركُ في التقاليب الستّ
وبقيت المسألةُ الكبرى: ما الذي يَجمعُ الستّةَ جميعاً - القويَّ منها والنادرَ - قبل أن تفترقَ إلى عائلتين؟ فالحروفُ الثلاثةُ واحدةٌ فيها كلِّها، فلا بدَّ من بَصمةٍ واحدةٍ تَطبَعُها.
الطاءُ تسطيحٌ ومُلاصَقةٌ بمِساحةٍ لا بطرَف؛ والعينُ جسمٌ ظاهرٌ بعد خفاء؛ والميمُ كتلةٌ ساكنة. فالجامعُ للستّة: كتلةٌ ساكنةٌ يقعُ عليها مَسٌّ أو مَدٌّ، فيَظهرُ منها ما كان خافياً. وليس في الباب كلِّه معنى الضربِ ولا القطعِ ولا النَّقل من مكانٍ إلى مكان؛ إنّما فيه لسانٌ يَلحَس، وثوبٌ يَنشَقّ عمّا تحته، وصوفٌ يُنتَفُ فيَبدو الجِلد، وسيفٌ يُسَلُّ من غِمده، وعِرضٌ يُثلَبُ فيُكشَف، ونفسٌ تَتطلَّعُ إلى ما لم تَرَه في يدها.(٣٤)
ثمّ تَفترِقُ الجهةُ بترتيبِ الحرفين لا بشيءٍ آخر: إذا تقدَّمتِ الطاءُ كان الظهورُ إلى المُلاصِق - يَنتقِلُ الخافي إليه فيَذوقُه. وإذا تقدَّمتِ العينُ كان الظهورُ عن الكتلة - يُنزَعُ عنها غِطاؤها فيَنكشِف. دخولٌ وخروج، والحروفُ هي الحروف.
ويَبقى سؤالُ الوسط: لِمَ كان الجسرُ - طمع وعمط - أضعفَ من الطرفين في كلا البيتين؟ والذي يَظهرُ لنا أنّ الميمَ إذا توسَّطت قطعتِ الكتلةَ فمَنَعت عملَها، فلم يَبقَ للجذرِ إلّا أن يَصِفَ الامتناعَ نفسَه: طَمَعٌ لم يَصِلْ، وعَمْطٌ لا يَرى النعمةَ التي بين يديه. ولذلك جاءا كلاهما في بابِ النفسِ لا في بابِ الحسّ - وذلك أشبَهُ بنظامٍ منه بمصادفة.
تاسعاً: لئلّا يَختلِطَ الطَّعمُ بقريبه
والعربيّةُ لا ترادفَ فيها؛ فللطَّعمِ معنًى واحدٌ متميِّزٌ لا يَجمعُ معاني جيرانه. ونُقارِبُه بما قاربَه في القرآن وحدَه.
فالأكلُ فعلٌ في الطعام بالمضغِ والابتلاع، ولذلك تعدَّى إليه: ﴿يَأْكُلَانِ ٱلطَّعَامَ﴾، ولم يُقَلْ <يطعمان الطعام>. والشُّربُ إدخالُ المائعِ إلى الجوف، ولذلك قُوبِلَ بالطَّعمِ في آيةِ النهرِ ولم يُغنِ عنه: الشُّربُ يَبلُغُ الجوفَ، والطَّعْمُ يَقَعُ عند الفم. وأمّا الذَّوقُ والرِّزقُ فبينهما وبين الطَّعمِ فروقٌ لا يُقضى فيها بهذا الجذرِ وحدَه، ولهما موضعٌ آخَر يُفرَدُ لهما.
والطَّعمُ وحدَه من بينها هو مُباشَرةُ المادّةِ بالفمِ حتى تَظهرَ صفتُها الخافية؛ ولذلك صحَّ في الماءِ وفي اللبن، ووقعَ على المشروبِ كما وقعَ على المأكول، ولم يَقَعْ على العذابِ ولا على السُّلطان.
عاشراً: حدودُ ما يَدَّعيه هذا التحليل
ونُصرِّحُ بما نَدَّعيه وما لا نَدَّعيه، ونَعرِضُ ما يَرِدُ علينا ولا نُخفيه.
