الحذر في القرآن آخر المطاف المسموح

الحذر في القرآن آخر المطاف المسموح

ما الفرق بين الحذر والنذر - والنذير هو الذي يريك أين الخط

تصور خطاً على الأرض. قبله أنت سالم، وبعده تهلك.

النذير هو الذي يريك أين الخط، ويجيء من عند غيرك. والحذر أن تقف عنده فلا تتعداه. ذاك يبين، وهذا يقف.

وأمام الخط أربعة أبواب لا يقوم واحد منها مقام الآخر:

أن تنأى فتبعد عنه مسافة وتترك المكان ﴿وَيَنۡـَٔوۡنَ عَنۡهُۖ﴾. وأن تجتنب فتجعله في ناحية وتكون في ناحية، وقد لا تبعد عنه شبراً ﴿ٱجۡتَنِبُواْ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلظَّنِّ﴾. وأن تتقي فتقف بعيداً عنه ولا تدنو ﴿تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقۡرَبُوهَا﴾. وأن تحذر فتقف عليه ولا تتعداه ﴿تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَعۡتَدُوهَا﴾.

فالتقوى أعلى والحذر أدنى. والتقوى أن تبعد، والحذر آخر المطاف المسموح.

وهذا خلاف ما في المعاجم، فإنها جعلت الحذر خوفاً وفزعاً، وجعلت النذير محذراً. والحجة على ذلك في هذا المقال.

القسم الأول: ما في كتب اللغة، وما فاتها

أولاً: ما تقوله المعاجم - ودورٌ لا مخرج منه

ولنبدأ بأهل اللغة، فإن كلامهم ههنا عجيب.

فأما الحذر فقال فيه ابن دريد: "الحذر: معروف، حذر يحذر حذرا وحاذر يحاذر حذارا ومحاذرة"، ثم قال: "ورجل حذريان: شديد الفزع. والمحذورة: الفزع بعينه".(١) وقال ابن فارس: "الحاء والذال والراء أصل واحد، وهو من التحرز والتيقظ"، ثم قال: "والمحذورة: الفزع".(٢)

فغاية ما عندهم في الحذر ثلاثة: التحرز، والتيقظ، والفزع. وهذه أحوال في النفس لا صور محسوسة. ومن حدّ اللفظة بحال النفس فقد أخبر عن أثرها ولم يخبر عن أصلها؛ ولهذا لم ينتفع بشيء من ذلك في تفسير أخوات الجذر، كما سيأتي.

وأما النذير فقال فيه ابن سيده: "والنذير المحذِّر، فعيل بمعنى مفعِل".(٣) فانظر إلى أين انتهى بهم القول: عرّف النذير بالتحذير. ومثله ما رواه ابن فارس عن ثعلب: "نذرت بهم فاستعددت لهم وحذرت منهم".(٤) وما في التهذيب: "أنذرت القوم مسير عدوهم إليهم فنذروا، أي أعلمتهم ذلك فنذروا أي علموا فتحرزوا".(٥) فجُعلت غاية النذر التحرز، والتحرز هو الذي حدّ به ابن فارس الحذر نفسه.

فإن قيل: قد حدّوا الإنذار بالإبلاغ فقالوا "منه الإنذار: الإبلاغ؛ ولا يكاد يكون إلا في التخويف"،(٦) وهذا حدّ غير دائر. قلنا: هو كذلك، غير أنه حدّ للنذارة بوظيفتها لا بصورتها؛ وسؤالنا: لِمَ سميت هذه الوظيفة نذارة دون غيرها من الألفاظ؟ فهذا هو الذي لم يجيبوا عنه.

وقد صرّح الأزهري بموضع الحيرة فقال: "والنذير يكون بمعنى المنذِر، وكان الأصل نَذَرَ، إلا أن فعله الثلاثي ممات. ومثله السميع بمعنى المُسمِع، والبديع بمعنى المبدِع".(٧) وهو يقرر بهذا قاعدة في صيغة فعيل، غير أن قوله "فعله الثلاثي ممات" يبقى على حاله: فعلٌ لم يبق منه في أيديهم شيء يبدأون منه.

فما الذي فات القوم؟

ثانياً: كتلة (حذ) - القطع الذي لا يبقي متعلَّقاً

الجواب في كتاب ابن فارس نفسه، في ثلاثة مواضع منه.

قال في المضاعف: "الحاء والذال أصل واحد يدل على القطع والخفة والسرعة، لا يشذ منه شيء".(٨) وقال في حذق: "الحاء والذال والقاف أصل واحد وهو القطع"، وختمها بقوله: "والباب كله واحد".(٩) وقال في حوذ: "الحاء والواو والذال أصل واحد، وهو من الخفة والسرعة وانكماش في الأمر"، ثم قال: "والأحوذيّ: الخفيف في الأمور، الذي حَذِقَ الأشياء وأتقنها".(١٠)

فتأمل: ثلاث مواد ردّها كلها إلى معنى واحد بألفاظ واحدة، حتى إنه فسّر الأحوذيّ بالحاذق. ثم انفرد الحذر وحده من بين إخوته بحدّ أجنبي عن الباب كله. ولست أدري ما الذي حجزه عنه، والكتاب كتابه والألفاظ ألفاظه.

والصورة الحسية في العين صريحة: "الحذّ: القطع المستأصل. والحذَذ مصدر الأحذّ من غير فعل. والأحذّ يسمى به الشيء الذي لا يتعلق به شيء".(١١) ثم قال: "ويقال للحمار القصير الذنب: أحذّ. ويقال للقطاة: حذّاء لقصر ذنبها مع خفتها".

فههنا صورتان: قطع يستأصل، وذنَب قصير لا يتعلق به شيء. والقطاة إنما سميت حذّاء لأن ذنبها قصير لا يُمسَك بها منه.

ويؤكده ابن فارس: "وأمر أحذّ: لا متعلَّق فيه لأحد، قد فُرِغ منه وأُحكم".(١٢) وقال في الحاذق: "وذلك أنه يحذق الأمر يقطعه لا يدع فيه متعلَّقا".(١٣) فاللفظة الجامعة عنده وعند صاحب العين واحدة: المتعلَّق. الأحذّ ما لا متعلَّق فيه، والحاذق من لا يدع متعلَّقاً.

وأخوات الكتلة تشهد. فالحذف "قطف الشيء من الطرف كما يحذف طرف ذنب الشاة"، والحذق "مدّك الشيء تقطعه بمنجل ونحوه حتى لا يبقى منه شيء"، والحذم "القطع الوحيّ - وسيف حذيم أي حاذم قاطع".(١٤) وحذوت النعل: قطعتها على مثال. وحذيت يده بالسكين: قطعتها. والشحذ التحديد. والحذلاق: الشيء المحدَّد. والحُذْل: حاشية الإزار أو القميص. والحذافير: أعالي الشيء ونواحيه.(١٥)

فقس على هذا: قطع عند الطرف، وحافة، وحدّ. وقد أحصينا ستة عشر جذراً في هذه الكتلة، وافقها منها أربعة عشر، ولم يبق إلا الحَذْرمة وهي رواية في الهَذرمة، والحذلمة في معنى ملء السقاء.

فيبقى الحذر. وما موضعه من هذا كله؟

الحاذر من قطع عن نفسه المتعلَّقات، فلا يجد فيه عدوه مأخذاً يأخذه منه. ورجل حذر أي رجل أحذّ: ليس فيه ما يتعلق به المتعلِّق.

وأهل اللغة أنفسهم نقلوا هذا وإن لم يبنوا عليه. ففي الحرف قراءتان، وقد فرّقوا بينهما تفريقاً حاسماً. قال صاحب العين: "وتقرأ الآية ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَٰذِرُونَ﴾ أي مستعدّون، ومن قرأ: حَذِرون فمعناه: إنا نخاف شرهم".(١٦) وقال الزجاج: "الحاذر المستعد، والحَذِر المتيقظ". وقال شمر: "الحاذر المؤدي الشاكّ في السلاح"، وأنشد: "وبِزّةٍ من فوق كمّيْ حاذر … ونَثْرةٍ سلبتها عن عامر".(١٧)

فانظر: الحاذر عندهم رجل عليه السلاح، لا رجل في قلبه خوف. والخوف إنما هو للقراءة الأخرى. وهذا الذي يفسر لماذا قُرن الحذر بالسلاح في القرآن، كما سيأتي.

