لماذا نعت القرآن أنه حديث؟
التأصيل اللغوي: محادثة السيف وجلاؤه
يُعد جذر (ح د ث) من الجذور المحورية في
النص القرآني، وقد ناله من الغموض ما ناله بسبب التفسيرات التراثية، أو القراءات
المعاصرة التي جانبت الصواب. المنطلق اللغوي الدقيق للجذر يشير إلى "كون
الشيء لم يكن"، ولكن في الاستخدام القرآني، لا يعني هذا "الاختراع من
العدم" أو البدعة، بل يعني "إعادة الشيء إلى الوجود الذهني أو الواقعي
بعد غياب". ولم نجد في لسان العرب معنىً يقربنا من القصد القرآني إلا قولهم:
"محادثة السيف جلاؤه"، أي إزالة ما علق به من صدأ وإعادة صقله ليلمع من جديد.
ومن هنا نؤسس نظريتنا: الحديث في القرآن هو عملية "جلاء" للذاكرة،
وإعادة صقل لما استقر فيها من عهود قديمة، وليس إتيانًا ببدعة من القول. ([1])
الفرضية المركزية: الحديث كعملية استرجاع للقديم
بناءً على التوطئة اللغوية، فإن تسمية
أجزاء من القرآن بـ "الحديث" هي توصيف دقيق لوظيفتها الاسترجاعية،
ويتجلى ذلك في محورين:
القصص القرآني
{وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ} [طه: 9]
هي وقائع حدثت في الزمن الغابر، والقرآن
قام بـ "تحديثها"، أي نفض الغبار عنها وإعادة عرضها للعبرة بعد أن طواها
النسيان.
العقائد والتوحيد
{قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف: 9]
ليست جديدة، بل هي "حديث"
لأنها تكرار لما جاء به الرسل السابقون وما رُكّز في الفطرة، فالنبي هنا لا يبتدع،
بل يجدد.
إضاءات على نصوص قرآنية مُشكلة
تتضح دقة النظرية عند تطبيق قاعدة
"إحياء القديم" على الآيات التي قد تبدو غامضة، حيث يظهر المعنى جلياً
كما يلي:
سورة الزلزلة
{يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا} [الزلزلة: 4]
الزلزلة والدمار الحاصل هو
"الخبر" لأنه واقع ماثل أمام أعينهم يرونه ويشهدونه. أما
"التحديث" فهو قيام الرسول في ذلك الموقف بالتكلم وإعادة ذكر ما كان
يقوله لهم في الدنيا، فيربط هذا المشهد بوعيد الله القديم. فالحديث هنا هو استدعاء
الرسول للمعلومة القديمة التي كان يخبرهم بها في الحياة الدنيا، ليؤكد لهم الآن أن
هذا الدمار هو تنفيذ للأمر الإلهي السابق الذي وعدهم به.
سورة طه
{أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا} [طه: 113]
القرآن لا يخلق لهم ذاكرة جديدة من
العدم، بل "يُحدث" الذكر، أي يجدد العهد بمعلومات قديمة ومواثيق فطرهم
الله عليها (عالم الذر) وكادت أن تمحى، فيقوم القرآن بجلاء صدأ النسيان عنها.
قصة موسى والخضر
{فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا} [الكهف: 70]
الخضر لم يأتِ بمعلومات جديدة مستقبلياً،
بل قام بـ "تحديث" ذاكرة موسى حول الأحداث الثلاثة التي وقعت وانتهت
(السفينة، الغلام، الجدار)، فهو يعيد سرد القصة القديمة، ولكن ببيان جديد يكشف
غموضها.
سورة النساء
{فَمَالِ هَٰؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا} [النساء: 78]
الآية تتكلم عن أن (الحسنة والسيئة من
الله). هذه عقيدة "قديمة" جداً تكررت في كل الرسالات وفي الميثاق الأول،
وليست لغزاً جديداً، ومع ذلك لا يفقهونها! وصفها بالحديث لأنها من المسلمات
القديمة التي يُفترض أن تكون معلومة بالضرورة.
سورة لقمان
{وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ} [لقمان: 6]
لماذا سميت أساطير العرب
"حديثاً"؟ لأنهم استجلبوا قصصاً "قديمة" وأساطير غابرة
ليواجهوا بها "الحديث القرآني" (القصص الحق). فكلاهما يعتمد على الذاكرة
والماضي، لكن القرآن يحيي الحق، وهم يحيون الباطل.
الإحداث العملي في الواقع الاجتماعي والنفسي
يتجلى المفهوم في أفعال اجتماعية ونفسية
تعيد "القديم" للحياة، ولا تقتصر على الكلام فقط:
آية الطلاق
{لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا} [الطلاق: 1]
الإحداث هنا ليس خلق أمر عشوائي، بل
السياق (الأمر بالبقاء في البيت) يؤكد أن الغاية هي "إعادة إحياء الزواج
القديم" وترميم العلاقة التي ماتت، فالله يجدد المودة القديمة.
آية يوسف
{وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ} [يوسف: 6]
الرؤيا مجرد صورة، وتتحول إلى
"حديث" عندما يكرر الرائي سردها ويعيد إحياءها بالكلام، فهي ذكريات
منامية يُعاد بثها طلباً للتفسير.
ما ليس بحديث: التأسيس للغيب والجديد
تمييزاً للمفهوم، فإن ما استجد من معجزات
آنية، أو نبوءات مستقبلية، لا يسمى "حديثاً" لأنه ليس إحياءً لذكرى
سابقة، بل هو "نبأ" وتأسيس لواقع جديد لم يكن في الحسبان.
سورة الروم
{الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ} [الروم: 1-3]
هذا الخبر المستقبلي يمثل
"الجديد" المحض الذي لا ذاكرة له، ولذلك فهو نبأ وليس حديثاً.
خلاصة القول: الغاية من التسمية
إن الغرض العميق من استخدام لفظة
"حديث" و"حدث" في التنزيل هو رسالة موجهة لقريش ولكل من كفر،
مفادها: أن هذا الرسول لا يأتي بـ "إبداع" من عنده، ولم يختلق ديناً لم
يسبقه إليه أحد من العالمين، بل هو مجرد "تحديث" لمعلومات قديمة، وإخراج
للحقائق من قبرها بعد موتها ونسيانها. فالقرآن حين يقول إنه "حديث"، فهو
ينفي عن نفسه تهمة البدعة والاختلاق البشري، ويؤكد أنه امتداد للتعليمات الإلهية
القديمة. أما حين يؤسس للغيب والجديد (كالنبأ والمعجزات)، فهو يثبت اتصال الرسول
بالسماء في اللحظة الآنية، فهو هنا ليس بحديث.
هذا والله أعلم
علي موسى الزهراني
هل لديك نظرة أخرى
أطرحها هنا كي نستفيد من علمك