فالذي نَدَّعيه: أنّ الحرفين (طع) و(عط) كتلتان عاملتان لكلٍّ منهما جهة، وأنّ الجهةَ تَنعكِسُ بانعكاسِ الترتيب، وأنّ الميمَ الداخلةَ عليهما في المواضع الثلاثةِ تُولِّدُ الستّةَ على نظامٍ مطَّرِد، وأنّ حدَّ (طعم) هو المُباشَرةُ التي يَظهرُ بها الخافي.
والذي لا نَدَّعيه: أنّ الستّةَ سواءٌ في القوّةِ والشُّهرة - فبينها ما هو مطَّرِدٌ وما هو كلمةٌ نادرةٌ عن راوٍ واحد. ولا نَدَّعي أنّ كلَّ أخواتِ الكتلتين تَنقادُ للحدِّ؛ فقد أثبتنا العَطَنَ والعَطَشَ ولم نَرُدَّهما. ولا نَدَّعي أنّ «العُطُم: الهَلْكى» داخلٌ في الكتلة، ولا أنّ «ومَطَعَ في الأَرض مَطْعاً ومُطُوعاً: ذهَب فلم يُوجَدْ» أصلُ (مطع)؛ بل هما موضعانِ نَقِفُ عندهما.
ويَرِدُ علينا: أنّ الكتلةَ في هذه الأحرف الثلاثةِ قد تُؤخَذُ على وجهٍ آخر، فتكون بين الطاءِ والميمِ لا بين الطاءِ والعين؛ فـ(طم) عند ابن فارس «تغطيه الشيء للشئ حتى يسويه به... من ذلك قولهم طم البئر بالتراب»، و(مط) «مدُّ الشيء». وهما أصلانِ ثابتانِ لا نُنكِرُهما، وعليهما تُقرأُ الستّةُ قراءةً ثانية.(٣٥)
والذي حَمَلَنا على تقديم (طع) و(عط) ثلاثةُ أمور. أوّلُها أنّ الجذرَ المطلوبَ نفسَه - طعم - إنّما يُفسَّرُ بها تفسيراً مباشراً: الطَّعُّ اللَّحْس، والطَّعْمُ ما يُدرَكُ باللَّحْس. وثانيها أنّ الجوارَ يَشهَد: الجذرانِ اللذان فيهما (طع) متجاورةً - طعم ومطع - هما وحدَهما اللذان يعنيان الذَّوقَ والأكل؛ واللذانِ فيهما (عط) متجاورةً - معط وعطم - هما وحدَهما اللذان يعنيان المدَّ والنَّتفَ والنَّفش. وثالثُها زوجُ (معط ↔ عطم)، وهو فعلٌ وثمرتُه في لفظين، ولا يُفسِّرُه غيرُ هذه الكتلة.
ويَرِدُ علينا أيضاً أنّ المدَّ في (معط) مُنازَعٌ فيه؛ فالتاجُ يقول: «لغةٌ في مَغَطَ، بالغين»، والأزهريُّ أشدُّ: «الْمَعْرُوف فِي الطَّوِيل المُمَّغِطُ، بالغين المُعْجَمَة... وَلم أَسمع مُمَّعِطاً بِهَذَا الْمَعْنى لغير اللَّيْث». وهو اعتراضٌ قائم، ولا نَدفَعُه. غير أنّ الذي يَحتاجُه هذا التحليلُ ليس المدَّ المجرَّد، بل النَّزعَ والتجريد؛ وهو مُتَّفَقٌ عليه لا مُنازِعَ فيه: «الميم والعين والطاء أصلٌ يدلُّ على تجرُّدِ الشَّيء وتجريده» عند ابن فارس، و«المَعْطُ: الجَذْبُ. ومَعَطَ السيفَ وامْتَعَطَه: سَلَّه» عند ابن منظور. فالحجّةُ على هذا لا على ذاك؛ والعينُ عينٌ والغينُ غين، ولكلِّ حرفٍ عملُه.(٣٦)
الخاتمة: فائدةُ هذه السداسيّة
افتتحنا بأربعةِ مشاهدَ سائبة: لسانٌ يَلحَس، وثوبٌ يَنشَقّ، وصوفٌ يُنتَف، ورزقٌ يُنتظَر. وسألنا: هل بينها نسب؟ والجواب: نعم، هي عائلتان متقابلتان من كتلتين، ثالثُ حروفِهما ميمٌ تَدورُ عليهما.