ويشهد له أنه سمّى الأرض الخشنة الغليظة حِذرية. قال الأصمعي: "الحِذرية من الأرض: الخشنة"، وقال أبو خيرة: "أعلى الجبل إذا كان صلباً غليظاً مستوياً فهو حِذرية".(١٨) وهي أرض لا تمسك قدماً ولا تعطي ماسكاً ما يمسك به. غير أن ابن فارس ردها إلى الفعل فقال: "ويمكن أن يكون سمي بذلك لأنه يُحذَر المشي عليه".(١٩) وهذا أشبه بالتخريج منه بالتفسير؛ فإن الأسماء أقدم من الأفعال المشتقة منها، ولو صحّ لسميت كل مهلكة حِذرية.

ثالثاً: كتلة (نذ) - خروج من باطن يسبق ما وراءه

وأما النون والذال فمادتها في المعاجم الكبار قليلة، حتى قال صاحب العين في بابها: "باب الذال والنون: ذ ن يستعمل فقط"(٢٠) - أي إن المضاعف عندهم لا يُستعمل إلا مقلوباً. فمن ثمّ عسر عليهم أن يجدوا لنذر أصلاً، حتى قال الأزهري إن فعله ممات.

والذي وجدناه عند أبي عمرو الشيباني في كتاب الجيم، وهو من أقدم ما دوّن في اللغة: "النذيذ: ما خرج من الأنف أو الفم من ماء أو شيء. نذّ ينِذّ، والسقاء ينِذّ والجرح ينِذّ".(٢١) ونقل ابن الأعرابي: "نذّ نذيذاً، إذا بال".(٢٢)

فههنا الصورة. سقاء ينِذّ، وجرح ينِذّ، وأنف ينِذّ. فالنذيذ ما خرج من باطن الشيء فبدا على ظاهره.

ومقلوب الكتلة يقول ما تقوله. قال صاحب العين: "ذنّ يَذِنّ ذنيناً إذا سال من أنف الفحل ماء خاثر، ومن المزكوم".(٢٣) وقال ابن دريد: "الذنن: سيلان العين بالدموع. وكل شيء سال فقد ذنّ يذنّ ذنيناً. وكذلك سيلان الأنف أيضاً".(٢٤) والمِذنَب مسيل الماء، والذَّنوب ملء الدلو، والتذنوب البسرة التي أرطب طرفها من قِبَل ذنبها.(٢٥)

وقريباتها في المعاجم على هذا. فالنفاذ "الجواز والخلوص من الشيء"، وقال في الطعنة: "نفذت الطعنة أي جاوزت الجانب الآخر".(٢٦) والنبذ "طرحك الشيء من يدك أمامك أو خلفك". بل صاحب العين نفسه وصل النبذ بالإنذار فقال: "ونبذنا عليهم على سواء أي نابذناهم الحرب إذا أنذَرهم وأنذروه".(٢٧) ولا أدري كيف مرّ هذا عليهم ولم يقفوا عنده.

فالكتلة وقلبها وقريباتها على معنى واحد: خروج من باطن إلى ظاهر، يبدو أوّله ويتبعه ما وراءه.

فهل في المعاجم ما يشهد لهذا في نذر نفسها؟ ثلاثة شواهد، وقد ذكروها كلها ثم لم يبنوا عليها.

الأول أن النذر في لغة أهل الحجاز اسمُ أرش الجراح. قال الأزهري: "وجعل الشافعي في كتاب جراح العمد ما يجب في الجراحات من الديات نذراً، وهي لغة أهل الحجاز"، ونقل عن أبي نهشل: "النذور لا تكون إلا في الجراح صغارها وكبارها، وهي معاقل تلك الجراح".(٢٨) وهو الجذر الذي فيه "والجرح ينِذّ". فسمّوا بدل الجرح بما يرشح منه، وهذا موضع لا يخطر لمن يظن الجذر خوفاً.(٢٩)

والثاني نذير القوس. قال أبو حنيفة: "النذير صوت القوس، لأنه ينذر الرمية"، وأنشد لأوس بن حجر: "وصفراء من نبع كأن نذيرها … إذا لم تخفّضه عن الوحش أفكل".(٣٠) فصوت خرج من القوس قبل أن يصل السهم، فدلّ عليه. وهذا حدّ النذارة بعينه.

والثالث قول صاحب العين: "ونذر القوم بالعدو أي علموا بمسيرهم".(٣١) فالنذارة في أصلها بلوغُ الخبر الأول، لا الحال التي تعقبه.

فثبت أن (نذ) خروج من باطن يدلّ على ما وراءه، وأن (حذ) قطع عند الطرف لا يبقي متعلَّقاً. وبين الأمرين ما بين الخارج والقاطع.

النذارة تخرج من صاحبها إلى غيره، والحذر يقطعه صاحبه عن نفسه. هذه تُعطى وذاك يُؤخذ.

وأخواتها في الإلقاء: نبذ ونبز

وقد حررنا النبذ في موضعه فانتهينا إلى أنه فكُّ حيازة الشيء أو رابطته وإخراجه من حيزه إلى الخارج، وأن المنبوذ قد يكون جسماً أو شخصاً أو عهداً أو قولاً، ولا يلزم أن يكون مكروهاً. وهذا يصحح عبارتنا القديمة التي جعلت النبذ طرح الشيء للتخلص منه؛ فذلك غرض سياقي لا أصل الكلمة.

وحررنا النبز فانتهينا إلى أنه رمي النعوت القبيحة على الآخرين، ولم يرد في المصحف إلا مرة واحدة ﴿وَلَا تَنَابَزُواْ بِٱلۡأَلۡقَٰبِ﴾ [الحجرات: ١١].

فانظر إلى الثلاثة: نبذ يخرج المحوز، ونبز يرمي النعت، ونذر يلقي الكلام الثقيل. والنون فيها كلها واحدة، وإنما اختلف المخرَج.

ويشهد لهذا الوصل أن المصحف جعل النبذ إنذاراً بنقض العهد، فقال ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوۡمٍ خِيَانَةٗ فَٱنۢبِذۡ إِلَيۡهِمۡ عَلَىٰ سَوَآءٍۚ﴾ [الأنفال: ٥٨]. فالمنبوذ ههنا عهد لا جسم، وهو إعلام لهم بأنك قد حللت ما بينك وبينهم.

رابعاً: التقوى والنأي والاجتناب في كتب اللغة

والعربية لا ترادف فيها، فينبغي أن نميّز الحذر عما جاوره في المصحف.

فالخوف انفعال يقع في القلب، وقد قُرن بالحذر ولم يكن هو: ﴿يَحۡذَرُ ٱلۡأٓخِرَةَ وَيَرۡجُواْ رَحۡمَةَ رَبِّهِۦ﴾ [الزمر: ٩] - فجعل الحذر في مقابلة الرجاء، والرجاء عمل لا انفعال. ولهذا وصف به قانتاً ساجداً قائماً آناء الليل، ولم يصف به فزعاً.

والتقوى أن تجعل بينك وبين المخوف شيئاً ثالثاً يتلقاه عنك. قال ابن فارس: "الواو والقاف والياء: كلمة واحدة تدل على دفع شيء عن شيء بغيره. والوقاية: ما يقي الشيء. واتق الله: توقّه، أي اجعل بينك وبينه كالوقاية".(٣٢) وهذا نص القرآن أيضاً: ﴿وَجَعَلَ لَكُمۡ سَرَٰبِيلَ تَقِيكُمُ ٱلۡحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] فالسربال هو الحاجز وهو الفاعل، و﴿أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجۡهِهِۦ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ﴾ [الزمر: ٢٤] فجعل وجهه حاجزاً. وهذه باء الاستعانة، ولم تدخل على الحذر في المصحف مرة واحدة.

وههنا يظهر الفرق. فالمتقي أضاف إلى نفسه شيئاً، والحاذر لم يضف شيئاً بل قطع عن نفسه. ولو كان الحذر حاجزاً لكان السلاح هو الحذر نفسه، ولما صح أن يعطف عليه في قوله ﴿وَلۡيَأۡخُذُواْ حِذۡرَهُمۡ وَأَسۡلِحَتَهُمۡ﴾. فالسلاح آلة مضافة، والحذر حال صاحبها.

ويشهد له الحِذاء نفسه، وهو من الكتلة. قال في الصحاح: "واحتذى: انتعل. والحِذاء: ما وطئ عليه البعير من خفه والفرس من حافره"، وفي الحديث "معها حذاؤها وسقاؤها".(٣٣) فحذاء البعير خفه الذي خُلق معه لا نعل أُلبسها. وإنما سميت النعل حذاء تشبيهاً بالخف. فالحذر خف صاحبه، والوقاء سرباله.

وقد جمعهما في آية واحدة على هذه القسمة: ﴿إِلَّآ أَن تَتَّقُواْ مِنۡهُمۡ تُقَىٰةٗۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥ﴾ [آل عمران: ٢٨]. فالتقاة من الكافرين، وهي ساتر يُجعل بينك وبينهم. والتحذير من الله، ولا ساتر يُجعل بينك وبينه؛ فلم يبق إلا أن تصلح نفسك.

وأما النأي فبُعد في المسافة. والنُّؤي عندهم "حفيرة حول الخباء يدفع ماء المطر عن الخباء".(٣٤) وفي القرآن ﴿وَهُمۡ يَنۡهَوۡنَ عَنۡهُ وَيَنۡـَٔوۡنَ عَنۡهُ﴾ [الأنعام: ٢٦]، و﴿أَعۡرَضَ وَنَـَٔا بِجَانِبِهِۦ﴾ [الإسراء: ٨٣]. فالنائي يترك المكان، والحاذر يبقى فيه.

وأما التجنب فأن تجعل الشيء في ناحية وتكون أنت في ناحية. قال ابن فارس: "الجيم والنون والباء أصلان متقاربان أحدهما: الناحية، والآخر البعد. فأما الناحية فالجَناب... وقعد فلان جَنْبةً إذا اعتزل الناس".(٣٥) ولهذا قال ﴿ٱجۡتَنِبُواْ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلظَّنِّ﴾ [الحجرات: ١٢] والظن لا يُنأى عنه مسافةً، وإنما يُجعل في ناحية. وقال إبراهيم عليه السلام ﴿وَٱجۡنُبۡنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعۡبُدَ ٱلۡأَصۡنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] وهو مقيم بجوار البيت لم يبرح.

فهذه أربعة: بُعد، وناحية، وحاجز، وقطع المأخذ. ولكل مقامه في المصحف، ولا يقوم واحد منها مقام الآخر.

وأما البلاغ فإخبار مجرّد، والإنذار إخبار بما يسوء. ولهذا قال ﴿وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ﴾ [العنكبوت: ١٨] في مقام التكذيب، وقال ﴿هَٰذَا بَلَٰغٞ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِۦ﴾ [إبراهيم: ٥٢] فجعل البلاغ أعمّ والإنذار غايةً منه.

وأما البشارة فقسيمة النذارة لا الحذر. وقد قرنت بها في ستة عشر موضعاً: ﴿إِنَّآ أَرۡسَلۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗا﴾ [البقرة: ١١٩]، ﴿فَقَدۡ جَآءَكُم بَشِيرٞ وَنَذِيرٞ﴾ [المائدة: ١٩]، ﴿وَمَا نُرۡسِلُ ٱلۡمُرۡسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ [الأنعام: ٤٨]. ولم يقرن الحذر ببشارة مرة واحدة. والعلة ظاهرة: البشارة خبر يخرج من صاحبه إلى غيره، فقسيمها ما كان مثلها. والحذر لا يخرج، فلا قسيم له.

خامساً: اعتراض - أليس في اللغة حَذيرك؟

ويرد على ما قررناه أن في اللغة صيغة فعيل من حذر بمعنى المحذِّر. قال الليث: "أنا حذيرُك من فلان أي أُحذِّرُكه".(٣٦) فههنا حذير يخرج من صاحبه إلى غيره، كما يخرج النذير.

والجواب من وجهين، أحدهما لأهل اللغة أنفسهم.

أما الأول فقد ردّه الأزهري في موضعه فقال: "قلت: لم أسمع هذا الحرف لغيره، وكأنه جاء به على لفظ نذيرُك وعذيرُك".(٣٧) فانظر كيف حكم عليه: حرف انفرد به الليث لم يسمعه من غيره، وإنما قِيس على نذيرك. فالنذير هو الأصل المحفوظ، وحذير مصنوع على مثاله. وهذا الاعتراض إذا حُقِّق صار حجة لنا لا علينا.

وأما الثاني فأن دعوانا في المصحف لا في سائر الكلام. وليس في المصحف حذير ولا حَذَارِك، وليس فيه حاذر أُرسل إلى قوم، ولا حذر خرج من واحد إلى واحد. والقرآن هو الميزان.

إلى ههنا انتهى ما يُؤخذ من كتب اللغة. وما بعده قرآن وحده، لا يُذكر فيه معجم ولا لغوي.

القسم الثاني: عرض ذلك على المصحف

أولاً: خذوا حذركم

ونعرض هذا كله على المصحف، فهو الفيصل.

فأول ما نلاحظ أن الحذر في القرآن شيء يُؤخذ ويُحمَل، لا خبر يُبلَّغ. قال المولى جل جلاله: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ خُذُواْ حِذۡرَكُمۡ فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنفِرُواْ جَمِيعٗا﴾ [النساء: ٧١]. فلم يقل احذروا، بل قال خذوا حذركم. والأخذ لا يكون إلا لشيء يُتناول.

وأصرح منه آية صلاة الخوف: ﴿وَلۡتَأۡتِ طَآئِفَةٌ أُخۡرَىٰ لَمۡ يُصَلُّواْ فَلۡيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلۡيَأۡخُذُواْ حِذۡرَهُمۡ وَأَسۡلِحَتَهُمۡ﴾ [النساء: ١٠٢]. فقرن الحذر بالسلاح وعطفه عليه، وجعل أخذهما فعلاً واحداً. ثم أعادها في آخر الآية: ﴿وَخُذُواْ حِذۡرَكُمۡ﴾. فما وجه هذا القِران؟

الجواب في وسط الآية نفسها. قال بين الأمرين: ﴿وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡ تَغۡفُلُونَ عَنۡ أَسۡلِحَتِكُمۡ وَأَمۡتِعَتِكُمۡ فَيَمِيلُونَ عَلَيۡكُم مَّيۡلَةٗ وَٰحِدَةٗ﴾ [النساء: ١٠٢]. فسمّى الآية المتعلَّق بعينه: السلاح والمتاع إذا غُفل عنهما. فالعدو يريد مأخذاً يميل منه عليكم، والحذر هو قطع ذلك المأخذ. ولهذا قُرن بالسلاح؛ لأن السلاح يقطع مأخذ العدو من الخارج، والحذر يقطعه من الداخل.

ولو كان الحذر خوفاً لما استقام أن يعطف على السلاح ويؤخذ معه. فإن الخوف لا يؤخذ ولا يوضع، وقد قال بعده: ﴿أَن تَضَعُوٓاْ أَسۡلِحَتَكُمۡۖ وَخُذُواْ حِذۡرَكُمۡ﴾ - فأذن في وضع السلاح وأمر بأخذ الحذر. فبقي الأحذّ منهم بغير سلاح، ولم يبق فيه متعلَّق.

ونظيره في قوم فرعون: ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَٰذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٥٦]. وقد مضى أنهم فسروا الحاذر بالمستعد الشاكّ في السلاح، وأن الخوف إنما هو للقراءة الأخرى. وانظر إلى ما قبلها ﴿وَإِنَّهُمۡ لَنَا لَغَآئِظُونَ﴾ [الشعراء: ٥٥]، فهو مقام حرب لا مقام خوف. ولو أراد الخوف لكان أخصر أن يقول وإنا لخائفون.

ثانياً: وجاءكم النذير

وأما النذير فلا يؤخذ ولا يحمل، وإنما يجيء ويؤتى به. قال: ﴿أَوَلَمۡ نُعَمِّرۡكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧]. وقال: ﴿كُلَّمَآ أُلۡقِيَ فِيهَا فَوۡجٞ سَأَلَهُمۡ خَزَنَتُهَآ أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ نَذِيرٞ﴾ ﴿قَالُواْ بَلَىٰ قَدۡ جَآءَنَا نَذِيرٞ فَكَذَّبۡنَا﴾ [الملك: ٨ - ٩]. وقال: ﴿لِتُنذِرَ قَوۡمٗا مَّآ أَتَىٰهُم مِّن نَّذِيرٖ مِّن قَبۡلِكَ﴾ [السجدة: ٣].

فأفعاله كلها أفعال ورود: جاء، وأتى، وأُرسل، وخلا. ولم يقل مرة خذوا نذيركم ولا نذيرهم. ولم يرد في المصحف كله لفظ نذير مضافاً إلى المنذَرين، وقد ورد الحذر مضافاً إلى صاحبه ثلاث مرات في آيتين. فما وجه هذا الفرق؟

وجهه أن الحذر يقوم بصاحبه فهو ملكه، والنذير قائم خارجه فليس منه في شيء. ولهذا كان أقصى ما قيل فيه اللام: ﴿نَذِيرٞ لَّكُم﴾ [سبأ: ٤٦]، و﴿إِنَّمَآ أَنَا۠ لَكُمۡ نَذِيرٞ مُّبِينٞ﴾ [الحج: ٤٩]، و﴿نَذِيرٗا لِّلۡبَشَرِ﴾ [المدثر: ٣٦]. واللام للانتفاع لا للملك؛ يقال هذا رسول لك، ولا يقال رسولك إلا لمن أرسلته أنت.