وفائدةُ ذلك أنّنا نَقرأُ هذه الألفاظَ من أصلِها لا من نتائجها. فبدل أن نحفظَ الطَّعْمَ «أكلاً»، والطَّمَعَ «حِرصاً مذموماً»، والمَعْطَ «تساقُطَ شعر» - ألفاظاً متفرِّقةً لا رابطَ بينها - نراها أسرةً واحدةً مدارُها كتلتان: تُلاصِقُ فتُدخِل، وتَمُدُّ فتَنزِع.
وبهذا المفتاحِ تُقرأُ آياتٌ كنّا نَمُرُّ عليها مَرّاً: لِمَ قيل ﴿وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ﴾ في ماءٍ يُشرَب، ولِمَ كان للَّبَنِ ﴿لَّمۡ يَتَغَيَّرۡ طَعۡمُهُۥ﴾ وهو مشروب، ولِمَ اختُصَّ المُهيَّأُ بالنارِ باسمِ الطعامِ دون ما بقيَ على خَفائه، ولِمَ قُرِنَ الطمعُ بالخوفِ في الدعاءِ ولم يُذَمَّ، ولِمَ قال في أهل الأعراف ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ وبينهم وبينها حجاب.
وأدقُّ ما فيها أنّ نقيضَ الطَّعْمِ في هذه الحروف ليس الجوعَ ولا الحِرمان، بل الصوفَ المنفوشَ الذي نُتِفَ عن جِلدِ الشاة. فالطاءُ إذا تقدَّمتِ العينَ لاصَقَتا فأدخلَتا الطيِّبَ إلى صاحبه، وإذا تأخَّرت مدَّتا فنزَعَتا ما كان لاصقاً. وما دخلَ من إحداهما خرجَ من الأخرى، والحروفُ هي الحروف.(٣٧)
هذا، والله أعلم.
- العين جـ١ صـ٧٨، وقد عقدَ الخليلُ للحرفين موضعاً واحداً ذكرَ فيه الكتلتين معاً: «عط: العَطُّ: شقُّ الثَّوب طُولاً أو عَرْضاً من غير بَيْنُونة»، ثمّ: «طع: الطَّعْطَعة: حِكايَةُ صوْت اللاّطِع والمُتَمَطِّق إذا ألصق لسانه بالغار الأعلى، ثُمَّ لَطَع من طِيب شيءٍ يأكُله... والطَّعْطَعُ: المُطْمَئِنُّ من الأرض». وزادَ ابنُ منظورٍ عن ابن الأعرابيّ ما هو أصرحُ منه: «الطَّعُّ اللَّحْسُ» (اللسان جـ٨ صـ٢٣٥). ↩
- اللسان جـ٧ صـ٣٥٢: «العَطُّ: شقُّ الثَّوْبِ وَغَيْرِهِ عَرضاً أَو طُولًا مِنْ غَيْرِ بَيْنُونة... والانْعِطاطُ: الانْشِقاق». وأنشدَ فيه لأبي النَّجم في الدِّرع المُنعَطّ: «إذا بدا منها الذي تُغطّي» (العين جـ١ صـ٧٨) - فالشقُّ يُظهِرُ المستور. وفيه: «والعَطَوَّطُ: الطَّوِيلُ. والأَعطّ: الطَّوِيلُ... والعَطاط: الأَسد وَالشُّجَاعُ... جَسِيمٌ شَدِيدٌ». ↩
- العين جـ٢ صـ٢٨: «المَعْطُ: مدّ الشيء. وامتعَطْتُ السَّيْفَ من غِمْدِهِ [سللته]... ومَعَطْتُ الشَّعر من رأس الشّاةِ ونحوه إذا مددته فنتفته. والأَمْعَط: الذي لا شعر على جسده». والصحاح جـ٣ صـ١١٦١: «رجلٌ أمعطُ بيِّن المَعَط، وهو الذي لا شعر على جسده... وامتعط شعره وتمعط، أي تساقط من داء ونحوه». والعُطْمُ في مقابله: «ابْنُ الأَعرابي: العُطْمُ الصُّوفُ المنفوشُ» (اللسان جـ١٢ صـ٤٠٩، والتاج جـ٣٣ صـ١٠٩). ↩
- العين جـ٢ صـ٢٧: «والأطْماعُ: أرزاق الجند». ويَذكُرُه ابنُ دُريدٍ ويَتحفَّظُ فيه، الجمهرة جـ٢ صـ٩١٦: «وطَمَعُ الجند: وقتُ قبضهم الرِّزق وأحسبه مولّداً من قَوْلهم: طَمِعَ يطمَع طَمَعاً». والتاجُ جـ٢١ صـ٤٦٠ يَجعَلُه مجازاً فيَقول: «ومن المجاز: الطمع، محركة: رزق الجند، ج: أطماع». ونُثبِتُ التحفُّظَين ولا نَطويهما. ↩
- المصادرُ التي نستقرئ منها: كتابُ العين للخليل، وجمهرةُ اللغة لابن دُريد، والصحاحُ للجوهريّ، ومقاييسُ اللغة لابن فارس، ولسانُ العرب لابن منظور، وتاجُ العروس للزَّبيديّ. وكلُّ نقلٍ ههنا رأيناه في موضعه من الكتاب. ↩
- اللسان جـ٨ صـ٢٣٥ عن ابن الأعرابيّ: «الطَّعُّ اللَّحْسُ، والطَّعْطَعةُ: حِكَايَةُ صَوْتِ اللاطِعِ والنَّاطِعِ والمُتَمَطِّق إِذا لَصِقَ لِسَانُهُ بِالْغَارِ الأَعلى عِنْدَ اللَّطْعِ أَو التَّمَطُّق ثُمَّ لَطَعَ مِنْ طَيِّبِ شَيْءٍ يأْكله. والطَّعْطَعُ مِنَ الأَرض: المطمئن». ↩
- المقاييس جـ٥ صـ٢٤٩: «اللام والطاء والعين أصلٌ صحيح يدلُّ على انكشافِ شيء عن شيء، وعلى كَشْفه عنه. يقال: لَطع الإنسان الشّيءَ بلسانه يلطَعُه، إذا لَحِسَه». والمقاييس جـ٥ صـ٤٤٠: «النون والطاء والعين أصلٌ يدلُّ على بَسطٍ في شيء ومَلَاسة. منه النِّطْع... وهو مبسوطٌ أملس. والنَّطع: ما ظهر من غار الفَمِ الأعلى». ↩
- المقاييس جـ٣ صـ٤٣١: «الطاء والواو والعين أصلٌ صحيح واحد يدلّ على الإصحابِ والانقياد». والمقاييس جـ٦ صـ٥٦: «الهاء والطاء والعين: أُصَيلٌ يدلُّ على إقبالٍ على الشّئ وانقِياد. يقال: هَطَعَ الرّجلُ على الشَّئ ببصره: أقبَلَ». والمقاييس جـ٣ صـ٤١٢ في طعن: «أصلٌ صحيح مطَّرد، وهو النَّخْس فى الشَّئِ بما يُنْفِذُه». ↩
- اللسان جـ٧ صـ٣٥٢: «عَطَّ ثوبَه يَعُطُّه عَطّاً، فَهُوَ مَعْطُوطٌ وعَطِيطٌ، واعْتَطَّه وعَطَّطه إِذا شقَّه»، وفيه: «والعَطَوَّطُ: الانْطلاقُ السَّرِيعُ». والصحاح جـ٣ صـ١١٤٣: «والعَطاط: الأسد والشجاع». ↩
- المقاييس جـ٤ صـ٣٥٣: «العين والطاء والحرف المعتلُّ أصلٌ واحد صحيحٌ يدلُّ على أخْذٍ ومُناوَلة، لا يخرج البابُ عنهما. فالعَطْوُ: التَّناوُل باليد... والظَّبىُ يعطو، وذلك إذا رَفَعَ يديه متطاوِلاً إلى الشَّجرةِ ليتناوَلَ الورَق». والمقاييس جـ٤ صـ٣٥١ في عطل: «أصلٌ صحيحٌ واحدٌ يدلُّ على خلوٍّ وفَراغ»، وفيه: «ومتى تُركت الإبلُ بلا راعٍ فقد عُطِّلَت». ↩