وههنا لطيفة. فإن النذير قد أُضيف في المصحف بالفعل، غير أنه أُضيف إلى المرسِل لا إلى المرسَل إليه. قال المولى جل جلاله: ﴿أَمۡ أَمِنتُم مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ أَن يُرۡسِلَ عَلَيۡكُمۡ حَاصِبٗاۖ فَسَتَعۡلَمُونَ كَيۡفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: ١٧] - أي نذيري. وقال ﴿فَكَيۡفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [القمر: ١٦] - أي ونُذُري، بدليل عطفها على عذابي. فالنذير ملك من أرسله لا ملك من أُرسل إليه، والحذر ملك من قام به. وهذه القسمة وحدها تكفي.

ونلاحظ أن النذير صار في القرآن منصباً قائماً لا حالاً عارضة. فوصفه بالمبين في أحد عشر موضعاً، منها ﴿وَإِنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٞ مُّبِينٌ﴾ [العنكبوت: ٥٠]. وقال ﴿وَإِن مِّنۡ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٞ﴾ [فاطر: ٢٤]، وقال ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا فِي قَرۡيَةٖ مِّن نَّذِيرٍ﴾ [سبأ: ٣٤]. فالنذير رجل يُرسل ويُبعث ويخلو في الأمم. وليس في المصحف حاذر يُرسل، ولا خلا في أمة حاذر.

والعلة أن النذير هو الرشحة الأولى، والرشحة تُبعث ولا تُتخذ. وأما الحاذر فحال في نفسه، وحال المرء لا تُرسل إلى غيره.

ثالثاً: نذير بين يدي عذاب شديد

وأحسن ما في الباب قوله في نبينا صلى الله عليه وسلم: ﴿قُلۡ إِنَّمَآ أَعِظُكُم بِوَٰحِدَةٍۖ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثۡنَىٰ وَفُرَٰدَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْۚ مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا نَذِيرٞ لَّكُم بَيۡنَ يَدَيۡ عَذَابٖ شَدِيدٖ﴾ [سبأ: ٤٦].

فلم يقل نذير لكم من عذاب شديد، بل قال بين يدي عذاب شديد. وبين يدي الشيء ما تقدّمه ودلّ عليه، كما قال ﴿مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ﴾. فجعل النذير سابقاً للعذاب متصلاً به، لا مخوّفاً منه فحسب. وهذا حدّ الرشحة بعينها: ما خرج أوّلاً فدلّ على ما وراءه. والجرح ينِذّ قبل أن ينفتح، والسقاء ينِذّ قبل أن ينشق.

ومثله في عاد: ﴿وَٱذۡكُرۡ أَخَا عَادٍ إِذۡ أَنذَرَ قَوۡمَهُۥ بِٱلۡأَحۡقَافِ وَقَدۡ خَلَتِ ٱلنُّذُرُ مِنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَمِنۡ خَلۡفِهِۦ﴾ [الأحقاف: ٢١]. فجعل النذر تخلو من بين يديه ومن خلفه، أي أنها متقدمة ومتأخرة في زمن متصل. والخوف لا يقال فيه هذا؛ إنما يقال في شيء يتوالى ويتتابع.

ويؤيده أنه أضاف إلى الإنذار مفعولاً هو المخوف نفسه، منقولاً لا ملابساً. فقال ﴿أَنذَرۡتُكُمۡ صَٰعِقَةٗ مِّثۡلَ صَٰعِقَةِ عَادٖ وَثَمُودَ﴾ [فصلت: ١٣]، وقال ﴿إِنَّآ أَنذَرۡنَٰكُمۡ عَذَابٗا قَرِيبٗا﴾ [النبأ: ٤٠]، وقال ﴿وَأَنذِرۡهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡحَسۡرَةِ﴾ [مريم: ٣٩]، وقال ﴿وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ يَوۡمَ يَأۡتِيهِمُ ٱلۡعَذَابُ﴾ [إبراهيم: ٤٤].

فالإنذار ينقل خبر الشيء إلى إنسان. أما الحذر فيقع على الشيء نفسه بلا واسطة، كما سيأتي.

رابعاً: احذروه واحذروهم - الحذر يلاصق المخوف

وهذا هو الفرق الذي لا يخطئه ناظر. فمفعول الحذر في المصحف هو المخوف بعينه، لا الخبر عنه.

قال ﴿حَذَرَ ٱلۡمَوۡتِ﴾ [البقرة: ١٩] وأعادها ﴿خَرَجُواْ مِن دِيَٰرِهِمۡ وَهُمۡ أُلُوفٌ حَذَرَ ٱلۡمَوۡتِ﴾ [البقرة: ٢٤٣]. وقال في نفسه سبحانه ﴿وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ فَٱحۡذَرُوهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]. وقال في أهل الكتاب ﴿وَٱحۡذَرۡهُمۡ أَن يَفۡتِنُوكَ﴾ [المائدة: ٤٩]. وقال في المنافقين ﴿هُمُ ٱلۡعَدُوُّ فَٱحۡذَرۡهُمۡ﴾ [المنافقون: ٤]. وقال في الأزواج والأولاد ﴿إِنَّ مِنۡ أَزۡوَٰجِكُمۡ وَأَوۡلَٰدِكُمۡ عَدُوّٗا لَّكُمۡ فَٱحۡذَرُوهُمۡ﴾ [التغابن: ١٤]. وقال في الآخرة ﴿يَحۡذَرُ ٱلۡأٓخِرَةَ وَيَرۡجُواْ رَحۡمَةَ رَبِّهِۦ﴾ [الزمر: ٩].

فتأمل: موت، والله، وأهل كتاب، ومنافقون، وأزواج وأولاد، وآخرة. كلها أعيان وأحداث، وليس فيها خبر منقول ولا رسالة مبلَّغة. ولو كان الحذر إبلاغاً لصح أن يقال احذرهم كذا كما قيل أنذرتكم صاعقة، وليس في المصحف من ذلك حرف.

وحتى إذا جاء بعده "أنْ" فالذي بعدها هو الحدث المخوف لا الخبر عنه: ﴿أَن يَفۡتِنُوكَ عَنۢ بَعۡضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَ﴾ [المائدة: ٤٩]، ﴿يَحۡذَرُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيۡهِمۡ سُورَةٞ تُنَبِّئُهُم بِمَا فِي قُلُوبِهِمۡ﴾ [التوبة: ٦٤] - وقد ختم هذه بقوله ﴿قُلُوبِهِمۡۚ قُلِ ٱسۡتَهۡزِءُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ مُخۡرِجٞ﴾، فجعل ما يحذرونه شيئاً مستوراً يُخرَج، لا خبراً يُبلَّغ، ﴿فَلۡيَحۡذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنۡ أَمۡرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمۡ فِتۡنَةٌ أَوۡ يُصِيبَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣].

فالحاذر يباشر ما يخافه ويقطع أسبابه، والمنذِر ينقل عنه خبراً. وههنا موضع يخطئ فيه كثيرون؛ إذ يظنون اللفظتين في رتبة واحدة، وإنما هما في رتبتين: هذا في الخارج وذاك في الداخل.

خامساً: ويحذركم الله نفسه

وقد قلنا إنه ليس في المصحف بشر يحذر بشراً، وإنما جاء التحذير مسنداً إلى المولى جل جلاله مرتين لا ثالثة لهما: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلۡمَصِيرُ﴾ [آل عمران: ٢٨]، ثم ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ﴾ [آل عمران: ٣٠]. فما وجه هذا الحصر؟

وجهه أن مفعول التحذير الثاني ههنا هو النفس، لا رسالة ولا خبر. قال يحذركم نفسه، ولم يقل يحذركم عذابه ولا يحذركم يوماً. فهو تحذير من ذات لا من نبأ. ومن ذا الذي يملك أن يحذّر الناس من ذات إلا صاحبها؟

وأما الإنذار فيملكه كل من حمل الخبر. ولهذا جاء فاعله في المصحف على أوسع ما يكون: النبيون ﴿وَمَا نُرۡسِلُ ٱلۡمُرۡسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ [الأنعام: ٤٨]، والكتاب ﴿هَٰذَا بَلَٰغٞ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِۦ﴾ [إبراهيم: ٥٢]، والقرآن ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ لِأُنذِرَكُم بِهِۦ وَمَنۢ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]، وطوائف المؤمنين ﴿لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوۡمَهُمۡ﴾ [التوبة: ١٢٢]، بل الجن ﴿فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوۡاْ إِلَىٰ قَوۡمِهِم مُّنذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩].

فانظر: من الرسل إلى الجن، وكلهم ينذر. ولا أحد منهم يحذّر. وليست هذه مصادفة تقع في مئة موضع.

والعلة أن النذارة رشح ينتقل من يد إلى يد، فمن حملها أدّاها. والتحذير إحداث حال في الغير بمباشرة المخوف نفسه، ولا يقدر عليه إلا من يملك ذلك المخوف.

سادساً: فكيف كان عذابي ونذر

ومن أعجب ما في الباب أن النذر تجمع وتعدّ، والحذر لا يجمع في المصحف مرة.

فسورة القمر وحدها فيها أحد عشر موضعاً من هذا الجذر. أعاد فيها ﴿فَكَيۡفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ ستّ مرات، وقال ﴿كَذَّبَتۡ ثَمُودُ بِٱلنُّذُرِ﴾ [القمر: ٢٣]، وقال ﴿كَذَّبَتۡ قَوۡمُ لُوطِۭ بِٱلنُّذُرِ﴾ [القمر: ٣٣]، وقال ﴿وَلَقَدۡ أَنذَرَهُم بَطۡشَتَنَا فَتَمَارَوۡاْ بِٱلنُّذُرِ﴾ [القمر: ٣٦]، وقال ﴿وَلَقَدۡ جَآءَ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ ٱلنُّذُرُ﴾ [القمر: ٤١]، وافتتح ذلك بقوله ﴿حِكۡمَةُۢ بَٰلِغَةٞۖ فَمَا تُغۡنِ ٱلنُّذُرُ﴾ [القمر: ٥].

فههنا مخزون متراكم يُحصى ويُكذَّب به ويُحاسَب عليه. وقال في سورة أخرى ﴿هَٰذَا نَذِيرٞ مِّنَ ٱلنُّذُرِ ٱلۡأُولَىٰٓ﴾ [النجم: ٥٦]، فجعل النذر سلسلة لها أوّل وآخر، وجعل هذا واحداً منها.

والرشح هو الذي يقبل هذا. فإن السقاء لا يرشح رشحة واحدة، بل قطرة بعد قطرة حتى ينشق. وكذلك النذر في القرآن: نذير بعد نذير حتى يقع العذاب. وقد قال ﴿ثُمَّ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا تَتۡرَا﴾ [المؤمنون: ٤٤] - أي يتبع بعضها بعضاً.

أما الحذر فليس فيه هذا. فالقطع لا يتكرر على المقطوع الواحد؛ إما أن يكون الشيء أحذّ أو لا يكون. ولهذا لم يجمع في المصحف.

سابعاً: يوفون بالنذر

وبقي أعجب ما في الجذر، وهو أن اللفظ نفسه جاء في القرآن بمعنى الوعد الذي يوجبه المرء على نفسه.

قال ﴿يُوفُونَ بِٱلنَّذۡرِ وَيَخَافُونَ يَوۡمٗا كَانَ شَرُّهُۥ مُسۡتَطِيرٗا﴾ [الإنسان: ٧]، وقال ﴿ثُمَّ لۡيَقۡضُواْ تَفَثَهُمۡ وَلۡيُوفُواْ نُذُورَهُمۡ﴾ [الحج: ٢٩]، وقال ﴿وَمَآ أَنفَقۡتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوۡ نَذَرۡتُم مِّن نَّذۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُهُۥ﴾ [البقرة: ٢٧٠]، وقالت امرأة عمران ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرۡتُ لَكَ مَا فِي بَطۡنِي مُحَرَّرٗا﴾ [آل عمران: ٣٥]، وقيل لمريم ﴿فَقُولِيٓ إِنِّي نَذَرۡتُ لِلرَّحۡمَٰنِ صَوۡمٗا﴾ [مريم: ٢٦].

فما الذي يجمع إنذار الرسل بالعذاب ونذر المرأة ما في بطنها؟ إن قلت الخوف فقد بطل؛ فليس في نذر امرأة عمران خوف، وإنما فيه رجاء وتقرّب. وإن قلت الوجوب فقد بطل أيضاً؛ فليس في إنذار الرسل إيجاب على النفس.

والذي يجمعهما الخروج. فالنذير يخرج منه الخبر إلى الناس، والناذر يخرج منه الالتزام إلى ربه؛ وكلاهما شيء خرج من الباطن فلزم أن يتمّ خروجه. ولهذا صحّ فيه الوفاء وحده: ﴿يُوفُونَ بِٱلنَّذۡرِ﴾، ﴿وَلۡيُوفُواْ نُذُورَهُمۡ﴾. فما رشح لا بدّ أن يستوفى.

ولك أن تعجب: لو كان الجذر خوفاً كما قالوا لما استقام أن يقال أوفى بخوفه. ولا يقال في العربية وفّى بحذره. ولا يزال هذا الموضع وحده كافياً في ردّ قولهم.

ثامناً: حاذرون ومنذَرون

ومما يقطع بالفرق أن اللفظين اختلفا في الصيغة اختلافاً مطّرداً.

فالحذر جاء اسم فاعل: ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَٰذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٥٦]. وجاءت أفعاله كلها لازمة بصاحبها: ﴿يَحۡذَرُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ﴾، ﴿لَعَلَّهُمۡ يَحۡذَرُونَ﴾، ﴿فَلۡيَحۡذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ﴾، ﴿مَّا كَانُواْ يَحۡذَرُونَ﴾ [القصص: ٦].

والنذارة جاءت في المنذَرين اسم مفعول: ﴿فَسَآءَ صَبَاحُ ٱلۡمُنذَرِينَ﴾ [الصافات: ١٧٧]، ﴿فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُنذَرِينَ﴾ [الصافات: ٧٣]، ﴿فَسَآءَ مَطَرُ ٱلۡمُنذَرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٣].

فأنت حاذر بنفسك، ومنذَر بغيرك. وهذه قسمة تامة لا تنخرم: ليس في المصحف محذورون في الناس، ولا ناذرون بمعنى المتيقظين. ولو كان اللفظان بمعنى واحد لتبادلت صيغهما ولو مرة.

ونظير هذا في المصدر. فقد جاء ﴿عُذۡرًا أَوۡ نُذۡرًا﴾ [المرسلات: ٦] فقابل النذر بالعذر، وكلاهما شيء يخرج من صاحبه إلى غيره. ولم يقابل الحذر بشيء في المصحف كله؛ لأنه لا يخرج فيقابَل.

تاسعاً: لعلهم يحذرون

وقد جمع القرآن الجذرين في موضع واحد لا ثاني له في المصحف كله. قال المولى جل جلاله: ﴿وَمَا كَانَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةٗۚ فَلَوۡلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرۡقَةٖ مِّنۡهُمۡ طَآئِفَةٞ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوۡمَهُمۡ إِذَا رَجَعُوٓاْ إِلَيۡهِمۡ لَعَلَّهُمۡ يَحۡذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢].

فتأمل النظم. طائفة تنفر فتتفقه، ثم ترجع فتنذر، فيحذر القوم. فالإنذار خروج من النافرين إلى القاعدين، والحذر أثر يقوم في القاعدين بعد أن بلغهم. رشحٌ ثم قطع.

ولو كانا بمعنى واحد لكانت الآية دوراً: ولينذروا قومهم لعلهم ينذرون. ولو كان الحذر إبلاغاً لصحّ أن تنعكس: وليحذروا قومهم لعلهم ينذرون - وهذا لا يقوله عربي.

ونلاحظ أن الترتيب لا يقبل العكس. فالنذارة أوّل الحدث والحذر آخره، كما أن رشح السقاء أوّل والقطع آخر. وهذا الذي يقتضيه الحرفان بعينه.

عاشراً: أحد عشر لفظاً للخطر، والحذر واحد منها

وقد يقال: هذا كله في الحذر والنذارة، فأين موضعهما من سائر ألفاظ الخطر في القرآن؟ وهو سؤال لازم، فإن العربية لا ترادف فيها، والقرآن يستعمل لكل حال لفظها.

وقد حررنا هذه الألفاظ واحداً واحداً في مقالات سابقة، وهذا جماعها في موضع واحد.

فالخوف ليس شعوراً كما يُظن، وإنما هو توقع الخطر وترجيحه، ومحله العقل. قال المولى جل جلاله ﴿فَلَا تَخَافُوهُمۡ وَخَافُونِ﴾ [آل عمران: ١٧٥]، ولو كان الخوف شعوراً لما أُمر به.