- اللسان جـ١٣ صـ٢٨٧: «وعَطِنَ الْجِلْدُ، بِالْكَسْرِ، يَعْطَنُ عَطَناً، فَهُوَ عَطِنٌ وانْعَطَنَ: وُضِعَ فِي الدِّبَاغِ وتُرِكَ حَتَّى فَسَدَ وأَنْتَنَ، وَقِيلَ: هُوَ أَن يُنضح عَلَيْهِ الْمَاءُ ويُلَفَّ وَيُدْفَنَ يَوْمًا وَلَيْلَةً لِيَسْتَرْخِيَ صُوفُهُ أَو شَعْرُهُ فَيُنْتَفَ»، وفيه: «المَعْطُون: المُنْتِنُ المَنْمَرِقُ الشعرِ»، وفيه عن الجوهريّ: «يُلْقَى الْجِلْدُ فِيهِ ويُغَمَّ لِيَنْفَسِخَ صُوفُهُ وَيَسْتَرْخِيَ، ثُمَّ يَلْقَى فِي الدِّبَاغِ». والعَطَنُ في أوّل المادّة جـ١٣ صـ٢٨٦: «مَبْرَكِها حولَ الْحَوْضِ... إِذا رَوِيَتْ ثُمَّ بَرَكتْ». ↩
- اللسان جـ١ صـ٦١٠: «العَطَبُ: الْهَلَاكُ... وعَطِبَ الفَرَسُ والبعيرُ: انْكَسَرَ»، وفي الموضع نفسِه: «والعُطُبُ والعُطْبُ: القُطْنُ... وَفِي التَّهْذِيبِ: العَطْبُ لِينُ القُطْن والصُّوفِ»، وأنشدَ: «مُوَضَّعٌ مِنْ مَنادِفِ العُطُبِ»، ثمّ: «وَيُقَالُ: عَطَبَ يَعْطُبُ عَطْباً وعُطُوباً: لَانَ». والمِندَفُ ما يُنفَشُ به القطن. وابنُ فارسٍ جـ٤ صـ٣٥٤ فرَّق بينهما فقال: «كلمتانِ لا تتقاربان فى المعنى». ↩
- التاج جـ١٦ صـ٢٦٤: «وَمن المَجَاز: عَطَسَ الصُّبْحُ عَطْساً، إِذا انْفَلَق، وَفِي الأَسَاس: تَنَفَّس»، وفيه: «العاطِسُ: الصُّبْحُ، كالعُطَاسِ». واللسان جـ٦ صـ١٤٢: «والمَعْطِس والمَعْطَس: الأَنف لأَن العُطاس مِنْهُ يَخْرُجُ». والمقاييس جـ٤ صـ٣٥١ في عطف: «أصلٌ واحدٌ صحيح يدلُّ على انثناء وعِياجٍ. يقال: عَطَفْتُ الشَّئ، إذا أمَلْتَه»؛ واللسان جـ٧ صـ٣٥٢: «والعَطَوَّطُ: الطَّوِيلُ... والعَطَوَّطُ: الانْطلاقُ السَّرِيعُ كالعَطَوَّدِ». ↩
- التاج جـ١٣ صـ٧٩: «العِطْر، بالكَسْرِ: الطِّيبُ وَهُوَ اسمٌ جامعٌ لَهُ»، وفيه: «وقِيل: رَجُلٌ عَطِرٌ، وامرأَةٌ عَطِرَةٌ: إِذا كَانَا طَيِّبَيْ رِيحِ الجِرْمِ، وإِنْ لم يَتَعَطَّرَا»، ومثلُه اللسان جـ٤ صـ٥٨٢: «إِذا كَانَا طَيّبَيْنِ رِيحَ الجِرْم، وإِن لَمْ يَتَعَطَّرا». والبيتُ في العين جـ٢ صـ٨: «يتبعْنَ جَأْباً كمدَقِّ المِعْطِيرْ»، ومثلُه في اللسان جـ٤ صـ٥٨٢ والتاج جـ١٣ صـ٧٩. ↩
- المقاييس جـ٤ صـ٣٥٥: «العين والطاء والشين أصلٌ واحد صحيح، وهو العَطَش». وقد بحثنا عن معكوسه - وهو (شعط) - في المعاجم الستّ فلم نَجِدْ له مدخلاً، فلا نَبني عليه. ↩
- المقاييس جـ٣ صـ٤٠٥. ونصُّه بتمامه: «الطاء والعين ليس بشى. فأما ما حكاه الخليل، من أن الطعطعة حكاية صوت اللاطع فليس بشئ». وقد ساقَ الزَّبيديُّ ردَّه هذا في مادّة الطاء والعين نفسِها بعد نقلِه عن ابن الأعرابيّ والليث (التاج جـ٢١ صـ٤٤٦). ↩