والخيفة هي ردة فعل النفس من ذلك التوقع، وهي التي نسميها بالخطأ خوفاً. وأصرح ما فيها ﴿فَأَوۡجَسَ فِي نَفۡسِهِۦ خِيفَةٗ مُّوسَىٰ﴾ [طه: ٦٧] - فقال في نفسه، ولم يقل في عقله.

والخشية أن تحسب حساب أمر فيه شر. قال ﴿خَشۡيَةَ إِمۡلَٰقٖ﴾ [الإسراء: ٣١] - وهو حساب لفقر لم يقع بعد. وقال ﴿﴾ [فاطر: ٢٨] - وأهل العلم أعرف الناس بالحساب.

والرعب أعلى درجات الخيفة، وينتهي بصاحبه إلى الانهيار التام. قال ﴿سَنُلۡقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعۡبَ﴾ [آل عمران: ١٥١] - فجعله مادة تُلقى في القلب فتملؤه.

والفزع قيام سريع وحركة سريعة لأي سبب كان، لا ذعر. ويقطع به قوله ﴿وَهُم مِّن فَزَعٖ يَوۡمَئِذٍ ءَامِنُونَ﴾ [النمل: ٨٩] - ولو كان الفزع ذعراً لما استقام أن يكونوا آمنين منه وقد فزعوا.

والرهب ابتعاد عن الشيء خوفاً منه أو من نتائجه، وهو فعل لا شعور. قال ﴿ِ﴾ [البقرة: ٤٠]، ولو كان شعوراً لما أُمر به. ونقيضه الرغب، وهو الإقبال.

والإشفاق ترقق وهشاشة تسبق التكسر. قال ﴿وَهُم مِّنۡ خَشۡيَتِهِۦ مُشۡفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨] - فجعل الخشية سبباً والإشفاق أثراً، ولو كانا واحداً لصار الكلام: من خشيته خاشون.

والنأي بُعد في المسافة. قال ﴿وَهُمۡ يَنۡهَوۡنَ عَنۡهُ وَيَنۡـَٔوۡنَ عَنۡهُۖ﴾ [الأنعام: ٢٦] - فالنائي يترك الموضع.

والاجتناب أن تضع الشيء جانباً فلا تكترث به، وقد لا تبعد عنه شبراً. قال ﴿ٱجۡتَنِبُواْ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلظَّنِّ﴾ [الحجرات: ١٢] - والظن لا يُنأى عنه مسافة.

والتقوى أن تضع بينك وبين الشيء حاجزاً يتلقاه عنك. قال ﴿وَجَعَلَ لَكُمۡ سَرَٰبِيلَ تَقِيكُمُ ٱلۡحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] - فالسربال هو الحاجز وهو الفاعل. وقال ﴿أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجۡهِهِۦ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ﴾ [الزمر: ٢٤] - فجعل وجهه حاجزاً، وهذه باء الاستعانة.

فيبقى الحذر، وهو الخانة التي لم تُملأ.

وهو الذي قررناه في هذا المقال: أن تقف عند الحد فلا تتعداه. لا توقّع في عقل، ولا شعور في نفس، ولا حساب، ولا انهيار، ولا حركة، ولا بُعد، ولا ناحية، ولا حاجز. أنت واقف على الخط نفسه، لا وراءه ولا خلفه، وآخر المطاف المسموح تحت قدمك.

وانظر كيف اطردت القسمة في المصحف، فلم يقم لفظ منها مقام صاحبه:

اللفظما هوالشاهد
الخوفتوقُّع في العقل﴿فَلَا تَخَافُوهُمۡ وَخَافُونِ﴾
الخيفةشعور في النفس﴿فَأَوۡجَسَ فِي نَفۡسِهِۦ خِيفَةٗ مُّوسَىٰ﴾
الخشيةحساب لما قد يقع﴿خَشۡيَةَ إِمۡلَٰقٖۖ﴾
الرعبانهيار تام﴿سَنُلۡقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعۡبَ﴾
الفزعقيام وحركة سريعة﴿وَهُم مِّن فَزَعٖ يَوۡمَئِذٍ ءَامِنُونَ﴾
الإشفاقترقُّق يسبق التكسُّر﴿وَهُم مِّنۡ خَشۡيَتِهِۦ مُشۡفِقُونَ﴾
الرهبابتعاد عن الشيء﴿ِ﴾
النأيبُعد في المسافة﴿وَيَنۡـَٔوۡنَ عَنۡهُۖ﴾
الاجتنابوضعه في ناحية﴿ٱجۡتَنِبُواْ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلظَّنِّ﴾
التقوىحاجز يتلقاه عنك﴿سَرَٰبِيلَ تَقِيكُمُ ٱلۡحَرَّ﴾
الحذرالوقوف عند الحد فلا تتعداه﴿خُذُواْ حِذۡرَكُمۡ﴾

وههنا يظهر لِمَ لم يُغنِ لفظ منها عن الحذر في مواضعه. فلو قال في صلاة الخوف: وليأخذوا تقواهم وأسلحتهم، لصار السلاح هو التقوى نفسها ولم يستقم العطف. ولو قال: وليأخذوا خوفهم، لأمر بتوقع لا بفعل. ولو قال: وليجتنبوا وأسلحتهم، لأمرهم بترك القتال. فلم يبق إلا الحذر.

وأما النذارة فليست من هذا الباب أصلاً؛ فإن هذه كلها أفعال صاحب الخطر في نفسه، والنذارة فعل غيره فيه. ولهذا لم تُقرن واحدة منها بالبشارة، وقُرنت النذارة بها في ستة عشر موضعاً.

حادي عشر: التقوى ألا تقرب الحد، والحذر ألا تتجاوزه

وقد بقي أقرب هذه الألفاظ إلى الحذر، وهو التقوى. وأشكل ما فيه أن القرآن استعملهما في مقام واحد، فلا بد من فيصل.

والفيصل في آيتين من سورة البقرة، بينهما اثنتان وأربعون آية، والموضوع فيهما واحد وهو حدود الله، والأمر مختلف.

قال في الأولى: ﴿تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقۡرَبُوهَاۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٧]. وقال في الثانية: ﴿تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَعۡتَدُوهَاۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩].

فتأمل: حيث قال لا تقربوها ختمها بـلعلهم يتقون، وحيث قال لا تعتدوها لم يذكر التقوى ولا حرفاً واحداً. فالتقوى في نظم القرآن لازمة البعد عن الحد، لا الوقوف عليه.

ويشهد له أن أدوات التقوى في القرآن كلها حواجز تبعدك: ﴿كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]، و﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِۗ﴾ [العنكبوت: ٤٥] - والنهي حجز. فالصائم والمصلي كلاهما مسافة عن الحد، لا واقف عليه.

فالمتقي لا يبلغ الحد، والحاذر يبلغه ولا يتجاوزه.

وليسا في رتبة واحدة. فللتقوى تفضيل ودرجات، قال ﴿إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ﴾ [الحجرات: ١٣]، وليس في المصحف أحذركم ولا شيء من التفضيل في الحذر البتة. وللمتقين جزاء وطائفة، ﴿أُعِدَّتۡ لِلۡمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] و﴿وَأُزۡلِفَتِ ٱلۡجَنَّةُ لِلۡمُتَّقِينَ﴾ [الشعراء: ٩٠]، ولم يوعد على الحذر جنة ولا أجر في موضع واحد.

وأعجب من ذلك أن اسم الفاعل من حذر لم يقع في المصحف إلا مرة واحدة، وهي لجيش فرعون ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَٰذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٥٦]. فلم يوصف به نبي ولا مؤمن. وسائر مواضعه في سياق التقصير: ﴿يَحۡذَرُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ﴾ [التوبة: ٦٤]، و﴿فَلۡيَحۡذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنۡ أَمۡرِهِۦٓ﴾ [النور: ٦٣]، و﴿مَّا كَانُواْ يَحۡذَرُونَ﴾ في فرعون وهامان [القصص: ٦].

فالتقوى أعلى والحذر أدنى. ومن ابتعد فقد أخذ بالأعلى، ومن وقف فقد أخذ بالأدنى، وكلاهما لم يهلك.

ولهذا استقام أن يجمع بينهما في آية واحدة على هذه القسمة: ﴿إِلَّآ أَن تَتَّقُواْ مِنۡهُمۡ تُقَىٰةٗۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ﴾ [آل عمران: ٢٨]. فمن الكافرين تبعد نفسك عنهم وتجعل بينك وبينهم مسافة، ومن الله لا مسافة تبعدك؛ فلم يبق إلا الوقوف عند الحد.

فإن قيل: وما وجه الوقوف عند الحد من الحذر؟ قلنا: هو حد الكتلة بعينه. فقد مضى أن (حذ) كلها حافة وطرف وحد؛ فالحذف قطف الشيء من الطرف، والحُذْل حاشية الثوب، والحذافير جوانب الشيء وأعاليه، والحِذرية أعلى الجبل الصلب. فالحاذر واقف على الحافة، والقطع فيه قطع الحركة عند الحد لا قطع الجرم.

ثاني عشر: الحذر يأتي حيث تعطى الرخصة

وأدق ما في هذا الباب أن الحذر في المصحف لا يأتي حيث يطلق النهي، وإنما يأتي حيث تعطى الرخصة. وقد بحثنا عن كل موضع اجتمعت فيه رخصة وحذر فلم نجد غير ثلاثة، وفي كل واحد منها الحذر قيد الرخصة لا كلام عام.

فالأول في موالاة الكافرين. قال: ﴿لَّا يَتَّخِذِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَلَيۡسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيۡءٍ إِلَّآ أَن تَتَّقُواْ مِنۡهُمۡ تُقَىٰةٗۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ﴾ [آل عمران: ٢٨]. فنهي، ثم رخصة، ثم تحذير يليها بلا فاصل.

والثاني في صلاة الخوف. قال: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ إِن كَانَ بِكُمۡ أَذٗى مِّن مَّطَرٍ أَوۡ كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَن تَضَعُوٓاْ أَسۡلِحَتَكُمۡۖ وَخُذُواْ حِذۡرَكُمۡۗ﴾ [النساء: ١٠٢]. فأذن في وضع السلاح، ثم أتبعه الحذر في اللفظ الذي يليه.

والثالث في التعريض بالخطبة. قال: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِيمَا عَرَّضۡتُم بِهِۦ مِنۡ خِطۡبَةِ ٱلنِّسَآءِ أَوۡ أَكۡنَنتُمۡ فِيٓ أَنفُسِكُمۡۚ﴾ ثم ﴿وَلَٰكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّآ أَن تَقُولُواْ قَوۡلٗا مَّعۡرُوفٗاۚ﴾ ثم ﴿وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ فَٱحۡذَرُوهُۚ﴾ [البقرة: ٢٣٥]. فثلاث مرات على الترتيب نفسه: إذن، ثم حد للإذن.

فما وجه هذا الاطراد؟

وجهه أن المتعرض للفتنة واقف بين خطين: خط الأشرار وخط المولى. فإذا اتقيت الأشرار، أي ابتعدت عن خطهم وتنازلت لهم، فأنت في تلك اللحظة نفسها تقترب من خط الله. فالرخصة تحركك، ولا تحركك إلا في جهة واحدة. فأباح لك بعض التنازل، ثم قال لك في الحال: وههنا آخر المطاف المسموح.

ولهذا لم يقل بعد النهي المطلق ويحذركم الله نفسه، وإنما قالها بعد الاستثناء. فالنهي لا يحتاج إلى حد؛ الذي يحتاج إلى حد هو الإذن.

وقرينة ثانية تشد هذا. فموضعان من الثلاثة يذكر فيهما علمه بما في النفس عند الحد بعينه: ﴿وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ فَٱحۡذَرُوهُۚ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، وبين آيتي التحذير في آل عمران ﴿قُلۡ إِن تُخۡفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمۡ أَوۡ تُبۡدُوهُ يَعۡلَمۡهُ ٱللَّهُۗ﴾ [آل عمران: ٢٩]. والرخصة هي الموضع الذي يفترق فيه الظاهر والباطن؛ فمن تذرع بالتقاة وقلبه مع القوم فقد تجاوز وهو يحسب نفسه في الرخصة. فذكرهم بعلمه بالباطن حيث يخشى التحايل.

وقرينة ثالثة أن آيات آل عمران الثلاث وحدة واحدة على هذا النظم: الثامنة والعشرون رخصة وحدها، والتاسعة والعشرون علمه بالباطن، والثلاثون الحد يوم الحساب. وأعاد ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ﴾ في أولها وآخرها، فصارت الرخصة محاطة بالتحذير من طرفيها.

صيغة الرخصة الجامعة: غير باغ ولا عاد

ولم يترك المولى جل جلاله هذا إلى الاستنباط، بل نص عليه في الصيغة التي يكرر بها كل رخصة في الطعام. قال: ﴿فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۚ﴾ [البقرة: ١٧٣]، وأعادها بلفظها في ﴿فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ فَإِنَّ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، وفي ﴿فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ فَإِنَّ﴾ [النحل: ١١٥] - ثلاث مرات. وبدل الأولى في الرابعة بأصرح منها: ﴿فَمَنِ ٱضۡطُرَّ فِي مَخۡمَصَةٍ غَيۡرَ مُتَجَانِفٖ لِّإِثۡمٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ﴾ [المائدة: ٣].

فتأمل: أذن للمضطر، ثم قيده بقيدين لا بقيد واحد.

فالأول قيد في النفس: ألا يكون باغياً، أي راغباً فيها متذرعاً بالضرورة وليس بمضطر. وأصرح منه في المائدة: غير متجانف لإثم، أي غير مائل بقلبه إليه.

والثاني قيد في الفعل: ألا يكون عادياً، أي ألا يتجاوز قدر الضرورة.

وههنا يظهر لم ذكر علمه بما في النفس في موضعي التحذير. فإن الرخصة لا ينقضها إلا شيئان: أن تأخذها وأنت غير مضطر - وهذا لا يعلمه إلا الله، فقال ﴿يَعۡلَمُ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ﴾؛ أو أن تتجاوز قدرها - وهذا يعلم بالفعل، فقال ﴿فَٱحۡذَرُوهُ﴾. فذكر لكل نقض بابه.

وأنفس ما في الباب أن اللفظ واحد. فقوله في الرخصة ﴿وَلَا عَادٖ﴾ هو قوله في الحدود ﴿فَلَا تَعۡتَدُوهَا﴾ - جذر واحد. فالعادي هو الذي جاوز الحد، والحاذر هو الذي وقف عنده. فاجتمعت آية الرخصة وآية الحدود وآية التحذير على كلمة واحدة.

فليس قوله ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ﴾ تخويفاً مبهماً؛ هو قوله: أذنت لكم في التقاة عند الاضطرار، فمن اتخذها وليس بمضطر فأنا أعلم ما في نفسه، ومن جاوزها فقد تعدى حدي.

التقوى أن تبتعد عن الحد. والرخصة أن يؤذن لك في الدنو منه. والحذر آخر المطاف المسموح.

ثالث عشر: والله رؤوف بالعباد

وبقي آخر ما في الباب، وهو أعجبه. فإنه ختم آية التحذير الثانية بقوله ﴿وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ﴾ [آل عمران: ٣٠]. فما موقع الرأفة من التحذير؟ أهي استدراك عليه وتخفيف من وقعه، أم هي منه؟

وقد حررنا الرأفة في موضعها فانتهينا إلى أنها دنو لين يمنع اليد أن تقع، وأنها باعث في القلب لا فعل في الخارج. ويقطع به قوله في الحد: ﴿وَلَا تَأۡخُذۡكُم بِهِمَا رَأۡفَةٞ فِي دِينِ ٱللَّهِ﴾ [النور: ٢] - فالجلد صدم، والرأفة هي التي تحبس اليد عنه؛ ولو كانت محواً للذنب لما احتيج إلى نهي، فإن الذنب ثابت والحد واقع.

فإذا وضعت هذا في موضعه من الآية انحلت الخاتمة انحلالاً تاماً: التحذير نفسه رأفة. إذ لو شاء لأخذ بغتة، فلما قدم البيان ووقف عند حد الإنذار فقد دنا ولم يصدم. فليست ﴿رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ﴾ تخفيفاً بعد تهديد، بل هي تعليل التحذير لا معارضته: ما حذر إلا لأنه رؤوف.

وقرينتان تشدان هذا.

الأولى أن لفظ ﴿بِٱلۡعِبَادِ﴾ لم يقع في القرآن إلا خمس مرات: مرتين مع رؤوف - ههنا وفي ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشۡرِي نَفۡسَهُ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ﴾ [البقرة: ٢٠٧] - وثلاثاً مع بصير. ولم يقع مع غفور ولا رحيم ولا عفو قط. والخمسة كلها في مقام مباشرة وملابسة: بصر يلاحظ أو رأفة تدنو.