- التاج جـ٢١ صـ٤٤٦، وفيه المادّةُ مجموعةً: «الطَّعُّ، أهمله الجَوْهَرِيّ، وَقَالَ ابْن الأَعْرابِيّ: هُوَ اللَّحْس. قَالَ: والطَّعْطَع، كَفَدْفَدٍ: المطمئنُّ من الأَرْض. قَالَ الليثُ: الطَّعْطَعَة: حكايةُ صَوْتِ اللاّطِعِ والنّاطِع والمُتَمَطِّق، وَهُوَ أَن يُلصِقَ لسانَه بالغارِ الْأَعْلَى، ثمّ يَنْطِعَ، من طِيبِ شيءٍ أَكَلَه، فيُسمِعَك من بينِ الغارِ واللِّسان صَوْتَاً، وَقَالَ ابنُ فارسٍ: الطاءُ والعينُ لَيْسَ بشيءٍ...». فالزَّبيديُّ يَنسِبُ الطَّعَّ والطَّعْطَعَ إلى ابن الأعرابيّ، والطَّعْطَعةَ إلى الليث - وهي في العين جـ١ صـ٧٨. ↩
- اللسان جـ٧ صـ٣٥٢، وفيه بيتُ المُتنخِّل الهُذَليّ: «بضَرْبٍ فِي القَوانِسِ ذِي فُرُوغٍ، وطَعْنٍ مِثْلِ تعْطِيطِ الرِّهاطِ»، وفسَّرَه: «والرَّهْطُ: جِلْدٌ يشقَّق تَلْبَسه الصِّبْيَانُ وَالنِّسَاءُ». والصحاح جـ٣ صـ١١٤٣ ذكرَ العَطْعَطة والعَطاط معاً، فلم يُسقِط أحدَهما للآخَر. ↩
- المقاييس جـ٥ صـ٣٣٣ في مطق: «الميم والطاء والقاف. التمطُّق: أن يُلصِق الإنسانُ لِسانَه بالغَارِ الأعلى فتَسمع له صوتاً، وذلك إذا استطابَ ما يأكل». وهو في الصفحة نفسِها التي فيها (مطع). ↩
- العين جـ٢ صـ٢٥: «باب العين والطّاء والميم معهما: ط ع م - ط م ع - م ط ع - م ع ط مستعملات، ع م ط - ع ط م مهملان». و«مستعملات» عنده يُقابِلُ «مهملات»؛ فهو يَعُدُّ الستّةَ في كلِّ بابٍ ثمّ يَحكُمُ عليها. وقد أحيَتِ المعاجمُ بعدَه المهمَلَين عنده بشواهدَ نادرة. ↩
- ودرجاتُ الشُّهرة بينها متفاوتة: (طعم) «أصلٌ مطَّرِدٌ منقاس» عند ابن فارس، و(طمع) «أصلٌ واحدٌ صحيح» عنده، و(معط) بابٌ مستقلٌّ في العين والصحاح والمقاييس واللسان والتاج. وأمّا (مطع) فمعناه الأوّلُ مدارُه على العين ومَن أخذَ عنه، ومعناه الثاني إسنادُه مستقلٌّ عنه؛ قال ابنُ دُريدٍ في الجمهرة جـ٢ صـ٩١٧ إنّه ممّا «ذكرها بعضُ أصحابنا من البصريّين عن أبي عبيدة عن يونس، ولم تُسمَع من غيره». و(عطم) مدارُه على ابن الأعرابيّ وحدَه، و(عمط) على ابن دُريدٍ ومَن نقلَ عنه. ↩
- العين جـ٢ صـ٢٨ في المَعْط، واللسان جـ١٢ صـ٤٠٩ والتاج جـ٣٣ صـ١٠٩ في العُطْم؛ وقد تقدَّم نصُّهما. ولم نجد في المعاجم الخمسة من جمعَ بين اللفظين في موضعٍ واحد، وإنّما هما في بابين متباعدين: هذا في الميم وذاك في العين. ↩
- العين جـ٢ صـ٢٧: «مَطَعَ: المَطْعُ: ضَرْبٌ من الأكل بأدنى الفم، والتناول في الأَكْلِ بالثنايا وما يليها من مقدّمة الأسنان». واللسان جـ٨ صـ٣٣٩ يَزيدُه: «يُقَالُ: هُوَ ماطِعٌ ناطِعٌ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُوَ القَضْمُ. ومَطَعَ فِي الأَرض مَطْعاً ومُطُوعاً: ذهَب فَلَمْ يُوجَدْ». والمقاييس جـ٥ صـ٣٣٣ لم يَذكُر إلّا المعنى الثاني: «قال: هو مَطَعَ في الأرض مَطْعاً ومُطُوعاً، إذا ذهب فلم يُوجَدْ ذِكْرُه». ↩