والثانية أنه لم يقل ههنا والله غفور رحيم، ولو قالها لانقلب المعنى إلى محو الصحيفة؛ والمقام مقام منع قبل الوقوع لا محو بعده. فاختار اللفظ الذي فيه الدنو دون الصدم، وترك اللفظ الذي فيه المحو بعد الوقوع.

فاجتمع في الآية الواحدة ثلاثة على ترتيبها: نفس تتمنى المسافة ولا تنالها، وتحذير يقف بها عند الحد، ورأفة هي التي بعثت على التحذير.

الخاتمة

والآن نعود إلى الأسئلة التي بدأنا بها، فنجيبها واحداً واحداً.

فأما جمعه بين الجذرين في آية النفير فلأنهما حدثان لا حدث واحد: الإنذار رشح يخرج من النافر إلى قومه، والحذر قطعٌ يحدثه القوم في أنفسهم بعد أن بلغهم. ولو كانا واحداً لكان الكلام دوراً.

وأما أن الحذر يؤخذ والنذير يجيء فلأن الحذر حال يحدثها المرء في نفسه فيملكها، فيؤخذ كما يؤخذ السلاح، والنذير قائم خارجه فيرد عليه ولا يؤخذ. ولهذا قال حذركم وحذرهم، ولم يقل نذيركم قط.

وأما حصر التحذير في المولى جل جلاله فلأن مفعوله ذاته سبحانه ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥ﴾، ولا يحذّر من ذات إلا صاحبها. والإنذار نقل خبر، فيقدر عليه كل من حمله - حتى الجن.

وأما اجتماع الإنذار بالعذاب والنذر لله في جذر واحد فلأن الجامع بينهما الخروج لا الخوف: هذا يخرج منه الخبر، وذاك يخرج منه الالتزام؛ وكلاهما إذا خرج وجب أن يتمّ. ولهذا يوفَى النذر ولا يوفَى الحذر.

وأما جمع النذر وامتناع جمع الحذر فلأن الملقى يتوالى واحداً بعد واحد، فيُعدّ ويُحصى ﴿هَٰذَا نَذِيرٞ مِّنَ ٱلنُّذُرِ ٱلۡأُولَىٰٓ﴾؛ والقطع لا يتوالى على المقطوع الواحد.

وأما حاذرون ومنذَرون فلأن الحال تقوم بصاحبها فهو فاعلها، والملقى يأتيه من غيره فهو مفعول به.

وأما النذير بين يدي عذاب شديد فهو أصرح ما في الباب. فالنذير أول ما يخرج فيدل على ما وراءه، كما يَنِذّ السقاء قبل أن ينشق، وكما يَنِذّ الجرح قبل أن يتفاقم. ولهذا صار النبي صلى الله عليه وسلم نذيراً للبشر: أوّل ما خرج من ذلك اليوم، وهو بعدُ لم يجئ.

وأما ختمه آية التحذير بالرأفة فلأن التحذير نفسه رأفة: دنو بلا صدم. ولو شاء لأخذ بغتة، فلما بين ووقف عند حد الإنذار فقد دنا ولم تقع يده.

وأما فرق الحذر عن التقوى فالمتقي لا يبلغ الحد والحاذر يبلغه ولا يتجاوزه. وقد قال في الحدود ﴿فَلَا تَقۡرَبُوهَا﴾ فختمها ﴿لَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ﴾، وقال ﴿فَلَا تَعۡتَدُوهَا﴾ فلم يذكر التقوى.

فالنذارة تنتقل والحذر يثبت. وذاك يبدأ من عند غيرك وينتهي عندك، وهذا يبدأ عندك وينتهي عندك. وهذه خانة كانت فارغة في نظام ألفاظ الخطر، فامتلأت.

اللهم اجعلنا ممن إذا أنذر حذر، ولا تجعلنا ممن قال ﴿قَدۡ جَآءَنَا نَذِيرٞ فَكَذَّبۡنَا﴾. هذا والله أعلم.

  1. جمهرة اللغة جـ١ صـ٥٠٧، مادة (ح ذ ر).
  2. معجم مقاييس اللغة جـ٢ صـ٣٧، باب الحاء والذال وما يثلثهما.
  3. المحكم والمحيط الأعظم جـ١٠ صـ٦١، مادة (ن ذ ر).
  4. معجم مقاييس اللغة جـ٥ صـ٤١٤، باب النون والذال وما يثلثهما.
  5. تهذيب اللغة جـ١٤ صـ٣٠٣، مادة (نذر).
  6. معجم مقاييس اللغة جـ٥ صـ٤١٤.
  7. تهذيب اللغة جـ١٤ صـ٣٠٣.
  8. معجم مقاييس اللغة جـ٢ صـ٥، مادة (حذ) في باب المضاعف. وبابُ المضاعف في كتابه بابٌ مستقل عن باب ما يثلّثهما.
  9. معجم مقاييس اللغة جـ٢ صـ٣٨، مادة (حذق).
  10. معجم مقاييس اللغة جـ٢ صـ١١٥، مادة (حوذ). وفيها ﴿ٱسۡتَحۡوَذَ عَلَيۡهِمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ﴾ [المجادلة: ١٩] قال: «وذلك إذا غلبه وساقه إلى ما يريد من غيّه».
  11. العين جـ٣ صـ٢٢، باب الحاء مع الذال. وفيه أن هذا الباب لا مقلوب له: «باب الحاء مع الذال ح ذ مستعمل، فقط». وينقل الأزهري هذا النص في التهذيب معزوّاً إلى الليث.
  12. معجم مقاييس اللغة جـ٢ صـ٥.
  13. معجم مقاييس اللغة جـ٢ صـ٣٨، مادة (حذق).
  14. العين جـ٣ صـ٢٠١ في (حذف)، وجـ٣ صـ٤٢ في (حذق)، وجـ٣ صـ٢٠٣ في (حذم).
  15. العين جـ٣ صـ٢٨٤ في (حذو)، والصحاح جـ٦ صـ٢٣١٠ في (حذي)، والعين جـ٣ صـ٩١ في (شحذ)، والعين جـ٣ صـ٣٢٤ في (حذلق)، والصحاح جـ٤ صـ١٦٦٨ في (حذل)، والصحاح جـ٢ صـ٦٢٦ في (حذفر).
  16. العين جـ٣ صـ١٩٩، مادة (حذر).
  17. لسان العرب جـ٤ صـ١٧٦، مادة (حذر).
  18. تهذيب اللغة جـ٤ صـ٢٦٧، مادة (حذر).
  19. معجم مقاييس اللغة جـ٢ صـ٣٧.
  20. العين جـ٨ صـ١٧٧، باب الذال والنون.
  21. كتاب الجيم لأبي عمرو الشيباني جـ٣ صـ٢٨٥.
  22. التكملة والذيل والصلة للصغاني، مادة (ن ذ ذ)، عن ابن الأعرابي. ونقله الزبيدي في تاج العروس في المادة نفسها.
  23. العين جـ٨ صـ١٧٧.
  24. جمهرة اللغة جـ١ صـ١١٩، مادة (ذ ن ن).
  25. العين جـ٨ صـ١٩٠ - ١٩١، مادة (ذنب).
  26. العين جـ٨ صـ١٨٩ - ١٩٠، مادة (نفذ).
  27. العين جـ٨ صـ١٩١، مادة (نبذ).
  28. تهذيب اللغة جـ١٤ صـ٣٠٢، مادة (نذر).
  29. وفي الموضع نفسه قول آخر، رواه شمر عن أبي سعيد الضرير: «إنما قيل له نَذر، لأنه نُذِر فيه أي أُوجِب، من قولك: نذرتُ على نفسي أي أوجبتُ». تهذيب اللغة جـ١٤ صـ٣٠٢.
  30. المحكم والمحيط الأعظم جـ١٠ صـ٦١.
  31. العين جـ٨ صـ١٨٠، مادة (نذر).
  32. معجم مقاييس اللغة جـ٦ صـ١٣١، مادة (وقي).
  33. الصحاح جـ٦ صـ٢٣١٠، مادة (حذو).
  34. معجم مقاييس اللغة جـ٥ صـ٣٧٧، مادة (نأي).
  35. معجم مقاييس اللغة جـ١ صـ٤٨٣، مادة (جنب).
  36. العين جـ٣ صـ١٩٩، وتهذيب اللغة جـ٤ صـ٢٦٧.
  37. تهذيب اللغة جـ٤ صـ٢٦٧. ونسبه ابن منظور إلى الأصمعي: «قال الأصمعي: لم أسمع هذا الحرف لغير الليث، وكأنه جاء به على لفظ نذيرُك وعذيرُك». لسان العرب جـ٤ صـ١٧٦.

التعليقات (0)