- اللسان جـ٧ صـ٣٥٦: «عمط: عَمَطَ عِرْضَه عَمْطاً واعْتَمَطه: عَابَهُ وَوَقَعَ فِيهِ وثَلَبَه بِمَا لَيْسَ فِيهِ. وعَمَطَ نِعْمةَ اللَّهِ عَمْطاً وعَمِطَها عَمْطاً كغَمِطَها؛ لَمْ يَشْكُرْها وكَفَرها» - ونَقَلَها ابنُ منظورٍ بغير قولِ «ليس بثَبْت»، أي مُثبِتاً لها. وأصلُ ذلك عند ابن دُريد في الجمهرة جـ٢ صـ٩١٦: «والعَمْط: معروف، يُقال: اعتمطَ فلانٌ عِرْضَ فلانٍ وعَمَطَه، إذا عابه. وقد قالوا: عَمِطَ نعمةَ الله، مثل غَمِصَها وغَمِطَها، بالعين والغين، وليس بثَبْت». فصدَّرَه بأنّ «العَمْط معروف»، ثمّ جعلَ «ليس بثَبْت» على العين مكانَ الغين في «عَمِطَ النعمة» خاصّةً. ولخَّصَ التاجُ جـ١٩ صـ٤٩٢-٤٩٣ كلامَه ولم يَنقُلْ صدرَه. ↩
- المقاييس جـ٣ صـ٤١٠: «الطاء والعين والميم أصل مطَّرد منقاسٌ فى تذوُّقِ الشّئ. يقال طَعِمْت الشئ طَعْما. والطَّعام هو المأكول». والعين جـ٢ صـ٢٥: «الطَّعم، طَعم كلّ شيء وهو ذوقه. والطّعم: الأكل... والطَّعامُ اسمٌ جامعٌ لكلِّ ما يُؤْكَلُ». والصحاح جـ٥ صـ١٩٧٤: «الطعام: ما يؤكل، وربما خُصَّ بالطعام البُرُّ». ↩
- العين جـ٢ صـ٢٦: «وقول العرب: مُرُّ الطَّعْمِ وحُلْو الطَّعْمِ معناه الذّوق، لأنّكَ تقول: اطْعَمْهُ، أي: ذُقْهُ، ولا تُريد به امضَغْه كما يُمْضَغ الخبز». والمقاييس جـ٣ صـ٤١١: «والإطعام يقع فى كلِّ ما يُطعَم، حتَّى الماء»، وفيه: «وعِيب خالدُ بن عبد اللّه القسرىّ بقوله: أطعِمُونى ماءً... وذلك عندنا ليس بعيب؛ لما ذكرناه». والصحاح جـ٥ صـ١٩٧٥: «أي من لم يذقْه». واللسان جـ١٢ صـ٣٦٦: «وَإِذا جعلْتَه بِمَعْنى الذَّوْقِ جَازَ فِيمَا يُؤْكل ويُشْرَبُ». ↩
- اللسان جـ١٢ صـ٣٦٦ عن الليث: «قَالَ اللَّيْثُ: طَعْمُ كلِّ شيءٍ يُؤْكلُ ذَوْقُه، جَعَلَ ذواقَ الْمَاءِ طَعْماً ونَهاهم أَن يأْخذوا مِنْهُ إِلَّا غَرْفَةً وَكَانَ فِيهَا رِيُّهم ورِيُّ دَوَابِّهِمْ». ومثلُه في العين جـ٢ صـ٢٦. ↩
- اللسان جـ١٢ صـ٣٦٦: «والطَّعْم، بِالْفَتْحِ: مَا يُؤَدِّيه الذَّوْقُ. يُقَالُ: طَعْمُه مُرٌّ. وطَعْمُ كلِّ شيءٍ: حَلاوتُه ومَرارتُه وَمَا بَيْنَهُمَا، يَكُونُ ذَلِكَ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ». وفي الموضع نفسِه: «وطَعِمَه طَعْماً وتَطَعَّمَه: ذاقَه فَوَجَدَ طَعْمَهُ». ↩
- اللسان جـ١٢ صـ٣٦٦: «وَالطَّعَامُ: اسْمٌ لِمَا يؤْكل، وَالشَّرَابُ: اسْمٌ لِمَا يُشْرَبُ». ↩
- العدُّ على المصحف: أسرةُ (طعم) ثمانيةٌ وأربعون لفظاً في إحدى وأربعين آية، وأسرةُ (طمع) اثنا عشرَ لفظاً في اثنتَي عشرةَ آية. وليس للتقاليب الأربعة الباقية - مطع ومعط وعطم وعمط - موضعٌ واحد. ولفظةُ ﴿مُّعَطَّلَةٖ﴾ في الحجّ ٤٥ من (عطل) لا من (معط). ↩
- التاج جـ٢١ صـ٤٥٩ ناقلاً عن الراغب: «الطَّمَع: نُزوعُ النَّفْسِ إِلَى الشَّيْء شَهْوَةً لَهُ، ولمّا كَانَ أَكثرُه من جِهَةِ الْهوى قيل: الطَّمَعُ طَبَعٌ». ومواضعُ «خوفاً وطمعاً» في المصحف أربعةٌ لا خامسَ لها: الأعراف ٥٦، والرعد ١٢، والروم ٢٤، والسجدة ١٦؛ اثنان منها في البرق، وواحدٌ في الدعاء، وواحدٌ في قيام الليل. ↩
- المقاييس جـ٣ صـ٤٢٥: «الطاء والميم والعين أصلٌ واحدٌ صحيح يدلُّ على رجاءٍ فى القلب قوىٍّ للشّئ». والعين جـ٢ صـ٢٧: «طَمِعَ طَمَعاً فهو طامِعٌ... وإنه لطَمِعٌ: حريص»، وفيه: «وامرأة مِطْماعٌ: تُطْمِعُ ولا تُمَكِّنُ». والصحاح جـ٣ صـ١٢٥٤: «طَمِعَ فيه طَمَعاً وطَماعةً وطَماعِيَةً مخفَّفٌ، فهو طَمِعٌ وطَمُعٌ». ↩
- المقاييس جـ٤ صـ٣٥١ في عطل: «نقول: عُطِّلت الدارُ، ودارٌ معَطَّلة. ومتى تُركت الإبلُ بلا راعٍ فقد عُطِّلَت»، ثمّ في جـ٤ صـ٣٥٢: «وكذلك البئر إذا لم تُورَدْ ولم يُستَقَ»، وساقَ عليه الآية. فالبناءُ مُفَعَّلة من (عطل)، والميمُ زائدةٌ فيه لا أصليّة. ↩
- متجهاتُ الحروف الثلاثة: الطاءُ التسطيح، والعينُ جسمٌ ظاهرٌ بعد خفاء، والميمُ التكتُّلُ الساكن. ↩
- المقاييس جـ٣ صـ٤٠٦: «الطاء والميم أصلٌ صحيح يدلُّ على تغطيه الشيء للشئ حتى يسويه به، الأرض أو غيرها. من ذلك قولهم طم البئر بالتراب: ملأها وسواها». والمقاييس جـ٥ صـ٢٧٣: «الميم والطاء أصلٌ صحيح يدلُّ على مد الشيء. ومطه: مده». ↩
- التاج جـ٢٠ صـ١١٠: «مَعَطَه، كمَنَعَه، يَمْعَطُه مَعْطاً: مَدَّه، نقلَه الليث، لغةٌ في مَغَطَ، بالغين». ونقلَ ابنُ منظورٍ عن الأزهريّ (اللسان جـ٧ صـ٤٠٤): «قَالَ الأَزهري: الْمَعْرُوف فِي الطَّوِيل المُمَّغِطُ، بالغين المُعْجَمَة، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو عبيد عَن الأَصمعي، قَالَ: وَلم أَسمع مُمَّعِطاً بِهَذَا الْمَعْنى لغير اللَّيْث». وفي مقابله المقاييس جـ٥ صـ٣٣٧: «الميم والعين والطاء أصلٌ يدلُّ على تجرُّدِ الشَّيء وتجريده»، واللسان جـ٧ صـ٤٠٤: «والمَعْطُ: الجَذْبُ. ومَعَطَ السيفَ وامْتَعَطَه: سَلَّه». ↩
- الجمهرة جـ٢ صـ٩١٦: «والمَطاعم: الأشياء التي تُؤكَل. ومُطعِمتا الصَّقر: إصبعاه اللتان يأخذ بهما الشيء». والعين جـ٢ صـ٢٦: «والمَطْعَمُ: القوس، لأنها تطعم الصّيد»، وفيه: «والطُّعْمُ: الحبُّ الذي يُلْقَى للطّير». ↩
التعليقات (0)